story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

الغالي: “الأعيان” ما زالوا يتحكمون في الانتخابات.. والعزوف يفتح الباب أمام المال السياسي

ص ص

قال محمد الغالي، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة القاضي عياض بمراكش، إن الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل لا ينبغي اختزالها في مجرد تنافس بين الأحزاب على المقاعد البرلمانية، معتبرا أنها تشكل آلية لإنتاج النخب والشرعية والتمثيل السياسي.

وأكد الغالي، خلال استضافته في برنامج “لقاء خاص” على صحيفة “صوت المغرب”، أن دستور 2011 نقل النقاش حول الشرعية السياسية إلى مستوى جديد، من خلال ما وصفه بـ”شرعية الإنجاز”، المرتبطة بقدرة الدولة والمؤسسات على الاستجابة لانتظارات المواطنين في الصحة والتعليم والشغل والسكن والماء وغيرها.

الشرعية اليوم مرتبطة بالإنجاز

وأوضح أستاذ العلوم السياسية أن الشرعية لم تعد تقوم فقط على عناصر تقليدية مرتبطة بالتاريخ والدين والعادات والتقاليد، مشيرا إلى أن المغرب يعيش تحولات اجتماعية وثقافية تفرض ربط الشرعية بمدى قدرة المؤسسات على تحقيق نتائج ملموسة.

وربط الغالي هذا التحول بمسار بناء “الدولة الاجتماعية”، مشيرا إلى أن انتخابات 2011 و2016 و2021 ثم انتخابات 2026 جرت في سياقات مختلفة، طبعتها أحداث وتحولات كبرى.

واستحضر في هذا السياق تداعيات جائحة كورونا، و”سبع سنوات عجاف من الجفاف”، إضافة إلى التحولات الجيوسياسية وتطور قضية الوحدة الترابية والتحالفات الجديدة، فضلا عن استعداد المغرب لتنظيم كأس العالم.

وقال إن تنظيم كأس العالم لا ينبغي النظر إليه فقط كتظاهرة رياضية، وإنما باعتباره فرصة تضع الدولة أمام مجموعة من التعاقدات والالتزامات التي يتعين تنفيذها.

الفصل 47.. “لا يمكن التراجع عنه بسهولة”

وفي ما يتعلق بالفصل 47 من الدستور، الذي ينظم تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، رفض الغالي ربط النقاش حول هذا الفصل فقط بنتائج التجارب الحكومية السابقة.

وأكد أن مطلب وجود رئيس حكومة منبثق عن الحزب المتصدر كان جزءا من مطالب الأحزاب الوطنية في سياق المطالبة بالملكية البرلمانية، مستحضرا مذكرات أحزاب الحركة الوطنية خلال سنوات 1990 و1996.

واعتبر أن مراجعة الفصل 47 “صعبة”، بالنظر إلى ارتباطه بطبيعة النظام السياسي المنصوص عليها في الفصل الأول من الدستور، الذي يصف نظام الحكم بالمغرب بأنه “ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية”.

وأشار إلى أن الفصل المذكور يحدد تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات، بينما ينص الفصل 88 على أن الحكومة لا تصبح منصبة دستوريا إلا بعد حصولها على ثقة مجلس النواب بناء على برنامجها الحكومي.

لكن الغالي يرى أن الإشكال لا يكمن فقط في النصوص، وإنما أيضا في قدرة الانتخابات على إنتاج “أغلبية قوية وحزب أغلبي قوي”.

أزمة 2016 كرست عرفا دستوريا

وفي حديثه عن الممارسة السياسية، أشار الغالي إلى ما سماه “الكتلة الدستورية”، التي تشمل النص الدستوري والقوانين التنظيمية والأعراف والممارسات الدستورية واجتهادات القضاء الدستوري.

واعتبر أن التجربة السياسية المغربية كرست بعض الأعراف التي لم ينص عليها الدستور بشكل صريح، مستحضرا أزمة تشكيل الحكومة عقب انتخابات 2016.

وأوضح أن الفصل 47 لا يتحدث عن تعيين الأمين العام للحزب المتصدر، وإنما عن تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات، مشيرا إلى أن تعذر تشكيل عبد الإله بنكيران للأغلبية في 2016 انتهى بتكليف سعد الدين العثماني، الذي كان الرجل الثاني في الحزب، بتشكيل الحكومة.

الانتخابات ليست بلا معنى

ورفض الغالي الطرح القائل إن نتائج الانتخابات لا تغير شيئا لأن توزيع الصلاحيات السياسية محسوم مسبقا، مؤكدا أن “نحن من نعطي معنى للمؤسسات”.

وأوضح أن الدستور ينص على أن السيادة للأمة، وأن هذه السيادة تمارس عن طريق الاستفتاء والانتخاب المباشر وغير المباشر.

غير أنه شدد على أن فعالية صوت الناخب ترتبط بالتربية السياسية والتنشئة والثقافة السياسية، معتبرا أن السؤال لا يتعلق فقط بمن يصوت المواطن، وإنما بمدى وعيه بوظيفته السياسية ودور المؤسسات التي يختار أعضاءها.

“الدولة الاجتماعية” تحتاج إلى تمويل

وانتقد الغالي، بشكل غير مباشر، الاكتفاء برفع شعار “الدولة الاجتماعية” دون تقديم أجوبة واضحة عن كيفية تمويل الالتزامات الاجتماعية.

وأشار إلى أن مختلف الأحزاب تتحدث عن الصحة والتعليم والسكن وتعزيز الدولة الاجتماعية، لكن السؤال الأساسي، حسبه، هو “من أين سيتم تعبئة الإمكانات والضرائب والجبايات دون الإثقال على كاهل المواطنين؟”.

كما دعا إلى التفكير في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والقيمة المضافة، بدل تقديم وعود وأرقام انتخابية دون توضيح مصادر تمويلها.

القوانين الانتخابية.. “لا تفسر كل شيء”

وبخصوص التعديلات المتكررة التي تعرفها القوانين الانتخابية قبل كل استحقاق، قال الغالي إن “القانون لا يفسر كل شيء”، معتبرا أن القانون يؤطر ميزان القوة في لحظة سياسية معينة.

ورفض حصر ظاهرة “التفصيل على المقاس” في التجربة المغربية، مشيرا إلى أن اللوبيات ومجموعات الضغط موجودة أيضا في الديمقراطيات الأخرى، ومنها الولايات المتحدة.

وبخصوص القاسم الانتخابي واحتسابه على أساس المسجلين في اللوائح الانتخابية، اعتبر الغالي أن القواعد الانتخابية “زئبقية”، وأن التقطيع الانتخابي ليس محايدا في أي مكان.

وقال إن النظام الانتخابي يصبح صالحا عندما يكون قادرا على الاستجابة للمشاكل التي يطرحها المجتمع، معتبرا أن تعديله المستمر يعكس بحثا عن توازن بين تفادي “البلقنة” وضمان التعددية والتوافق بين الأحزاب.

لماذا يعود “الأعيان” إلى الواجهة؟

وتوقف الغالي عند استمرار نفوذ الأعيان في الانتخابات، رغم الانتقال إلى نظام اللائحة الذي كان يفترض أن يساهم في الحد من هيمنتهم وإعطاء الأولوية للبرامج.

وأوضح أن بعض الكفاءات النخبوية تواجه صعوبة في التواصل المباشر مع المواطنين وبناء الشرعية الانتخابية، في وقت يمتلك فيه الأعيان امتدادات قبلية وعائلية ومناطقية، فضلا عن قدرتهم على التواصل اليومي مع الناخبين وقضاء بعض الحاجيات المباشرة.

وأشار إلى أن هذه الحاجيات تشمل المساعدات والخدمات الصغرى والمشاركة في المناسبات، وهي عوامل تمنح الأعيان قدرة أكبر على بناء علاقات انتخابية مباشرة.

لكن الغالي شدد على أن وظيفة البرلماني ليست قضاء المصالح الشخصية والإدارية للناخبين، وإنما التشريع ومراقبة الحكومة وتقييم السياسات العمومية.

“القبيلة والعقيدة والغنيمة” ما زالت حاضرة

وفي تفسيره لاستمرار الظاهرة، استحضر الغالي ثلاثية المفكر الراحل محمد عابد الجابري: “القبيلة، العقيدة، والغنيمة”.

وقال إن “العقيدة” ما زالت حاضرة في اختيارات فئات من الناخبين، فيما تستمر الروابط العائلية والمناطقية والمحلية في التأثير على الاختيارات الانتخابية، بينما تحضر “الغنيمة” من خلال منطق المصالح والمنافع والامتيازات وحماية الاستثمارات الخاصة.

واعتبر أن تجاوز هذه المحددات يتطلب تعزيز الثقة والمواطنة، بالتوازي مع التحولات الاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي.

أحزاب الحركة الوطنية في مواجهة البراغماتية

وبشأن تراجع حضور أحزاب الحركة الوطنية والأحزاب ذات المرجعيات الإيديولوجية الكلاسيكية، مقابل صعود أحزاب تعتمد بشكل أكبر على الاستقطاب الانتخابي، قال الغالي إن أحزاب الحركة الوطنية عانت بشكل هيكلي بعد انتقالها من المعارضة إلى تدبير الشأن العام.

وأكد أن تدبير السلطة واختبار الواقع “ليس بالشيء السهل”، مشيرا إلى أن المشهد السياسي الحالي تطغى عليه قيم البراغماتية ولغة الاستقطاب والاستمالة السياسية.

وحذر من أن يؤدي ذلك إلى تراجع التأطير الفكري وتدبير الخلافات الداخلية وإعداد الكوادر.

ودعا إلى “إعادة الاعتبار للأحزاب كمؤسسات”، حتى تظل فضاءات للمشاركة والالتزام الوطني، وليس مجرد وسائل للوصول إلى المناصب.

“صوتوا حتى لو لم تجدوا الخيار المثالي”

ووجه الغالي رسالة مباشرة إلى الناخبين قبل انتخابات 23 شتنبر، داعيا إلى المشاركة وعدم الاستسلام للعزوف الانتخابي.

وقال إن التسجيل في اللوائح الانتخابية واجب وطني ودستوري، وإن الاقتراع يمثل ممارسة فعلية لسيادة الأمة.

وأضاف موجها حديثه إلى الناخب: “حتى وإن لم تجد خيارك المثالي، اذهب وصوت واختر أقلهم ضررا”.

وحذر من أن المقاطعة والعزوف قد يفتحان المجال أمام المال السياسي للتأثير في الخريطة الانتخابية وتحديد نتائج المقاعد بعدد محدود من الأصوات.

وختم الغالي بالتأكيد على أن رفع نسبة المشاركة واستحضار “الحس الوطني والعقلاني” يشكلان، في نظره، وسيلة أساسية لضمان سلامة المشهد السياسي وإنجاح الممارسة الديمقراطية.