story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
المؤسسة الملكية |

الخطب الملكية وذاكرة الدولة

ص ص

الخطب الملكية في المغرب ليست مجرد مواعيد بروتوكولية تتكرر في المناسبات الوطنية، ولا نصوصا احتفالية تنتهي أهميتها بانتهاء بثها على القنوات الرسمية. بل هي، بالنظر إلى موقع المؤسسة الملكية في النظام السياسي، واحدة من أهم الوثائق التي يمكن اعتمادها لفهم اتجاه الدولة، وتتبع تحول أولوياتها، وقياس المسافة بين ما كانت تعلنه في بداية عهد محمد السادس وما أصبحت تطرحه بعد سبع وعشرين سنة من الحكم.

من هذه الفكرة انطلق هذا الملف (من مجلة لسان المغرب)، حين قرّرنا العودة إلى متن الخطب والرسائل والحوارات الملكية، ليس لانتقاء العبارات البارزة وعزلها عن سياقاتها، وإنما لإعادة ترتيبها موضوعاتيا وزمنيا، وملاحظة كيف تطورت المفاهيم والمواقف، وكيف انتقلت بعض القضايا من الاعتراف إلى التشريع، ومن التدبير الظرفي إلى الاستراتيجية، فيما ظلت قضايا أخرى تعود بالأسئلة نفسها، رغم تغير الحكومات والقوانين والمؤسسات.

فالخطاب الملكي لا يقدم دائما برنامجا تنفيذيا مفصلا، لكنه يرسم الحدود الكبرى للفعل العمومي. يحدد ما تعتبره الدولة أولوية، ويصوغ تشخيصها للأعطاب، ويوزع المسؤوليات بين الحكومة والأحزاب والإدارة والمواطنين، ثم يعود بعد سنوات لتقييم النتائج أو الإقرار بأن الأدوات المستعملة لم تعد كافية.

لهذا تشكل الخطب الملكية مرجعا أساسيا في قراءة بوصلة الدولة. ففيها يمكن العثور على البدايات الأولى للمشاريع الكبرى قبل أن تتحول إلى قوانين ومؤسسات وميزانيات؛ من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى ترسيم الأمازيغية، والحكم الذاتي، والجهوية المتقدمة، والحماية الاجتماعية، ومراجعة مدونة الأسرة، والتوجه الإفريقي والأطلسي للمغرب…

كما تكشف الخطب، بما تتضمنه من استمرارية وتغير، طبيعة الزمن السياسي في المغرب. فالحكومات والبرلمانات تتعاقب ضمن ولايات محددة، بينما تتحرك الاختيارات الاستراتيجية في زمن أطول، تحرسه المؤسسة الملكية وتعيد صياغته كلما تغيرت الظروف. لذلك لا يمكن قراءة حصيلة أي حكومة أو مرحلة انتخابية بعيدا عن التوجهات التي سبقتها واستمرت بعدها.

تظهر هذه الاستمرارية بوضوح في ملف الأحزاب. فمنذ بداية العهد، طالب الملك التنظيمات السياسية ببرامج واقعية وقابلة للإنجاز، وتحالفات واضحة، ونخب مؤهلة، وقدرة على تأطير المواطنين. ثم منحها دستور 2011 مكانة مركزية في إنتاج الحكومة والقرار السياسي، قبل أن تعود الخطب لتنتقد ضعفها، وانشغالها بالمواقع، وعجزها عن استيعاب الشباب وتجديد النخب. تغيرت القوانين والصلاحيات، لكن السؤال ظل واحدا: ماذا يبرر وجود الحزب إذا لم يحول حاجات المجتمع إلى برامج ومؤسسات وثقة؟

ويظهر التحول نفسه في موضوع الانتخابات. في بداية العهد، انصب الخطاب على ضمان النزاهة والحياد وقطع الطريق على التدخل الإداري، ثم انتقل تدريجيا إلى مساءلة معنى الانتخابات نفسها. فلم تعد سلامة الصندوق كافية إذا كانت المؤسسات المنبثقة عنه عاجزة عن خدمة المواطن، أو إذا اختفى المنتخب بعد انتهاء الحملة. هكذا انتقل الخطاب من «اختيار أحسن العناصر» سنة 2002 إلى اعتبار الانتخابات وسيلة لإقامة مؤسسات ذات مصداقية سنة 2021.

في الملف الاجتماعي، تكشف الخطب تحوّلا أعمق في فلسفة تدخل الدولة. بدأ العهد الجديد بصورة «ملك الفقراء»، قبل أن يأخذ الملك مسافة من هذا الاختزال، مؤكدا أنه ملك لجميع المغاربة. ثم جاءت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لتنقل السياسة الاجتماعية، نظريا، من الإحسان والمساعدة الموسمية إلى معالجة الفقر والتهميش. وبعد سنوات، صار السؤال يتعلق تدريجيا بعدالة توزيع الثروة، ثم باستنفاد النموذج التنموي، وصولا إلى تعميم الحماية الاجتماعية والدعوة إلى دولة اجتماعية لا تكتفي بإنتاج النمو، بل تضمن وصول أثره إلى المواطن.

وتوضح قضية الأمازيغية كيف ينتقل الموقف الملكي من الاعتراف الرمزي إلى إعادة تعريف هوية الدولة. ففي بداية العهد، تحدث محمد السادس عن أصوله الأمازيغية، لكنه أخرج القضية من الانتماء العرقي والجهوي إلى الملكية المشتركة لجميع المغاربة. ثم جاء خطاب أجدير وإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، قبل أن يكرس دستور 2011 الأمازيغية لغة رسمية، ويأتي القانون التنظيمي وإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية. انتقلت القضية بذلك من طلب الاعتراف إلى سؤال التنزيل الفعلي داخل المدرسة والإدارة والقضاء والخدمة العمومية.

وفي قضية المرأة، يبرز الدور الملكي في إدارة الخلاف بين المرجعية الدينية والتحول الاجتماعي. فقد نقل الملك الجدل حول خطة إدماج المرأة من مواجهة بين المحافظين والحداثيين إلى اجتهاد مؤسساتي تحت سلطة أمير المؤمنين. نتج عن ذلك إصلاح مدونة الأسرة، ثم منح الجنسية لأبناء المغربيات، ودسترة المساواة والمناصفة.

وبعد عقدين، عاد الملك ليقر بأن تطبيق المدونة كشف عن اختلالات، ويطلق مراجعتها من جديد. والمعنى هنا أن الإصلاح، في الخطاب الملكي، ليس قرارا نهائيا مغلقا، بل مسارا يراجع نفسه حين تتغير الأسرة والمجتمع وتظهر حدود النص والممارسة.

أما في حقوق الإنسان، فقد بدأ المسار بمحاولة تدبير إرث الانتهاكات الجسيمة دون تحويل المصالحة إلى محاكمة للنظام السابق. اعترفت هيئة الإنصاف والمصالحة بالضحايا وقدمت التعويض وجبر الضرر، ثم انتقل الخطاب إلى ضمانات عدم التكرار ودسترة الحقوق والحريات سنة 2011.

اتسع مفهوم حقوق الإنسان بعد ذلك ليشمل المهاجرين والمرأة والطفل والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. لكن الخيط الناظم ظل هو المسافة بين النص والتطبيق. كلما ارتفع سقف الالتزامات، صار كل تجاوز أكثر تناقضا مع المرجعية التي أعلنتها الدولة لنفسها.

وفي الصحراء، تكشف الخطب الملكية انتقالا من الدفاع عن «الاستفتاء التأكيدي» إلى بناء تصور سياسي جديد قائم على الحكم الذاتي. تحول الملف من نزاع يدبر داخل الأمم المتحدة إلى محور يعاد حوله ترتيب التنمية والجهوية والسياسة الإفريقية والعلاقات مع الشركاء.

ثم أصبحت الصحراء، في خطاب الملك، ذلك المعيار الذي يقيس به المغرب صدق الصداقات ووضوح المواقف. لم تعد السيادة تُدافع عنها بالحجة التاريخية والقانونية فقط، بل بالموانئ والطرق والاستثمار والتمثيل السياسي وربط الأقاليم الجنوبية بإفريقيا والأطلسي.

ولا تنفصل قضية الصحراء عن العلاقة مع الجزائر. ففي بداية العهد، راهن محمد السادس على لغة الأخوة وحسن الجوار، مع احتفاظه بعبارات شديدة في توصيف مسؤولية الجزائر عن النزاع. ثم تراجعت تسمية الجزائر المباشرة بالخصم، وحلت محلها دعوات متكررة إلى فتح الحدود وإحياء الاتحاد المغاربي وإحداث آلية للحوار.

حتى بعد القطيعة الدبلوماسية المعلنة من طرف واحد (من طرق الجزائر)، حافظ الخطاب على التمييز بين الدولة والشعب الجزائري، وعلى صورة اليد الممدودة، بما يعكس رغبة في تثبيت الحزم في الصحراء دون تحويل الخلاف إلى عداوة بين الشعبين.

أما السياسة الخارجية، فتظهر فيها واحدة من أكبر تحولات العهد. فقد ورث محمد السادس شبكة علاقات تقوم على التوازن بين أوروبا والولايات المتحدة والعالم العربي، في لحظة طبعتها أحداث 11 شتنبر وحرب العراق وأزمات الشرق الأوسط. لكن مركز الثقل انتقل تدريجيا إلى إفريقيا، والتعاون جنوب–جنوب، وتنويع الشراكات، ثم إلى بناء رؤية أطلسية تربط المغرب بغرب إفريقيا والساحل والأمريكيتين. ولم تعد الدبلوماسية تعبيرا عن المواقف فقط، بل امتدادا للاستثمار والأمن والطاقة والموانئ والوحدة الترابية.

لا تقدم أوراق هذا الملف سجلا كاملا لكل ما قيل في سبع وعشرين سنة، ولا تدعي أن الخطاب وحده يكفي لفهم الدولة. فالسياسة تُقرأ أيضا في القوانين والميزانيات والقرارات والممارسة والنتائج. لكن الخطب الملكية تمنحنا الخيط الذي يصل هذه العناصر بعضها ببعض، وتكشف كيف تعرّف الدولة نفسها، وكيف تشرح اختياراتها، ومتى تعترف باختلالاتها، ومتى تغير أدواتها دون أن تغير ثوابتها.

ومن خلال جمع هذه الموضوعات، تظهر صورة عهد لم يتحرك في خط مستقيم، بل عبر مراحل من المبادرة والتصحيح وإعادة التقييم. بعض الأفكار انطلقت مبكرا ثم احتاجت سنوات حتى تصبح مؤسسات، وبعض المشاريع بلغت حدودها فاستدعت نماذج جديدة، وبعض الأسئلة ظلت معلقة رغم تكرارها في الخطب.

لهذا لا نقرأ في هذا الملف كلمات الملك معزولة عن سياقاتها، بل نقرأ بها تاريخ الدولة وهي تراجع نفسها، وتعيد ترتيب أولوياتها، وتحاول أن تصل بين استمرارية الحكم وتحولات المجتمع.

إنه، في النهاية، بحث في الذاكرة السياسية للعهد الجديد: ماذا كان الملك يريد في بدايته؟ وماذا تغير في نظرته إلى الأحزاب والمجتمع والهوية والحقوق والسيادة؟ وأي مغرب ترسمه الخطب بعد سبع وعشرين سنة من الحكم؟

هذه المادة ضمن العدد 121 من مجلة “لسان المغرب”. قراءة ممتعة!