story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

الديمقراطية المُهندسة: أخنوش كحلقة في مسار ضبط السياسة بالمغرب

ص ص

إعلان رئيس الحكومة المغربية والأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار عدم ترشحه مجددًا لقيادة الحزب، و ربما أيضا للانتخابات التشريعية، لا يمكن قراءته كحدث تنظيمي معزول أو كقرار شخصي صرف، بقدر ما يندرج ضمن منطق أعمق يحكم تشكّل الممارسة السياسية بالمغرب وطبيعة الانتقال الديمقراطي فيه. فهذا الإعلان، في لحظة سياسية دقيقة، يعيد طرح سؤال حدود الفعل الحزبي، ومعنى التداول، ومكانة النخب داخل نظام سياسي اعتاد تدبير التحولات بالاستباق أكثر من التفاعل.

منذ تجربة التناوب التوافقي، رسّخ المغرب نموذجًا خاصًا للانتقال الديمقراطي، قوامه إدماج النخب المعارضة داخل السلطة دون إحداث قطيعة مع البنية العميقة للنظام. بحيث لم يكن التناوب انتقالًا للسلطة بالمعنى الكامل، بل كان إعادة ترتيب للمشهد السياسي يسمح بتوسيع قاعدة الشرعية، وضمان الاستقرار، والتحكم في وتيرة الإصلاح. ومنذ تلك اللحظة، تشكّلت ديمقراطية وظيفية، تُستدعى لتدبير التوازنات أكثر مما تُستعمل كآلية تنافس حقيقي حول السلطة.

هذا المنطق سيتأكد لاحقًا بعد دستور 2011، الذي قدّم نصًا متقدمًا من حيث توسيع صلاحيات رئيس الحكومة وربط المسؤولية بالمحاسبة، لكنه ظل يشتغل داخل هندسة سياسية تجعل السلطة موزعة بشكل غير متماثل. فقد أظهر ما سُمّي بالبلوكاج في تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2016 أن الانتخابات رغم مركزيتها الرمزية، تبقى غير كافية عندما تصطدم بمنطق التوافقات العليا. إعفاء رئيس الحكومة المعيَّن آنذاك، رغم تصدر حزبه للانتخابات، كان رسالة واضحة مفادها أن الديمقراطية في المغرب ليست مفتوحة على كل النتائج الممكنة، بل محكومة بسقف الاستقرار وضبط التوازنات.

في هذا السياق، يكتسب إعلان عدم ترشح السيد عزيز اخنوش دلالته السياسية. فهو يعكس شكلًا من أشكال التداول المنضبط، الذي يتم دون صراع، ودون تهديد للبنية القائمة. التداول هنا لا ينتج عن ضغط القواعد أو تنافس البرامج، بل عن إدراك مسبق لحدود المرحلة ومتطلباتها. إنها ديمقراطية على المقاس، تُحترم فيها القواعد الشكلية، لكن تُدار نتائجها بما ينسجم مع منطق الاستمرارية.

هذه الدينامية تكشف في العمق عن مفارقة مركزية في التجربة المغربية: نظام سياسي متقدم على نُخبه في إدارة الأزمات وتوقع المسارات. فبينما تظل الأحزاب أسيرة الحسابات الانتخابية والتوازنات الظرفية، يمتلك النظام قدرة أعلى على استشراف المخاطر وضبط الإيقاع السياسي، سواء عبر أدوات دستورية أو عبر إعادة ترتيب الأدوار داخل الحقل الحزبي. لذلك، غالبًا ما نجد النخب تتفاعل مع الوقائع بدل أن تصنعها، وتتكيف مع المسارات بدل أن ترسمها.

رغم كل ما سبق، فهذا لا يعني غياب الدينامية الديمقراطية أو انعدام هامش الفعل، بل يعني أن هذا الهامش مؤطر بسقف واضح، وأن الانتقال الديمقراطي بالمغرب يتم بمنطق التدرج والتحكم لا بمنطق القطيعة.

إعلان عدم الترشح هذا ، كما التناوب من قبل والبلوكاج بعده، ليس سوى تعبيرات مختلفة عن هذا المسار نفسه، مسار يوازن بين الانفتاح السياسي والحفاظ على الاستقرار، ويجعل من الديمقراطية أداة تدبير لا مجالًا مفتوحًا للصراع.

في النهاية، يبدو أن السؤال الحقيقي ليس لماذا لا يترشح هذا الفاعل أو ذاك، بل إلى أي حد تستطيع النخب السياسية أن تنتقل من موقع التكيّف مع النظام إلى موقع المبادرة داخله. فطالما ظل النظام متقدمًا على نُخبه في إدارة الزمن السياسي، ستبقى الديمقراطية المغربية ديمقراطية مُهندسة، تُنتج الاستقرار أكثر مما تُنتج التغيير.