story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

العدالة والتنمية “الصهيوني”

ص ص

تفجّر الخلاف في طنجة بشأن دعوة التوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية للمشاركة في مسيرة تضامنية مع غزة دعت إليها الجبهة المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع، وبيان الجبهة الذي ردّ بقسوة.

أعضاء في العدالة والتنمية، وبينهم قياديون، لم يوفّروا جهدا من جهتهم في الرد على الجبهة، وصوّبوا تحديدا نحو جماعة العدل والإحسان، القوة الأبرز فيها.

الجبهة هاجمت، في بيان، النداءَ الصادر عمّا أسمتها “هيئة وجهة مسؤولة عن توقيع التطبيع مع الكيان الصهيوني”، وأكدت “رفضها المطلق لمشاركة الجهة المطبّعة في مسيرة الجبهة”؛ بل واستنكرت “إقحام اسم الجبهة المحلية لدعم فلسطين وضد التطبيع في نداء الهيئة التابعة لنفس الجهة المطبعة”.

تولّى قياديون في العدالة والتنمية، بينهم عبد العالي حامي الدين وأمينة ماء العينين، الرد، فيما أحجمت العدل والإحسان، على المستوى القيادي، عن الانخراط في الردود على الردود. وأبلغت الجماعة، حسب ما علمت، الحركةَ والحزب عن عدم اتفاقها مع مضمون بلاغ طنجة، خلال تواصلها مع قيادات فيهما. وتكلّف القيادي في الجماعة عبد الصمد فتحي بالتبليغ علناً أن “المعركة مع التطبيع والمطبعين المتصهينين، أي تحريف للمعركة فهو تشتيت للجهود وتغيير للبوصلة، ومعالجة للخطأ بخطأ”.

ولئن انتهت القصة بين الطرفين “على خير”، وجرى التحكّم في تداعياتها، فإنه يكون مفيداً التحقيق في جوهرها.

حزب العدالة والتنمية يُرمى منذ سنوات بأنه “شريك في التطبيع” مع دولة الاحتلال الإسرائيلي عقب مشاركة رئيس الحكومة حينها وأمينه العام سعد الدين العثماني في التوقيع على الاتفاقية التي ضمّت أيضا الولايات المتحدة.

الآن، من المفيد القول، لمن يناصر فلسطين، أنّ مزيداً من “إحراج” العدالة والتنمية بتلك الواقعة لم يعد مفيداً وبدون أثر، إلا كيْداً سياسيا غير منتجٍ. وإن أدّى الموقفُ أغراضَه سابقاً عبر تحميل المسؤولية (الجزئية) للجهة ذات الحضور المجتمعي المُعتبر، فإنه اليوم لا يؤدي إلا وظيفة إضعاف جبهة دعم قضية الفلسطينيين في المغرب.

التضامن مع فلسطين يحتاج استقطاب مزيدٍ من الفئات لدعم حقّ هذا الشعب في التحرر، وليس التضييق على أطرافٍ تجرّ وراءها تاريخاً من مناصرة الحق الفلسطيني. أعضاء العدالة والتنمية يتنفسّون، فيما أعتقد وأرى، حبّ فلسطين من اللحظات الأولى للتسييس، وحاضرون في كل ساحة للدعم، وطوّرت هيآتهم تالياً موقفاً سياسياً يضع مسافة مع اتفاق استئناف العلاقات.

أنصار العدالة والتنمية على حقّ حين يقولون، كأفرادٍ، إنهم لا يحتاجون إلى تقديم دليل على صدقهم في نصرة فلسطين. في المقابل، تضعف حجّتهم السياسية في القول إنهم لا يحتاجون، كهيئةٍ، “صكوك غفران” حول آثار إقدام أمينهم العام السابق على توقيع اتفاقية تطبيع العلاقات بصفته الحكومية.

وإدراك هذا الفرق مهمٌ للطرفين، إذا وُضع نُصب العين هدفُ تمتين جبهة نصرة فلسطين، وإنتاج مواقف أكثر فاعلية في تعزيز صفّ رفض التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، دون استغراق في “محاكمات سياسية” تفتقد للراهنية والجدوى في زمن الإبادة الجماعية لغزة.

التوقيع كان قاسيا على أعضاء العدالة والتنمية والتوحيد والإصلاح قبل غيرهم، بعدما كان الأمين العام السابق للحزب هو أول مغربي ضمن عائلته السياسية والإيديولوجية، ومن مستواه القيادي، يضع توقيعه على اتفاقية استئناف العلاقات مع إسرائيل، حين خضع لمنطقٍ معين وتوازنات في النظام السياسي المغربي، ثم تبعه الأمين العام الحالي عبد الإله بنكيران الذي “صادق”، من خلال بثّ مباشر طويل، على توقيع العثماني ومدافعا عنه، ومبررا الواقعة، وموضحاً أسباب اضطرار “رئيس الحكومة” للجلوس بين يدي الملك للتوقيع.

لكن، ماذا لو رفض العثماني التوقيع؟

نظرياً، كان يمكن للعثماني أن يلتمس إعفاءه من التوقيع على الاتفاق، وأن يدفع بمواقف حزبه وبالأضرار التي ستترتّب على خطوة كهذه. وأيضا، كان يمكن أن يدفع بأنه لا يوجد تناسبٌ في توقيع رئيس حكومة المملكة المغربية مع مستشارَيْن، الأول مستشار الأمن القومي لدى رئيس حكومة إسرائيل، والثاني مستشار لدى الرئيس الأمريكي، بما يعني إمكان تخفيض مستوى التمثيل المغربي.

لكنّ العثماني لم يفعل، وقرّر وحيداً أنه لا مجال لردّ طلب الدولة التي يشغل منصب رئيس حكومة فيها. وأتصوّر أنه لم يكن بإمكانه أن يُقدّر حجم ردّ الفعل المتوقع جراء رفضه الجلوس للتوقيع، وتداعيات ذلك على استمراره في رئاسة الحكومة، ثم التداعيات السياسية على حزبه.

في المقابل، كانت أهداف الدولة حينها أكبر، وسعت إلى استهداف الخارج أساسا من وراء إجلاس العثماني للتوقيع. ويمكن أن نحصي أربعة أهداف على الأقل.

أولا، حاولت الدولة المغربية إظهار تماسكها بين يدي لحظة حسّاسة، والتأكيد على أنها لا تعيش تنازعا بين الشرعيات (شرعية الملكية مع الشرعية الانتخابية)، وأن الشرعية الانتخابية داخلها منخرطةٌ في القرار الاستراتيجي وخاضعة له ومسلِّمة لشرعية تاريخية ودينية وسياسية تجسّدها الملكية، التي تتمتع بالسمو في بنية النظام السياسي، وتشكل ضمانة المغرب في علاقة بشركائه، ومركز الثقل فيه.

ثانيا، سعت إلى إظهار المغرب متمايزاً عن “أشقائه” في المشرق: لا نظامه يشبه أنظمة المشرق، ولا حتى إسلاميوه يشبهون إسلامييه، وفي ذلك ترسيخ لرؤيةٍ من مصلحة النظام المغربي تكريسها، وتفيد بأن حركته ومساره لن يُطابقا خطوَ مسير الآخرين في صار يعرف بـ”اتفاقات أبراهام”. الرسالة تريد أن تقول خارجيا أيضا، لمن طلب في مرحلة ما استبعاد العدالة والتنمية من الحكومة: “انظروا، إنهم لا يشبهون الآخرين”.

ثالثا، أن وجود العدالة والتنمية، بخلفياته الدينية وانحيازه المشهود للحق الفلسطيني، الذي يؤمن بأن “قضية فلسطين من الدين”، وتوقيع أمينه العام على اتفاق استئناف العلاقة مع إسرائيل، بصفته الحكومية، يبعث برسالة تطمين حينها أن المغرب لا يتجه للعداء للفلسطينيين، وأن الجاري تحصيلٌ لمصلحةٍ وطنية عليا ارتباطا بقضية الصحراء، والتي لن تعني التفريط في الحق الفلسطيني، أو في الحد الأدنى المشاركة في التآمر عليه.

رابعاً، ربما كان الهدف أيضا إضعاف حزب العدالة والتنمية بين يدي تحوّلات مطلوبةٍ داخلياً، كانت لا تستحمل وجود “حزب الإسلاميين” قوياً لولاية حكومية ثالثةٍ غير مسبوقة، ولا شيء يمكن أن يهزّه داخلياً أكثر من ضرب إسفين التطبيع بين صفوفه، مُضافاً إلى كل التوتّرات التي أعقبت “البلوكاج الحكومي”. ولعّل اختيار العثماني دون غيره من قيادات العدالة والتنمية، لتشكيل الحكومة بعد إنهاء تكليف بنكيران، كان واعياً ومدروساً لمثل هذه اللحظة.

ولتفادي أي “شَخْصَنة غير نافعة”، وجب الإشارة إلى أن من يعرف كيف يشتغل العقل السياسي للعدالة والتنمية، وخطه السياسي القائم على الإصلاح من الداخل وتحمّل تكاليف هذا الخيار، واستعداده لمستوى متقدّم من “المرونة السياسية” في العلاقة بالدولة، خاصة بالملكية، سيفهم لماذا قبِل العثماني الجلوس للتوقيع على الاتفاق، ولم يعترض، ولم يدفع بأي مبررٍ متماسك لتفادي تلك اللحظة الصعبة.

كان الأمر أشبه بكرةِ ثلجٍ تكبر كلما تدحرج العدالة والتنمية نزولا من “الفورة السياسية” التي تجسّدت في 2016، حتى الخسارة المدوية في انتخابات 8 شتنبر 2021. هي متتاليةُ سقوطٍ كانت لحظة التطبيع جزءاً منها. وباقي القصة معروفة.

كل هذا صار خلف الظهور الآن، ولم يعد نكْأُ جرح التوقيع على استئناف العلاقات مفيداً أو يمكن أن يستجلب أية مصلحة سياسية لصالح القضية الفلسطينية، والصفّ الداعم لها. العدالة والتنمية يجتهد في بياناته في ترميم آثار تلك اللحظة السياسية التي لم يكن فاعلاً فيها، لا في التحضير لها، ولا في اختيار المستوى الحكومي المناسب للتوقيع على اتفاقها.

لا أسعى إلى أن أصوّر الحزب “ضحيةً” مع وجود ممكنات للرفض لم يجرّبها أمينه العام السابق، لكنّي لا أعتقد أنه ضروري توظيف ما جرى، هنا والآن، في الكيْد السياسي. الاصطفافات واضحة، والتلاقي ممكنٌ جدا في دعم القضية الفلسطينية، ومحاولة التجاوز أمر حيوي. وأن “يأتي العدالة والتنمية متأخراً، خيرٌ من أن لا يأتي”. أما إن كان جزءاً من التاريخ المشترك في دعم القضية الفلسطينية، فوجوده واجبٌ، ويجب أن يكون مرحباً به في أي وقتٍ.

قصارى القول

مناضلو العدالة والتنمية مع فلسطين، ولا يمكن بحال المزايدة عليهم في ذلك، ولا في التزامهم بالانحياز للحق الفلسطيني، لهذا كان توقيع العثماني جُرحاً في جسد الحزب، ومدخلا للطعن في موقفه المندّد بالاحتلال، لكن لا يجب الشطط في استعمال هذه الواقعة لنسف أي إمكانية للتنسيق الميداني بشأن القضية. بل إن فرقاء متنافرين إيديولوجياً يجتمعون على المشترك بينهم، دون أن تكون خلافاتهم مانعاً، ويجري تبرير ذلك بألف مبرر.

ولا أعتقد أن ما يجمع العدل والإحسان بالنهج، في هذا الموضوع، أكبر ممّا يجمعها بالتوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية.

دوماً كانت القضية الفلسطينية موضوع تنافس سياسي في المغرب، بين الدولة والهيئات السياسية والمدنية، وبين الهيئات السياسية نفسها. وإذا كان الأمر مقبولا ومبررا في سياقات معينة، ضمن موازين القوى المتغيّرة في المشهد السياسي المغربي، فإن تفجير العلاقة بين أطراف جبهة التضامن مع فلسطين لا يخدم إلا أجندةً لا تريد لهذا الدعم الاستمرار، وتريد إمالة الكفّة لمزيد من التطبيع مع دولة الاحتلال.