story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

الخروف غال والإنسان رخيص

ص ص

بما أن السياق يخضع لسيادة “الحوليات” هذه الأيام، دعونا نتأمل الفكرة التالية، والتي كانت من بين المعطيات الصادمة التي كشفها تحقيق مجلة “ملفات” حول “الفراقشية”: ما قاله وزير الفلاحة أحمد البواري بداية هذا الأسبوع عن وجود خرفان بألف درهم لم يكن خاطئا تماما، بل هناك بالفعل خرفان تباع بهذا الثمن، جاهزة و”كاملة مكمولة”، لكن في إسبانيا وعموم أوربا، وليس في المغرب.

هناك حيث مستوى المعيشة مرتفع، والأسواق محرّرة، و”المدخلات” باهظة الكلفة، يدور سعر الخروف، مما استورده بعض الفراقشية قبل عامين، حول الألف درهم، بل إن منهم من كان متوسّط سعر الخروف الواحد مما استورده في حدود 900 درهم، لكنهم باعوا للمواطن المغربي بثلاثة وأربعة آلاف درهم، محققين هوامش ربح أسطورية.

رسميا، تراوح متوسط القيمة المصرح بها للرأس المستورد من الأغنام بين 1471 درهما في مارس 2023 إلى 1686 درهما في أبريل من السنة نفسها، ثم من 1726 درهما في مارس 2024 إلى حوالي 1800 درهم في أبريل 2024.

وبعد خصم دعم 500 درهم للرأس، تصبح كلفة الاستيراد في المجمل بين 900 و1300 درهم للرأس الواحد، لترتفع، بعد إضافة النقل من إسبانيا، إلى ما بين 1300 و1700 درهم بالنسبة إلى الأغنام المستوردة لعيد الأضحى.

ومع ذلك، يتحدث تحقيق “ملفات” عن تسويق هذه الأغنام في بعض الضيعات بما بين 2100 و4500 درهم للرأس، وعن خروف متوسط بوزن يقارب 55 كيلوغراما يصل في المعدل إلى 5200 درهم.

انتبهوا معي إلى هذا المعطى: الخروف يُشترى من الخارج جاهزا. لا يحتاج إلى سنوات من السياسة الفلاحية، ولا مغرب أخضر، ولا بيانات عن إعادة تشكيل القطيع، ولا خطب عن الأمن الغذائي، ولا دموع حكومية على الكسابة الصغار. يدخل إلى المغرب وقد قطع المسافة الكبرى في سلسلة الإنتاج خارج البلادو وسعره لا يتجاوز 1500 درهم!

الأدهى أن ما كشفه تحقيق الزميلة “تيل كيل” جعل الصورة أكثر فجاجة. إناث خرفان مستوردة بأقل من 600 درهم، يستفيد مستوردها من دعم 500 درهم، لتصبح كلفتها أقل من مئة درهم، ثم تُباع بما يناهز 2500 درهم.

وحتى إذا تعاملنا مع هذا الرقم بحذر لكونه لا يتضمن كلفة النقل التي يقدّرها الصديق يوسف الحيرش ب300 درهم، فإن المعنى والاقتصادي لا يتغير كثيرا: شاة كاملة قادمة من أوربا، لا تصل كلفتها حتى 500 درهم، لكنها بيعت للمغاربة من طرف إخوتهم الفراقشية بأكثر من ألفي درهم!

الحقيقة أن المشكلة ليست في الخروف ولا في ثمنه. المشكلة في الإنسان الذي صار رخيصا إلى هذا الحد. الحولي الأجنبي رخيص حين يدخل إلى المغرب، وغال حين يصل إلى المواطن. والحولي المحلي، الذي يفترض أن يكون أقل كلفة في سنة مطيرة، صار أغلى من المستورد. والإنسان، الذي يفترض أن يكون هو غاية الدعم والسياسات العمومية، صار مجرد ذريعة. تستعمله الحكومة في الخطاب، ويستعمله المستورد في طلب الدعم، ويستعمله الوسيط في تبرير السعر، ثم يخرج الجميع رابحين إلا هو.

يذكر تحقيق “ملفات” أن أضاحي 2023 و2024 المستوردة استفادت من دعم مباشر قدره 500 درهم للرأس، ومن إعفاءات عند الاستيراد، وكانت محاطة خلال الولاية الحكومية الحالية بمنظومة دعم متنوعة مجموعها 7600 مليار سنتيم، لكنها وصلت إلى السوق بأسعار مرتفعة.

وإذا كان الكيلوغرام الحي من الغنم، في حسابات تقريبية، لا ينبغي أن يتجاوز في كلفته حدود 35 إلى 40 درهما في كثير من الحالات، خاصة في سنة ممطرة لا يعتمد فيها المربي على العلف وحده، وإذا كانت الدولة قدمت دعما للأعلاف وتجديد القطيع، وإذا كان الخروف المستورد نفسه يدخل بكلفة قريبة من ألف درهم بعد الدعم، فلماذا يتجاوز السعر في السوق كل هذا المنطق؟

الجواب في المنظومة التي تجعل كل شيء غاليا إلا الإنسان. العلف غال. والنقل غال. والوساطة غالية. والهامش غال. والصمت غال. لكن الإنسان رخيص. كل شيء فيه رخيص. صبره رخيص، ودخله رخيص، وكرامته رخيصة، وقدرته على قول “لا أستطيع شراء الأضحية” رخيصة في عيون من يعتقدون أن الناس يمكن أن يعيشوا إلى الأبد بين الطاعة والحرج الاجتماعي.

عيد الأضحى في المغرب ليس مجرد عملية شراء. إنه امتحان اجتماعي. الأسر لا تشتري الحولي كما تشتري بضاعة عادية. بل تشتري جزءا من الطمأنينة، ومن الانتماء، ومن الفرح، ومن القدرة على النظر في عيون الأطفال دون شعور بالعجز.

لهذا يصبح الغلاء في هذا المجال قاسيا أكثر. السوق في هذا المجال لا يستغل الجوع فقط، بل يستغل المعنى. ويستغل حاجة الناس إلى ألا يشعروا بأنهم خارج الجماعة. ويستغل شعيرة لها مكانتها الخاصة عند المغاربة، ويحولها إلى بورصة للربح.

لقد صار لدينا خروفان في المغرب: خروف حقيقي تشتريه الأسر بما لا تطيق، وخروف سياسي ترعاه الحكومة في الخطابات. الأول يباع في الأسواق بأثمان موجعة. والثاني يظهر في البرلمان بألف درهم، رشيقا، طيعا، صالحا للاستعمال الدعائي.

لهذا لا يكفي أن نسخر من حولي الألف درهم. السخرية وحدها تزيح الغضب ولا تغير شيئا. يجب أن نذهب إلى ما وراء النكتة. إلى الفاتورة. وإلى مكتب الصرف. وإلى الجمارك. وإلى لوائح المستفيدين. وإلى عقود النقل. وإلى الضيعات. ووإلى الأسواق. إلى كل يد لمست هذا الخروف منذ خروجه من إسبانيا إلى أن وصل إلى المواطن المغربي مضاعف الثمن.

هناك، في هذه المسافة القصيرة ظاهريا والطويلة ماليا، توجد الحقيقة.

الخروف غال، نعم.

لكن الأخطر أن الإنسان صار رخيصا.

رخيصا إلى الحد الذي تُصرف باسمه الملايير، ثم لا يجد في السوق إلا من يبيعه الوهم بالكيلو.