العلمي المشيشي: التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة قد يتحول إلى “تنظيم مزاجي وفوضوي”
حذر الفقيه القانوني ووزير العدل السابق محمد الإدريسي العلمي المشيشي من أن التنظيم الذاتي للإعلام قد يتحول إلى “تنظيم مزاجي وفوضوي”، معتبرا أن التنظيم المؤسساتي يظل أكثر قدرة على الحفاظ على سلامة الإعلام واستقراره، في ظل التحولات التي يشهدها القطاع والتحديات التي فرضها التطور الرقمي.
وخلال مداخلته في المؤتمر الوطني التشاوري والمجلس الوطني الفيدرالي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، المنعقد اليوم الجمعة 03 يونيو 2026، قال العلمي المشيشي إن الدعوات إلى تخليق المهنة وتنظيمها توجت بإحداث المجلس الوطني للصحافة، غير أن التنظيم الذاتي يبقى، في نظره، رهينا بإرادة الفاعلين، وقد ينتهي إلى تنظيم مزاجي أو فوضوي، وهو ما يجعل التنظيم المؤسساتي أكثر قدرة على ضمان سلامة القطاع واستقراره.
وربط الوزير السابق هذا النقاش بالتحولات التي يعرفها الجسم الصحافي، معتبرا أن من أبرز الإشكالات المطروحة اليوم صعوبة التمييز بين الصحافي المهني والعدد الكبير من المتدخلين في المجال الإعلامي، في ظل اتساع دائرة إنتاج المحتوى وتعدد الفاعلين داخله.
وأوضح أن مفهوم المؤسسة الإعلامية بدوره عرف تحولات عميقة، بعدما انتقل من صحف ومنشورات يصدرها أفراد أو مجموعات، إلى مؤسسات وهيئات، ثم إلى مقاولات تمارس، إلى جانب العمل الإعلامي، أنشطة أخرى مرتبطة بالإشهار والخدمات والتجارة، وهو ما يثير، بحسبه، تساؤلات حول مدى خضوع جميع هذه المؤسسات للقواعد القانونية نفسها المنظمة للإعلام.
وتساءل العلمي المشيشي عما إذا كان قانون الإعلام بصيغته الحالية قابلا للتطبيق على مختلف المؤسسات التي تنتج المحتوى، أم أن الأمر يقتضي التمييز بين المؤسسات التي تمارس الإعلام باعتباره نشاطها الأساسي، وتلك التي تجعل منه نشاطا مكملا لأنشطة تجارية أخرى، مبرزا أن بعض هذه الأنشطة قد تخضع، بحسب طبيعتها، لأحكام القانون التجاري.
واعتبر أن هذه التحولات لا يمكن فصلها عن الثورة الرقمية، التي غيرت بشكل جذري طريقة إنتاج المعلومات ونشرها واستهلاكها، وأفرزت تحديات قانونية وسياسية واجتماعية وتقنية مست حرية التعبير، والخصوصية، والملكية الفكرية، والمسؤولية القانونية.
وأضاف أن الإعلام لم يعد يقوم على العلاقة التقليدية بين مرسل ومتلق، إذ تحول الجمهور نفسه إلى منتج للمحتوى، وأصبح كل مستعمل للهاتف الذكي مرسلا ومستقبلا للمعلومات في الوقت نفسه، وهو ما دفع حتى وسائل الإعلام التقليدية إلى الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي مصدرا إضافيا للمعلومات.
وقال إن هذا التحول أتاح إمكانات كبيرة للإعلام، سواء من حيث سرعة الوصول إلى المعلومات أو إنجاز التحقيقات الصحافية وتحليل البيانات وتوسيع فضاءات النقاش العام، لكنه في المقابل جعل الرقمنة سلاحا ذا حدين بسبب انتشار الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة.
وأشار إلى أن المنصات الرقمية أصبحت من أبرز الفاعلين في تداول المحتوى، ما جعلها في صلب النقاش المتعلق بمسؤوليتها القانونية، إلى جانب مسؤولية الناشرين والإعلاميين، في ظل سعي التشريعات إلى تحقيق توازن بين حرية النشر وحماية المجتمع.
وسجل المتحدث أن حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي أصبحت من أبرز القضايا القانونية في العصر الرقمي، إلى جانب الإشكالات المرتبطة بحقوق المؤلف وحقوق النشر، وما يفرضه ذلك من تطوير مستمر للقواعد القانونية المنظمة لهذا المجال.
واعتبر أن الأخبار الزائفة تعد من أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات، وأن التصدي لها أصبح مسؤولية مشتركة بين الحكومات والمؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية والأفراد.
وأضاف المشيشي أن الإعلام، في بعض الحالات، تحول إلى وسيلة لتزييف الوقائع واختلاق الأخبار والتوجيه والتأثير في القرارات العمومية، بل وفي الانتخابات، معتبرا أنه أصبح أحيانا يستعمل سلاحا ضد الدول ومنظوماتها السياسية والاقتصادية والثقافية.
وفي نفس السياق، قال إن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي زاد من تعقيد هذه التحديات، بالنظر إلى قدرته على إنتاج محتوى إعلامي مضلل، غير أنه شدد على أن المسؤولية القانونية والأخلاقية تظل مسؤولية الإنسان الذي يطور هذه الأدوات ويستخدمها.
ودعا العلمي المشيشي إلى تطوير الإطار التشريعي لمواجهة الجرائم السيبرانية، معتبرا أن المعالجات القانونية الجزئية لم تعد كافية أمام التطور المتسارع لتقنيات الإعلام والاتصال.
وأكد في ختام مداخلته أن مواكبة التحولات التي يعرفها الإعلام تقتضي مراجعة مستمرة للإطار القانوني المنظم للقطاع، بما يحقق التوازن بين حرية الرأي والتعبير، وحماية الحقوق الشخصية، وصون المصلحة العامة، ومواكبة التطورات التي يشهدها الفضاء الرقمي.