story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

الحرب على الخليج

ص ص

تخسر دول الشرق الأوسط بوجود حالةٍ مرَضية اسمها دونالد ترامب في البيت الأبيض، الذي يملك وحدَه القدرة على التبشير بـ”العصر الذهبي” بعد ساعات من وعيده بـ”العصر الحجري” و”إبادة حضارة”. ما يفعله ترامب لا ينتمي، على الأرجح، لحقليْ السياسة والعلاقات الدولية، وإنما للانحرافات النفسية والسلوكية التي تجعله يُسوِّغ جرائمَ الحرب بأنها تجوز ضد “حيوانات”، كأنّه يقرأ من دفتر إسرائيل التي وصفت الفلسطينيين بـ”الحيوانات البشرية”.

الشعور بـ”التفوّق” الذي يُنتج الاستخفاف هو ما يجعل ترامب ونتنياهو لا يكترثان بأضرار يسبِّبانها للمنطقة. الدول العربية مُجرَّدة من امتلاك “قرار الحرب والسلم” ( وعذرا جوزاف عون ونواف سلام)، لذا لا تهتمّ واشنطن باستشارتها باعتبارها معنية بالآثار، حرباً وسلماً.

حين قررت إسرائيل وأمريكا الحرب على إيران، دفع الخليج العربي الفاتورة الأكبر. وحين قرر ترامب ونتنياهو أخذ “استراحة محارب”، لتجريب أن يأخذا بالدبلوماسية ما لم يُحقِّقاه بالنار، ولكسر حلقة تهديدات الرئيس الأمريكي وآجاله وتمديداته على التمديدات التي صارت “نكتة سمِجة”، ومفزعة في نفس الوقت، لم يستشيرا “ضحايا الحرب”.

تأكيد الإمارات، عقب إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، “سعيها للحصول على مزيد من الاستيضاحات”، يعني أمراً لافتاً: أبو ظبي، أقرب حلفاء إسرائيل في الخليج، لا تعرف ما يجري، أو في الحدّ الأدنى لا تعرف كل ما يجري. أمّا إذا أضفنا قول ترامب، خلال إعلانه هدنة الأسبوعين، إنه يتحدث “بصفته رئيسًا للولايات المتحدة، وممثلًا أيضًا لدول الشرق الأوسط”، فالأمر يزداد إثارةً، ويعني أحد أمرين: إما أنه يكذب حين يتحدث عن تمثيله لدول الشرق الأوسط ( دون أن يحدّد من بالضبط)، أو أنه يعتقد أنه يحوز حقّ التمثيل دون حاجة لإذنٍ ممّن يدّعي أنه يمثلهم، وبالتّبع أنه في غنى عن استشارتهم. أو هما معاً.

لا يطلب “الاستيضاحات” إلا المنزعجُ لربما من عدم “اكتمال المهمة”، أو من عدم إشراكه في ترتيبات وقف القتال. بيان الإمارات تعبيرٌ مكتوم عن الانزعاج من وقف إطلاق النار بالشكل الذي جرى به، ويعني، من ضمن كثيرٍ، أن أبو ظبي لربما كانت تريد “إتمام المهمة”، أو في الحد الأدنى أن “أي تهدئة في المنطقة يجب أن تقوم على ضمانات أمنية واضحة وقابلة للتنفيذ”. وحديث الإمارات عن أن “الاستقرار الدائم في المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر تهدئة مؤقتة فقط” يشير إلى أن وقف الحرب في “منتصف الطريق” أخطر من استمرارها، إذ إنّ عدم إيقاع هزيمة بإيران، أو إلزامها بعدم تكرار اعتداءاتها، سيعني، من منظور داعمي هذا الطرح، إعادة ترسيم نفوذها الإقليمي على جِبال من الأضرار في المنطقة، مشفوعٍ على حديثها عن احتمال فرض رسوم عبور من مضيق هرمز، و”خطابات النصر” هناك.

وبالغ الإساءة أن يكون ترامب أول من تحدث عن تغيير الوضع في هرمز، مُسْتَبِقاً حديث إيران عن فرض رسوم عبور، حين صرّح، ضمن محاولته الانتفاع الانتهازي من أزمة تسبّب في اندلاعها، بأن “المضيق سيكون تحت سيطرتي أنا ومرشد إيران”. والأدهى أن تكون دول الخليج، فوق ذلك، مطالبةً بدفع مقابل تكاليف الحرب، وفق ما قاله البيت الأبيض صراحةً.

منذ بدء الحرب، تكاد الحِسْبةُ تكون واضحة لجهة الرابح الأكبر والخاسر الأكبر.

هناك “فائز” صريح إلى الآن: نتنياهو الذي نجح في جرّ واشنطن إلى حرب مع إيران، مستغلا وجود ترامب باعتباره “فرصة إسرائيلية” قد لا تتكرّر في البيت الأبيض. وترامب نفسه قال إن ولايته تتيح فرصة، في ظل مخاوفه (الإسرائيلية طبعاً) من وجود “رؤساء أمريكيين ضعفاء”، سابقاً ومستقبلاً، لن يجرؤوا على مهاجمة إيران.

وأكبر الخاسرين هي دولٌ في الخليج، إذ تتحمّل تكاليف الحرب وقد صارت عرضةً للاعتداءات الإيرانية، بعدما حوّلها الحرس الثوري إلى “ساحة تنفيس”، وضمن لعبة “تدفيع ثمن” تستعصي في الحالة الأمريكية، وتبدو غير كاسرة للتوازن في حالة إسرائيل التي باتت قادرة على “تحجيم” خطر الصواريخ والمسيّرات، ليكون الخليج رهينةً لعدم قدرة إيران على الردّ بتماثل ضد من يهاجمها. حوّلت طهران الخليج إلى جزء من قواعد اشتباك جديدة. وهذه الوضعية، التي تتفاعل فيها المصالح الأمريكية/ الإسرائيلية مقابل المصالح الإيرانية، أنتجت تأثيرات “غير متكافئة”، بحيث أدّت دولٌ ليست طرفاً في الحرب تكاليفَ أكثر من أطراف الحرب.

بدا واضحاً خلال الأيام الـ40 للحرب أن الخراب في الخليج جزءٌ من تصوّر نتنياهو لتغيير الشرق الأوسط، على قاعدة أن مزيداً من إضعاف دول المنطقة مصلحةٌ لتل أبيب، لتأمين العبور الدموي نحو الزمن الإسرائيلي.

لم يتصوّر أحدٌ أن دول الخليج تشكّل خطراً آنياً على إسرائيل، بل إنّ دولتين ( الإمارات والبحرين) تقيمان علاقات معها، فيما سبق لنتنياهو أن زار سلطنة عمان ( أكتوبر 2018)، وتُيسِّر قطر ( دون إقامة علاقات رسمية) مفاوضات تكون إسرائيل طرفا فيها. أما السعودية فلا تعارض التطبيع من حيث المبدأ، وتشترط “بدء” مسار لإقامة الدولة الفلسطينية. وتحتفظ الكويت بموقف أكثر تشدّداً حول تطبيع العلاقات. ومع ذلك، تخريب أمن الخليج، الذي يبقى الاستقرارُ رأسمالِه الحقيقي، مصلحةٌ إسرائيلية، تُنفَّذ بيد الإيرانيين، ضمن ترتيبات النفوذ والسيطرة، وفي إطار إعادة تشكيل خريطة الطاقة.

أمريكا وإسرائيل تُرسِّخان استمرارَ المنطقة العربية ساحة حرب واضطراب، لاستدامة تفوّق إسرائيل، ولا ينفع أن تكذب واشنطن بشأن تفاجئها بمهاجمة إيران لدول الخليج.

وحتى طرحُ تصوّرات لتغيير مسارات إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط، لسحب ورقة هرمز مستقبلا من يد إيران، يفتل في أجزاء كبيرة منه في مصلحة إسرائيل، التي تطمح إلى أن تكون مركزاً طاقيا، وضمن استعادات دينية شديدة الكثافة والدلالة حول أوهام “إسرائيل الكبرى”، مربوطةٍ بمخططات اقتصادية استراتيجية. ولربما ينفع أن نستحضر زيارة رئيس الوزراء الهندي ( العنصري المتطرف الآخر)، قبل أسابيع من الحرب، لتل أبيب، وكل ذلك الحديث عن “ممر مومباي – حيفا”، وبلغة نتنياهو محور “من الهند إلى كوش”. وضمن هذا التسويغ الديني/ والطموح الدنيوي، تقف إيران حجرة عثرة، لذلك خصّها نتنياهو بتهديدات رمزية موصولة بتراث يهودي، إذ أن تعبير “من الهند إلى كوش” ورد في سفر إستير، التي اتخذها أحشويروش، ملك فارس، زوجة له بعد قتل زوجته الأولى، لتستغلّ ( اليهودية) إستير مكانتها كملكة لبلاد فارس، رفقة ابن عمها مردخاي، في إحباط مؤامرة الوزير هامان، عدو اليهود في المملكة. وبحسب التلمود، حكم أحشويروش 127 إقليماً من الهند إلى كوش، بما هو جغرافية شاسعة تمتدّ من جنوب آسيا إلى القرن الإفريقي، وصولًا إلى شرق المتوسط.

وهل يجدر، ضمن هذا الاستدعاء للتاريخ التوراتي وربطه بالحاضر، أن نتذكّر الصدام الإماراتي السعودي، قبل أشهر، ربطاً بشبكة مصالح في القرن الأفريقي، تجلّى ظاهرياً مواجهةً في اليمن؟.

قصارى القول

تنازِعُ دولٌ، مثل قطر، في التذكير بأن إيران جارٌ تستوجب المصلحةُ إيجادَ “صيغةِ تعايش” معه، دون إسقاط حقّ رفض اعتداءاته، وتنظر السعودية مليّاً في توازنات لا تريدها أن تميل نحو إسرائيل، مع إبقاء خطّ رجعة لطهران، كان من مؤشراته “الاقتصاد” في الكلام زمن الحرب رغم محاولات التوريط، والاكتفاء بوضعية الدفاع، ثم تواصل علني بين وزيري خارجية البلدين بعد اليوم الأول لوقف إطلاق النار. أما سلطنة عُمان فتكاد تبدو أكثر ميلاً لموقف طهران بالتصريح أنها الحرب “عدوان”، وأنّ لا مصلحة فيها لدول المنطقة، وأنها تخريبٌ لمسار الدبلوماسية الذي كانت تتوسّط فيه، فيما الكويت تدفع ثمن الجغرافيا وتكاليف تاريخ غير ودّي مع العراق، من مفاعيله تركيز مليشيات شيعية عراقية ضرباتها عليها. أما الإمارات، التي تطلب “استيضاحات” بشأن وقف إطلاق النار، فأكثرُ انخراطاً في ترتيبات تتساوَق مع خطط إسرائيل، وذات “حضور” في أكثر من حرب عربية، في السودان وليبيا، ومناطق أخرى، ضمن انشغالات نتنياهو ذاتها.

ما يهمّ الآن، هو التشديد على أنه لا مجال لـ”محو إيران”، كما توهّم ترامب. من حقّ دول في الخليج أن ترى الآن في إيران خطراً بعد هجماتها. ومن حقّها أيضاً أن تكون حاضرة في قلب أيّ مفاوضات مع إيران دون الاكتفاء بإعلان ترامب أنه يمثل بلده و”دول الشرق الأوسط”. لكن لا يجب أن تدفع هذه الاستعصاءات المتراكمة، بين الخليج وإيران، إلى الارتماء في الحضن الإسرائيلي، مثلما يتمنى نتنياهو، الذي سارع إلى “التباهي” بتوسّع تحالفاته في المنطقة، محاولاً تسويق نفسه حامياً ضد الخطر الإيراني، اجتراراً لمقولات قديمة/ جديدة، لكنها هذه المرة تعني بوضوح: إعادة ترتيب الشرق الأوسط، على جثث الفلسطينيين، وهزّ استقرار المنطقة، خدمةً لأهداف جرى ذكر بعضها هنا.