الشرّ القادم من الساحل

تكتسي التطورات الجديدة بشأن إحباط مخطط إرهابي خطورة بالغة على الاستقرار الأمني بالمغرب، إذ تكشف المعطيات التي قدمتها الأجهزة الأمنية للإعلام عن وجود تحالف محتمل بين الجماعات الإرهابية (داعش تحديدا) وجماعات التهريب، وربما بدعم من القوى المنافسة للمغرب في منطقة الساحل والصحراء، سواء كانت دول أو لوبيات مصالح أجنبية.
من بين أهم المعطيات التي تؤكد هذا الاحتمال، أن المخطط تقف وراءه قيادة داعش ومنسقين ومنخرطين محليين، ما يؤشر على وجود رغبة في تشكيل فرع داعش في المغرب، كما أشارت إلى ذلك المخابرات المغربية.
ثانيا، هناك احتمال توظيف جماعات التهريب في إدخال السلاح إلى المغرب، حيث تم العثور على الأسلحة ملفوفة في صحف مالية، مخبّأة في منطقة جبلية صعبة بالقرب من الحدود الشرقية مع الجزائر، ما يعزز فرضية أن تلك الأسلحة جرى تهريبها عبر الصحراء من مالي عبر الجزائر حتى منطقة بوذنيب بإقليم الراشيدية.
ثالثا، أن إرسال الأموال إلى الخلية في الداخل تجنب القنوات المعتادة، أي شبكة البنوك، وأحدث فرعا مكلفا بالتمويل، توصل بدفعات مالية مباشرة.
بالمقارنة مع خلية “الأشقاء الثلاثة” التي جرى تفكيكها في يناير الماضي، نواحي الدار البيضاء، يبدو أننا إزاء تكتيكات جديدة، أبرزها التجنيد عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي من خلال قيادات في تنظيم “داعش”، ممن يضطلعون بالتجنيد والتلقين والتأطير والتوجيه المباشر، عبر محتويات ترسل إلى منسقين محليين يتولون الاتصال المباشر وغير المباشر بالمنخرطين، مع التركيز على الأسر، وعلى الأطفال القاصرين (14-18 سنة).
قبل أن يكشف المخطط الأخير في 9 مدن مغربية، عن وجود تخطيط على أعلى المستويات لدى تلك التنظيمات لزعزعة استقرار المغرب، يوظف فيه المتطرفون المغاربة الذين التحقوا ببؤر التوتر في الساحل، كما توظف فيه جماعات التهريب.
ويلاحظ أن ارتفاع وتيرة الاستهداف الإرهابي للمغرب في السنوات الثلاث الأخيرة، تزامن مع ارتفاع درجة الحضور السياسي والأمني والاقتصادي المغربي في منطقة الساحل والصحراء.
فمن جهة أولى، سجلت المعطيات الرسمية المغربية تفكيك 40 خلية لها صلة بالتنظيمات الإرهابية في الساحل والصحراء، وتزايد حالة الاستقطاب في صفوف الشباب المغاربة، حيث غادر 130 شخصا متطرفا المغرب نحو منطقة الساحل. ومن جهة ثانية، يلاحظ تنشيط الانخراط المغربي في تعزيز الأمن والتنمية في دول الساحل من خلال عدة مبادرات ثنائية أو متعددة الأطراف، وآخرها مبادرة الأطلسي لفائدة دول الساحل.
في ضوء ذلك، تبحث هذه الورقة في فرضية أساسية تزعم أن المحاولات التخريبية الجديدة التي تستهدف الاستقرار والأمن في المغرب، من لدن جماعات إرهابية تنشط في منطقة الساحل والصحراء، مثل داعش، قد تكون نتيجة تحالف موضوعي بين قوى ومصالح (جماعات إرهابية، دول، مخابرات أجنبية، جماعات التهريب، لوبيات مصالح…)، غرضها الضغط على المغرب للتراجع وتقليص نفوذه ومصالحه في منطقة الساحل والصحراء.
ولإثبات هذه الفرضية يلزم تأكيد وجود علاقات مباشرة أو موضوعية بين الجماعات الإرهابية في الساحل، مثل القاعدة وداعش، وجماعات التهريب والجريمة المنظمة، وبين تلك الجماعات وبين دول منافسة للمغرب في المنطقة، بمعنى وجود “التقاء موضوعي”، على الأقل، بين الجماعات الإرهابية وجماعات الجريمة ودول منافسة للمغرب.
وثانيا، يلزم إثبات وجود مصالح مغربية تهدد مصالح المركب المذكور (دول، جماعات إرهابية، جماعات التهريب…)، ما يدفعه نحو استهداف الاستقرار والأمن المغربي على نحو مباشر.
في أفق إثبات الفرضية الأساسية التي تزعم أن المخططات الجديدة يقف وراءها تحالف يتشكل من دول وجماعات إرهابية وجماعات التهريب التقت مصلحتهم في العمل من أجل الضغط على المغرب لتقليص نفوذه في الساحل.
أولا: تحالف الإرهاب والجريمة
في سبتمبر 2012، لاحظ الباحث الألماني، وولفرام لاخر Wolfram Lacher، في دراسته حول “الجريمة المنظَّمة والصراع في منطقة الساحل والصحراء” تركيزا غربيا على محاربة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء، في مقابل تجاهل الأعمال التخريبية لشبكات الجريمة المنظمة.
وإذا كانت أوربا قد سعت إلى تعزيز قدرات حكومات دول المنطقة، إلا أن النتيجة بعد أزيد من عقد من الجهد تبدو مخيّبة للآمال، بل عكسية. وأشار الباحث في ذلك الوقت إلى أن تنظيم القاعدة، مثلا، يعتبر، وإن بصورة جزئية، شبكة إجرامية أيضا، لأنه يختطف المواطنين الغربيين بهدف ممارسة ابتزاز مزدوج يتمثل في أخذ الفدية وإطلاق سراح أعضائه في السجون.
وقد شكّل التواطؤ بين الدولة وجماعات الجريمة المنظمة في منطقة الساحل، حتى وقوع الانقلاب العسكري في مالي في مارس 2012، أهم عامل في نمو تنظيم القاعدة ومحركا للصراع في شمال مالي بين الدولة والجماعات الإرهابية.
وقد كشف تحليل وولفرام لاخر، كيف انجذبت حكومات منطقة الساحل نحو استخدام الجريمة المنظَّمة كوسيلة سياسية، من أجل السماح لحلفائها بالاستفادة من الأنشطة الإجرامية التي تترتب عليها آثار واضحة بالنسبة إلى خطط عملها. وكان مفترضا أن تسعى تلك الحكومات إلى بناء قدرات القطاعين الأمني والقضائي، وفي الوقت نفسه تشجيع الفاعلين المؤثرين على فك الارتباط بالاقتصاد غير المشروع والالتزام باحتواء تهريب المخدرات والأسلحة والبشر.
لكن الوقائع على الأرض كانت تشير إلى العكس، فقد سعت الحكومة في مالي إلى إبرام صفقات مع قوى محلية، بما في ذلك من وصفهم وولفرام لاخر بـ”شبكات إجرامية” في الشمال، لاستعادة السيطرة على الإقليم.
لكن النتيجة كانت سيئة؛ فقد فشلت الحكومة في استعادة السيطرة، في مقابل تنامي الشبكات الإجرامية والإرهابية واتساع سيطرتها أكثر على الأراضي والمناطق الحدودية.
وبحسب قرار مجلس الأمن رقم 2482 الصارد في 19 يوليوز 2019، أعرب المجلس عن قلقه من احتمال استفادة الجماعات الإرهابية من الجريمة المنظمة، سواء أكانت محلية أو عابرة للحدود الوطنية، كمصدر للتمويل أو الدعم اللوجيستي، وهي صلات تختلف حسب السياق الذي تجري فيه.
وتتنوع الصلات بحيث تشمل الاتجار في الأسلحة والمخدرات والقطع الأثرية والممتلكات الثقافية والاتجار في الأشخاص، والاتجار غير المشروع في الموارد الطبيعية، بما في ذلك الذهب وغيره من المعادن الثمينة والأحجار الكريمة، والفحم والنفط، والاتجار غير المشروع بالأحياء البرية والجرائم الأخرى التي تلحق الضرر بالبيئة، وكذلك استخدام المؤسسات التجارية المشروعة، والمنظمات غير الربحية، والتبرعات، والتمويل الجماعي، والعائدات المتأتية من الأنشطة الإجرامية، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر الاختطاف طلبا للفدية، وابتزاز الأموال، والسطو على المصارف، ومن الجريمة المنظمة عبر الوطنية في البحر.
في دجنبر 2020 تساءل الباحث الفرنسي، أنتونين تيسرون Antonin Tisseron، في مقالة له حول “علاقات الجريمة المنظَّمة بالإرهاب – الساحل الإفريقي نموذجا”، مؤكدا أن علاقة الارتباط بين الإجرام وتمويل الإرهاب في منطقة الساحل معقدة جدا، لكنها تزداد جلاء في منطقة الساحل الإفريقي، حيث تلجأ الجماعات الإرهابية لممارسات إجرامية مختلفة لتمويل أنشطتها؛ كعمليات خطف المواطنين المحليين أو العناصر الدولية للحصول على فديات، وابتزاز المواطنين في المناطق الخاضعة لسَيطرتها، وسرقة المواشي أو السلع الأخرى وإعادة بيعها، فضلا عن الكثير من الجرائم الأخرى.
وتمارس الجماعاتُ المسلَّحة المناهضة للدولة مجموعةً متكاملة من الجرائم والإجراءات التي تندرج تحت اللصوصية الثورية.
ولا بد في سياق بحث اعتماد الجماعات الإرهابية على الجريمة في تمويلها من ذكر أمرين.
الأول: توفر تبرعات ذات مصادر محلية أو أجنبية؛ فالجماعات الإرهابية يمول بعضها بعضا بهدف الدعم وتوسيع نطاق الحرب على السلطات النظامية، ولا سيما عند إنشاء خلية جديدة أو فرع جديد؛
والثاني: يتعلق بتهريب المخدرات. فعلى الرغم مما يشاع عن “جهاد” المخدرات، فإن المؤثرين الحقيقيين في تهريب المخدرات ليسوا بالضرورة أعضاء الجماعات الإرهابية، ولكن الجماعات الإرهابية تستفيد بلا ريب من الأموال المرتبطة بهذا النشاط بطرق شتى غير مباشرة.
والأهم في مسألة تمويل الجماعات الإرهابية المسلحة وتورطها في الاتجار بالمخدرات، بحث أمرين أساسيين: العلاقة بين المجرمين والإرهابيين، وسُبل تعزيز الجريمة للإرهاب وتطويره ونشره.
وقد أكد مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2024، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام الدولي، وجود علاقة معقدة بين الجريمة المنظمة والإرهاب، إذ تحدث عن ثلاثة أنماط من العلاقات: التعايش، والتعاون، والتقارب.
يشير النمط الأول، أي التعايش، إلى الجماعات الإرهابية التي تنشط في النطاق الجغرافي نفسه لجماعات الجريمة المنظمة، بحيث كل طرف يشتغل وفق هدف مختلف عن الآخر، لكن قد تستفيد كل جماعة من الأخرى، والتفاعل يكون من أجل تحقيق كل طرف لأهدافه، لكنها لا تعمل معا بالضرورة.
بينما يُشير النمط التعاوني إلى مستوى معين من العمل المشترك بين مجموعات معينة لتحقيق منافع مشتركة، بحيث ترتقي العلاقة نحو تعاون فعلي وفق أسس محددة، ومثال ذلك دعمُ جماعات التهريب هجوما إرهابيا مقابل حماية الإرهابيين قافلة التهريب.
ويقصد بالنمط التقاربي تبني الجماعات الإرهابية بعض أساليب عمل جماعات الجريمة المنظمة، والعكس صحيح. وقد رصد المؤشر العالمي أن الجماعات الإرهابية المتمركزة في منطقة الساحل تتعاطى لمجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة كالاتجار بالبشر وغيرها.
وفي بوركينافاسو ومالي والنيجر، تركز تلك الجماعات بشكل أكبر على أربعة أنشطة إجرامية وهي: سرقة الماشية، وتعدين الذهب، وتهريب المخدرات، والاختطاف وطلب الفدية.
على سبيل المثال، تسيطر الحكومة في بوركينا فاسو على 60% فقط من أراضي البلاد، مما يعني أن جزءا كبيرا من المنطقة الغنية بالذهب في شمال البلاد يقع خارج سيطرة النظام.
وإذا كانت بعض الجماعات الإرهابية قد تقوم، في بعض الأحيان، باستخراج الذهب وتهريبه، فإن الممارسة الأكثر شيوعا في المناطق التي تسيطر عليها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في بوركينا فاسو ومالي هي كسب المال من خلال توفير الأمن.
وقد رصد مؤشر الإرهاب العالمي لسنة 2024، أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين قد استولت على زمام الأمور منذ عام 2021 في منطقة تعدين الذهب في غابة “ديدا”، ثم حلت محل المليشيات الموالية للحكومة، وبدأت في توفير الأمن والحماية لعمال المناجم المحليين.
وقد فرضت رسوما أقل من التي كانت تجنيها تلك المليشيات الموالية للحكومة، مقابل ما تقدمه الجماعة من خدمات أمنية، وهو ما وفر لها دخلا ثابتا. ليس هذا فحسب، بل ساعدها كذلك في بناء علاقات وشراكات في المنطقة لتعزيز سيطرتها.
وقد أشارت دراسة للباحث يحي الزبير حول “أزمة منطقة الساحل”، نشرها مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، في يونيو 2022، إلى مالي باعتبارها نقطة تقاطع لتجار المخدرات، بعدما عثرت مافيا المخدرات على طرقات بديلة تسمح لها بنقل الكوكايين، عبر منطقة الصحراء الكبرى وغرب أفريقيا وصولا إلى أوروبا.
وأثبتت الدراسة أن في شمالي مالي، ينخرط الكثير من الضباط والمسؤولين السياسيين في تجارة المخدرات. لكن لا يقتصر هذا الأمر على مالي فحسب، بل يطال منطقة الساحل عموما، حيث أوردت الدراسة أدلة موثقة تشير إلى وجود سياسيين في المنطقة منخرطين في تجارة المخدرات.
كما قدمت الدراسة أدلة موثقة حول وجود صلات بين تجار المخدرات والمجموعات الجهادية التي تنقل الكوكايين عبر منطقة الساحل إلى أوروبا لتمويل أعمالها الإرهابية. وتحولت منطقة الساحل إلى معبر مهم لتجارة المخدرات الآتية من أمريكا اللاتينية والمتوجهة إلى أوروبا أو شبه الجزيرة العربية. وأصبح تهريب المخدّرات مصدر قلق أمني، خصوصا وأن تنظيم القاعدة كان يؤمن خدمة التخزين أيضا مقابل المال.
ثانيا: تواطؤ دول/جماعات إرهابية
من الصعب إثبات وجود علاقات مادية موثقة بين الجماعات الإرهابية (داعش، القاعدة) ودول من خارج منطقة الساحل. لكن الاتهامات بوجود مثل هذه العلاقات قائم ويتكرر، وبعض تلك الاتهامات صدرت عن دول وبشكل رسمي. في حالة منطقة الساحل، تكرّر اتهام دولتين هما فرنسا والجزائر بالوقوف وراء جماعات تُصنّف إرهابية، وهو الاتهام الذي صدر عن دولة مالي تحديدا.
صحيح أن تلك الاتهامات وردت في سياق الخلاف السياسي بين مالي وفرنسا أو بين مالي والجزائر، لكن السلطات المالية تحدثت في الحالتين عن “إثباتات” لديها تؤكد الاتهامات التي صدرت عنها.
في يناير 2025، وجهت وزارة الخارجية في دولة مالي اتهامات مباشرة إلى الجزائر بـ”دعم الجماعات الإرهابية، وبالتدخل في الشؤون الداخلية”، في إشارة إلى دعمها لحركة “الأزواد” التي تطالب بالانفصال عن شمال مالي.
وكانت مالي قد أبرمت، في 2015، مع حركة الأزواد اتفاقا للسلم والمصالحة، إلا أنه عقب الانقلاب العسكري في مالي في عامي 2020 و2021، أعادت السلطات العسكرية تقييم علاقتها مع حركات “الأزواد”، وأرجعت ذلك إلى “التغير في مواقف بعض الجماعات الموقعة والأعمال العدائية” من جانب الجزائر.
ويعود الخلاف بين مالي والجزائر إلى نهاية 2023، حينما شن الجيش المالي حملة عسكرية، بمساعدة مجموعات «فاغنر» الروسية، على معاقل حركات الأزواد المسلحة بشمال البلاد على الحدود مع الجزائر، ما سمح له بالسيطرة على أهم مدينة بين يديها.
واعتبرت الجزائر ذلك التطور اللافت في الصراع الداخلي «انتهاكاً لاتفاق السلم والمصالحة» لسنة 2015، كما سبقت الإشارة. وفي 19 ديسمبر 2023، استقبل الرئيس تبون ممثلين عن المعارضة. وعلى إثر ذلك، أعلن رئيس السلطة الانتقالية، العقيد عاصيمي غويتا، إلغاء العمل بوثيقة السلم، واتهم الجزائر بـ”التدخل في شؤون مالي الداخلية”، و”إسناد الإرهابيين”.
في شتنبر 2022، اتهم رئيس الوزراء المالي بالنيابة، عبد الله مايغا، فرنسا بدعم الإرهاب وتزويد الجماعات المتطرفة بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية لزعزعة الاستقرار والأمن. وقد ورد الاتهام في كلمة مايغا خلال انعقاد المناقشات رفيعة المستوى للدورة الـ “77” للجمعية العامة للأمم المتحدة والمنعقدة. وقال مايغا: “تتعارض الأفعال العدائية التي تقوم بها فرنسا ضد بلادي مع ميثاق الأمم المتحدة، كما أنها لا تتفق مع عضوية فرنسا الدائم بمجلس الأمن الدولي”.
وطالب مايغا “بتدخل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أجل عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي بهدف عرض الأدلة التي تمتلكها مالي بشأن تورط السلطات الفرنسية في دعم الإرهاب ووقف الازدواجية والحرب بالوكالة المفروضة على مالي”. وأضاف أن “سلامة هذه المنظمة الأممية على المحك، ومن المناسب أن تطلب مالي انخراط الأمين العام مع مجلس الأمن حتى يستجيب المجلس لطلبنا بالانعقاد لإيقاف هذه الازدواجية والحرب بالوكالة المفروضة على بلادي”.
وانتقد مايغا بشدة “قرار فرنسا سحب قواتها من مالي في 21 يونيو 2021″، معتبرا ذلك بمثابة “خيانة موجهة إلى تراث الفلاسفة الفرنسيين وطعنة في ظهر بلادي”.
وأكد رئيس الوزراء المالي أنه “يميز بوضوح بين الشعب الفرنسي والسلطات الفرنسية الحالية، التي لها حنين إلى الظلامية والعودة إلى الممارسات الاستعمارية، المتعالية والأبوية الانتقامية” على حد قوله. وطالبت دولة مالي مجلس الأمن الدولي بعقد اجتماع طارئ لوضع حد لما تصفه بـ”أعمال عدوانية” فرنسية تتمثل في انتهاك سيادتها ودعم جماعات “جهادية” والتجسس عليها.
وفي 15 غشت 2022، وجّهت وزارة الخارجية المالية رسالة إلى الرئاسة الصينية لمجلس الأمن قالت فيها إن مالي “تحتفظ بحقها في الدفاع عن النفس”، وفقا لميثاق الأمم المتحدة، إذا واصلت فرنسا تصرفاتها.
واستنكرت الرسالة “الانتهاكات المتكررة وكثيرة الحدوث” للمجال الجوي المالي من قبل القوات الفرنسية وتحليق الطائرات الفرنسية التي تقوم “بأنشطة تعد بمثابة تجسس” ومحاولات “ترهيب”، مؤكّدة أن السلطات المالية لديها “عدة أدلة على أن هذه الانتهاكات الصارخة للمجال الجوي المالي قد استخدمت من قبل فرنسا لجمع معلومات استخبارية لصالح ما وصفها بالجماعات الإرهابية العاملة في منطقة الساحل وإلقاء الأسلحة والذخيرة إليها”.
خارج منطقة الساحل، يمكن الإشارة كذلك إلى تحقيق أجرته السلطات القضائية الفرنسية منذ 2017 وخلص سنة 2022 إلى تواطؤ بين شركة “لافارج” الفرنسية وتنظيم داعش في سوريا خلال الفترة ما بين 2013 و2014.
وقد أقرّت شركة “لافارج” عملاق صناعة الإسمنت الفرنسية ومجموعة “هولسيم” السويسرية الأم- في أكتوبر 2022، بالذنب، ووافقت على دفع غرامة مالية قدرها 778 مليون دولار لوزارة العدل الأميركية. وصدر عن الشركتين بيان جاء فيه أن “لافارج” وشركتها الفرعية “لافارج للأسمنت سوريا” التي تم حلها، “وافقتا على الاعتراف بالذنب بتهمة التآمر في تقديم دعم مادي لمنظمات إرهابية أجنبية محددة في سوريا منذ غشت 2013 حتى أكتوبر 2014”.
وجاء إقرار شركة “لافارج” الفرنسية بالذنب، إثر خضوعها لتحقيق قضائي فرنسي منذ 2017، على خلفية اتهامات لها بدفع حوالي 13 مليون يورو لجماعات إرهابية ووسطاء من أجل الحفاظ على نشاط مصنعها في سوريا خلال فترة الحرب، كما أن الشركة متهمة في فرنسا بـ”التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية” على خلفية أنشطتها في سوريا.
وخلص تحقيق السلطات الفرنسية إلى أن المبالغ التي سدّدتها المجموعة لتنظيم داعش لوحده قد تتراوح بين 4.8 و10 ملايين يورو. وتطرح قضية لافارج والأطراف المتداخلة فيها عدة إشكاليات قانونية وحقوقية واقتصادية متشابكة ومعقدة، تشير إلى احتمال حصول تواطؤ وتمويل من لدن الشركات الغربية للجماعات الإرهابية حين يتعلق الأمر بتبادل للمصالح.
نخلص إلى أن احتمال التعاون/التواطؤ بين دول وجماعات إرهابية، أو بين جماعات إرهابية وجماعات التهريب، أو بين الدول وجماعات التهريب والمخدرات تظل فرضية قوية في منطقة الساحل، وأن الاختراق المتبادل، وبالتالي التوظيف المتبادل بين الأطراف الثلاثة فرضية قوية، كما تؤكد ذلك الدراسات والوثائق والاتهامات المشار إليها أعلاه. فهل يشكل المغرب خصما مشتركا لهذه القوى والمصالح بالشكل الذي يبرر استهداف أمنه واستقراره الداخلي؟
ثالثا: ساحة المواجهة
في يناير 2025، نشرت مجلة “جون أفريك” تحليلا تزعم فيه أن منطقة الساحل تحولت إلى ساحة مواجهة بين المغرب والجزائر. المؤشرات على ذلك عديدة، منها المشروع الجيوستراتيجي الجديد للمغرب، الرامي إلى تعزيز وصول دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، وهو المشروع الذي رحّبت به دول الساحل إثر اجتماع جرى في مراكش بين وزراء خارجية المغرب ومالي والنيجر وتشاد وبوركينافاسو، في إطار اجتماع وزاري تنسيقي حول ما يسمى “مبادرة الأطلسي”، وقد أعلنت موريتانيا لاحقا الانضمام إليه، إثر زيارة لرئيسها إلى المغرب.
تعتبر الجزائر منطقة الساحل حديقتها الخلفية، لكن منذ عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي في سنة 2017، تلاحقت المبادرات التي تعزز من الحضور المغربي في غرب إفريقيا وفي الساحل والصحراء، منها طلبه الانضمام إلى منظمة “الإيكواس”، ثم “مبادرة الأطلسي”، ومنصة مراكش لرؤساء وكالات الأمن ومكافحة الإرهاب في إفريقيا، ومبادرات أخرى ثنائية ومتعددة الأطراف.
وتحاول الجزائر منافسة المغرب، ففي فبراير 2023 أعلن الرئيس الجزائري عن إنشاء مناطق للتجارة الحرة مع الدول التي تربطها حدود مشتركة مع الجزائر، من موريتانيا ثم دول الساحل مثل مالي والنيجر، إضافة إلى تونس وليبيا.
كما أعلن عن مشاريع أخرى منها الطريق الصحراوي بين الجزائر وموريتانيا، وأعاد إحياء مشروع خط الغاز من نيجيريا عبر النيجر نحو الجزائر. وهي مبادرات يبدو واضحا أن الهدف منها قطع الطريق على الحضور المغربي المتزايد في الساحل، واستعادة الجزائر لمكانتها في المنطقة، التي تراجعت لأسباب داخلية، منها مرض الرئيس الراحل بوتفليقة بعد 2013، وبقائه في الحكم حتى خلعه في 2019.
لكن الجزائر ظلت تنظر إلى منطقة الساحل باعتبارها مصدرا محتملا للمشاكل الأمنية، ولم تنظر إليها قط كأرض للفرص. وتتذكر دول الساحل كيف قامت الجزائر بالضغط العنيف على عناصر “الجماعة السلفية للدعوة والقتال”، وهي جماعة جزائرية، من أجل التوجه نحو منطقة الساحل، والذين شكلوا النواة الأولى لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ثم الجماعات الإرهابية التي تشكلت في المنطقة حتى الآن.
لكن منذ ظهور حكومات عسكرية جديدة في منطقة الساحل، ما بين 2020 و2023، شهد النفوذ الجزائري تراجعا. وبحسب الباحث “با تراوري”، من مركز أبحاث غرب أفريقيا، فإن السبب يعود إلى دعم الجزائر لحركات الطوارق المتمردة عن السلطات المركزية في مالي. وخلافا للتوقعات، يزعم تراوري “أن الجزائر تواجه اليوم الرفض نفسه الذي تواجهه فرنسا”. وتتهم مالي الجزائر بدعم الإرهاب والتمرد في شمال البلاد.
بالمقابل، تبنّى المغرب مقاربة مركبة تمزج بين الأمن والتنمية والسياسة، وبالتزام مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية، مركزا على تعزيز الاستقرار والأمن، ودعم النسيج الاجتماعي من خلال تكوين الأئمة والدعاة وتقوية الروابط التاريخية والدينية، وإقامة مشاريع اقتصادية وتجارية تعزز من التنمية. وهي مداخل جعلت من المغرب قوة دبلوماسية مقبولة في المنطقة. وتعكس مبادرة الأطلسي الطموح المشترك للمغرب ولدول الساحل في الخروج من نفق الإرهاب وعدم الاستقرار.
وتشكل العلاقات التجارية والاقتصادية بين المغرب ومالي نموذجا للاحتذاء، باعتبار مالي الشريك التجاري الأول للمغرب في إفريقيا، حيث تساهم البنوك وشركات كبرى في العقار والاتصالات والبنيات التحتية في تحقيق نتائج حقيقية على الأرض.
وحين انسحبت مالي والنيجر وبوركينافاسو من منظمة “الإيكواس”، ما أدى إلى تعثر الربط الكهربائي، بادر المغرب إلى إقامة مشروع بديل، في حين شكلت مبادرته للربط بالأطلسي بديلا لتلك الدول عن “الإيكواس”.
وتستقطب المدارس العسكرية والأمنية المغربية عشرات الضباط سنويا من أجل التكوين والتدريب. وفي 2022، أنشأ المغرب منصة مراكش لمدراء الأمن ورؤساء وكالات مكافحة الإرهاب في افريقيا، بدعم من مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، بهدف تعزيز التعاون الإقليمي في مجال مكافحة الإرهاب من خلال تبادل المعلومات والخبرات وتنسيق الجهود بين الدول الإفريقية.
وعقدت المنصة دورتها الثانية في طنجة، في 3 يوليوز 2023، وعرفت مشاركة أزيد من 38 وفدا من الدول الإفريقية. بينما عقدت الدورة الثالثة في فاس في يونيو 2024، بمشاركة 60 وفدا من إفريقيا ومن المنظمات الدولية، وهي منصة للتنسيق وتبادل الخبرات والمعلومات، وتطوير استراتيجيات جديدة ضد الإرهاب.
وتعزز المقاربة المغربية نحو منطقة الساحل من استقرار ورسوخ السلطات الجديدة في مالي والنيجر وبوركينافاسو، والتي وصلت إلى السلطة بالانقلاب في سياق اتساع رقعة الإرهاب وتدهور الأمن، ما يجعله بديلا عن المقاربات المنافسة، خصوصا الفرنسية والجزائرية، التي طالما ركزت على مصالحها الخاصة، ورأت في المنطقة مصدر تهديد فقط، وليس مصدر فرص كذلك.
ويبدو أن المقاربة المغربية إذ تعتبر مصدر استقرار وأمن للأنظمة القائمة هناك، فهي تشكل مصدر إزعاج لأكثر من طرف بكل تأكيد، بدءا من الجماعات الإرهابية مثل داعش، وصولا إلى الدول التي فقدت نفوذها مثل الجزائر وفرنسا.