“الشمعة” و”الرسالة”.. تحالف انتخابي بطموح سياسي أوسع
في خطوة تهدف لإعادة ترتيب أوراق اليسار بالمغرب، أعلن حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد عن تشكيل “تحالف انتخابي” كمحطة لحظية في أفق الاستحقاقات الانتخابية شعر شتنبر 2026؛ غير أن هذا الطموح قد يتجاوز الصناديق نحو بناء جبهة سياسية موحدة على المدى البعيد.
جاء ذلك، في بلاغ مشترك للحزبين أكدا فيه أنهما تدارسا سبل تعزيز العمل المشترك وتوحيد الجهود، من أجل بلورة برامج نضالية قادرة على مواجهة التحديات الراهنة، مع التأكيد على ضرورة تقريب وجهات النظر السياسية بين مكونات اليسار، بما يفتح باب الأمل أمام إمكانيات جديدة للتقارب.
تأتي هذه الخطوة، في وقت يرى فيه مراقبون أن المطلوب من مكونات اليسار حاليا هو التنسيق، لأنه بحسبهم (المراقبون) بات “خيارا واقعيا يفوق التشتت الذي يعانيه اليسار نفسه”، لكن دون أن يلغي هذا التنسيق خصوصية كل حزب.
وحدة التصور قرّبتنا
في هذا الصدد، قال الأمين العام لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، عبد السلام العزيز، إن التحالف بين فيدرالية اليسار والحزب الاشتراكي الموحد “هو تحالف انتخابي بالأساس”، تمليه ضرورة المرحلة استعدادا للاستحقاقات التشريعية المقبلة؛ ومع ذلك، لا يقف الطموح عند حدود الصناديق، “بل يُنظر إليه كخطوة أولى قد تفتح آفاقا أرحب للعمل المشترك”.
وأوضح، الأمين العام لحزب “الرسالة”، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن هذا التقارب يستند إلى ما حدث في عام 2007 حين بدأ التنسيق بين أحزاب “الطليعة” و”المؤتمر” و”الاشتراكي الموحد” كتحالف انتخابي، قبل أن ينضج ويتحول لاحقا إلى هياكل دائمة أثمرت ميلاد “فيدرالية اليسار الديمقراطي”.
وأكد في هذا الإطار، أن الغاية من هذا التحالف تتجاوز اللحظة الانتخابية العابرة؛ لافتا إلى أن هذه الخطوة قد تسمح مستقبلا ببلورة مبادرات ميدانية ونضالات موحدة، مما يعزز من قوة وتأثير اليسار في المشهد السياسي والاجتماعي المغربي.
ويعتبر المسؤول الحزبي أن لحظة الانتخابات ليست إلا “محطة” في مسار طوبل، مشيرا إلى أن الفكرة قد تتجه نحو استمرارية التنسيق بين المكاتب السياسية للحزبين، بهدف الوصول إلى بناء هياكل مشتركة وتوحيد الجهود التنظيمية عندما يحين الوقت المناسب لذلك.
وعن إمكانية إنفتاح الفيدرالية على باقي مكونات اليسار بالمغرب، قال عبد السلام العزيز إن الانفتاح الحالي مقتصر على الحزب الاشتراكي الموحد، وهو اختيار نابع من تراكم “عشرة سياسية” بدأت منذ تجربة “تجمع اليسار الديمقراطي”، مبرزا أن “وحدة التصور” تسهل عملية التنسيق بين الطرفين بحكم أنهما يلتقيان في المبادئ الاستراتيجية، والمواقف السياسية، والرؤية العامة للمجتمع.
وفي مقابل ذلك، يضيف المتحدث أن شروط العمل المشترك مع باقي المكونات اليسارية، “لم تنضج بعد كما هو الحال مع الاشتراكي الموحد”، ويعود ذلك بحسبه، إلى اعتبارات عديدة، منها ما هو مرتبط بالسياقات التاريخية لكل حزب.
الانفتاح على كل قوى اليسار
من جانبه، أكد الأمين العام لحزب الإشتراكي الموحد، جمال العسري، أن هذا القرار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء تتويجا لسلسلة طويلة من اللقاءات الرسمية وغير الرسمية، شملت اجتماعات مباشرة بين الأمينين العامين، تلتها لقاءات بين أعضاء المكاتب السياسية، ثم عمل تقني دقيق أشرفت عليه لجان مختصة قبل الوصول إلى الاجتماع الحاسم.
وأوضح الأمين العام لحزب الاشتراكي الموحد في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن هذا التحالف ينطلق من قناعة مبدئية تعتبر الاستحقاقات الانتخابية مجرد “محطة نضالية” وليست المعركة الحقيقية التي تكمن في بناء “مغرب الكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية”، وهو مشروع يتطلب نَفَسا طويلا يتجاوز مجرد التنافس على المقاعد.
وشدد العسري على أن الاتفاق يتمثل في أن تحالف الانتخابات هو جزء فقط، “بينما التحالف الذي نطمح إليه هو تحالف مستدام يخدم مصلحة اليسار والشعب المغربي”. مشيرا إلى أنه “تقرر أن يتبع المحطة الانتخابية، برنامج نضالي ميداني يهدف إلى خوض معارك كبرى من أجل تحقيق إصلاحات سياسية ودستورية”.
وفي رده على الانقسام الداخلي الذي يعرفه الحزب الاشتراكي الموحد، شدد الأمين العام على عدم وجود أي “تيار منفصل” رسميا، موضحا أن الاعتراف بالتيارات يخضع لمسطرة قانونية صارمة تمر عبر لجنة التحكيم الوطنية والمجلس الوطني للحزب، وهي شروط لم تتوفر في أية حركة داخلية، مما يعني أن الحزب يدخل التحالف بكيان موحد.
ورغم حصرية “التحالف الانتخابي”، يبقى “التحالف النضالي الكبير” بالنسبة الاشتراكي الموحد، يقول العسري، مفتوحا أمام جميع القوى اليسارية، مؤكدا أن الحزب مستعد للعمل مع كل من يرغب في الانخراط في المعارك المستقبلية ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بعيدا عن حسابات الأرقام الانتخابية.
وحدد الأمين العام لحزب “الشمعة” سقف النضال المشترك في قضايا حارقة، في مقدمتها محاربة الفساد والاستبداد، والمطالبة بإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين، والتصدي للأزمات الاجتماعية الراهنة، وعلى رأسها موجة الغلاء التي تمس القدرة الشرائية للمواطنين.
“قوتنا في التنسيق لا في التمزق“
في غضون ذلك، اعتبرت الحقوقية والأستاذة الجامعية، لطيفة البوحسيني، أن التقارب بين الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي خطوة إيجابية تستحق الدعم والتثمين، لافتة إلى أن طموحها “يتجاوز التحالفات الضيقة نحو أفق تنسيق واسع” يشمل مختلف مكونات وتيارات المجتمع.
وأوضحت أن هذا التنسيق يهدف للاتفاق على “برنامج حد أدنى” يتوزع على مستويات زمنية محددة.
وفي هذا الإطار، تضع البوحسيني، على المدى القصير، ملف حقوق الإنسان والسيادة الوطنية في الصدارة؛ إذ ترى أن أولى أهداف هذا التنسيق يجب أن تتمثل في إطلاق سراح كافة معتقلي الرأي دون استثناء، بالإضافة إلى اتخاذ موقف حازم بوقف مسار التطبيع.
أما على المدى المتوسط، بحسب البوحسيني، فالدعوة موجهة لفتح أوراش تفكير جماعي حول أولويات تمس المعيش اليومي للمغاربة. ويشمل ذلك الاتفاق على سياسات عمومية قابلة للتحقيق في قطاعات حيوية كالتعليم، الصحة، الشغل، وتطوير البنية التحتية.
في حين يمتد الاستشراف بعيد المدى، تقول المتحدثة، نحو بناء “دولة الحق والقانون” عبر خارطة طريق للإصلاح السياسي الشامل. ويتضمن ذلك الفصل الواضح بين السلطات، ضمان استقلال القضاء، تكريس نزاهة الانتخابات، وإرساء عدالة جبائية منصفة، مع وضع آليات حقيقية للمحاسبة والشفافية لاجتثاث الفساد.
وشددت الأستاذة الجامعية، في تصريحها لصحيفة “صوت المغرب” على أنها تدرك أن التفاصيل قد تحمل خلافات، لكنها دعت إلى محاصرة العوائق وإطلاق دينامية العمل، مبرزة أن “السيرورة النضالية والتحرك الجماعي في حد ذاته قد يكون أحياناً أهم من الأهداف المسطرة مسبقاً، لأنه يفرز شروط التقدم والتجاوز المستمر”.
ووضعت البوحسيني تمايزا دقيقا بين “الوحدة” و”التحالف” و”التنسيق”؛ مؤكدة أن المطلوب حاليا هو التنسيق كونه خيارا واقعيا يفوق التشتت قوة، دون أن يلغي خصوصية كل تيار؛ فالتنسيق، بحسبها هو السبيل الوحيد لمواجهة الاستبداد والفساد الذين أنهكا المجتمع بسبب التمزق.