الجامعي: قانون مهنة المحاماة “فضيحة تاريخية” والكواليس البرلمانية ترسخ الاستبداد
اعتبر النقيب السابق عبد الرحيم الجامعي أن الطريقة التي مرر بها مشروع قانون مهنة المحاماة تمثل “فضيحة تاريخية” سقطت فيها الحكومة الحالية بآخر أيامها، متهماً ما وصفه بـ”الكواليس البرلمانية” بترسيخ الاستبداد وصناعة “زيف المواقف”، وذلك في أول تعليق له عقب مصادقة مجلس النواب على المشروع.
وقال الجامعي، في رسالة حملت عنوان “نعم، انتصرت المحاماة”، توصلت صحيفة “صوت المغرب” بنسخة منها، إن ما جرى داخل البرلمان لا يمثل نهاية معركة المحامين، بل بداية مرحلة جديدة من الدفاع عن استقلال المهنة، معتبراً أن الحكومة “فرضت خياراتها” دون استيعاب المذكرات والمقترحات التي تقدمت بها الهيئات المهنية.
وأضاف أن المحامين تمكنوا، رغم المصادقة على المشروع، من تحقيق “انتصار حقيقي”، موضحاً أن ثلاثة أحزاب معارضة صوتت ضد النص، وهو ما اعتبره مكسباً سياسياً للمهنة، لأن المحامين نجحوا، بحسب تعبيره، “في توحيد مواقف أحزاب تختلف في توجهاتها السياسية حول رفض المشروع”.
ورأى الجامعي أن اعتراض المحامين لم يكن دفاعاً عن مصالح فئوية، بل عن قضايا ترتبط بدولة القانون وضمان الحق في الدفاع واستقلال مهنة المحاماة، مؤكداً أنه “ليس هناك قضاء دون محاماة تمارس مهامها في استقلال عن كل جهاز أو سلطة مهما كانت”.
وفي انتقاد مباشر للحكومة، وصف الجامعي ما وقع بأنه “فضيحة تاريخية سقطت فيها حكومة في آخر أيام حياتها”، متهماً من سماهم “انتهازيين وتجار السياسة” باستغلال مشروع القانون لتصفية حسابات سياسية، ونقل تناقضاتهم إلى ساحة المحاماة، استعداداً للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
واعتبر أن الاعتصام الذي نظمته جمعية هيئات المحامين أمام البرلمان، بمشاركة مئات المحامين من مختلف المدن، جسد حجم الرفض المهني للنص، مضيفاً أن هذا الحراك “أكد للسلطة التنفيذية والتشريعية أن غضب المحامين غضب مشروع”، وأنهم يرفضون “العبث السياسي بالمهنة”.
وسجل الجامعي أن المحاماة المغربية حظيت، خلال هذه المعركة، بدعم دولي واسع، مشيراً إلى تضامن عدد من المؤسسات والتنظيمات المهنية الدولية، من بينها المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، واتحاد المحامين العرب، والاتحاد الدولي للمحامين، والمجلس الدولي لهيئات المحامين.
وفي المقابل، وجه الجامعي انتقادات حادة للبرلمانيين الذين صوتوا لصالح المشروع، وعددهم 85 نائباً، مؤكداً أن المحامين “لا يحملون الحقد ولا العداوة تجاههم”، لكنه اعتبر أن “التاريخ سيعطيهم الجواب بأنهم لم يكونوا على صواب”.
وقال إن “الكواليس البرلمانية ترسخ الاستبداد وتصنع زيف المواقف”، مضيفاً أن تصويتهم لصالح المشروع “لن يمحو من ذاكرة الرأي العام الوطني والدولي مشروعية تصورات المحامين وما قدموه من أفكار ومقترحات لبناء قانون مهني منسجم مع مستقبل العدالة”.
وفي المقابل، أشاد الجامعي بمواقف أحزاب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية، التي صوتت ضد المشروع، معتبراً أن رفضها أفشل ما وصفه بـ”مناورة الإجماع” حول النص، وشكل دعماً لإرادة المحامين ولمؤسسات المجتمع المدني في مواجهة ما وصفه بـ”زمن الاحتكار والمنافسة والنفوذ”.
واعتبر الجامعي أن المصادقة البرلمانية على المشروع لا تعني نهاية المعركة بالنسبة للمحامين، بل تمثل بداية مرحلة جديدة تستوجب، بحسب تعبيره، استخلاص الدروس من التجربة الأخيرة، وفتح نقاش واسع داخل الهيئات المهنية ومع المجتمع والحلفاء والداعمين حول مستقبل المهنة.
وقال إن المحاماة المغربية مطالبة اليوم برسم “مسارات جديدة لمهنة المستقبل ولقضاء المستقبل”، معتبراً أن جمعية هيئات المحامين والهيئات المهنية تمتلك القدرة على الارتقاء بالنقاش القانوني في القضايا المصيرية، والنهوض بما سماه “السيادة القانونية” باعتبارها معياراً للمساواة ومنع التمييز ومحاربة الفساد والمحسوبية، فضلاً عن التصدي لما وصفه بـ”الممارسات السياسية الانتهازية والمنحرفة” والمخاطر التي تهدد الحريات واستقرار المجتمع.
وأشار الجامعي إلى أن ما تحقق خلال الأشهر الماضية لم يكن مجرد احتجاج مهني، بل تجربة جماعية عززت، وفق تعبيره، “وحدة الصف بين المحامين وهيئاتهم، ورسخت لديهم وعياً مشتركاً” بما اعتبره مخاطر المشروع الحكومي على أسس المهنة وقيمها.
وأضاف أن التعبئة التي انطلقت منذ شهر مارس الماضي، وبلغت ذروتها مع الاعتصام المفتوح الذي نظمته جمعية هيئات المحامين أمام البرلمان، “أظهرت حجم الالتفاف المهني حول الدفاع عن استقلال المحاماة”، مؤكداً أن المحامين عبروا، من خلال تلك المحطات، عن رفضهم “العبث السياسي بمهنة المحاماة وبأهلها”.
وربط الجامعي بين قوة المهن القانونية واستقرار المؤسسات، معتبراً أن تعزيز مكانة المحاماة يساهم في ترسيخ الثقة في القضاء وتقوية استقرار المعاملات، محذراً من أن “كل محاولة للتشكيك في صلاحياتها أو تهجين أدوارها ستكون عواقبها وخيمة على حاضر ومستقبل المغرب كله”.
وفي ختام رسالته، دعا الجامعي إلى التعاقد من أجل “إنتاج وتنظيم قوة مهنية للمستقبل”، تستند إلى رصيد المحاماة المغربية وتاريخها وتجاربها النضالية، معتبراً أن مستقبل المجتمع يرتبط بمدى وعي مختلف القوى المجتمعية بأدوارها. واستشهد في هذا السياق بعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، الذي يرى أن مستقبل المجتمعات “ليس مساراً خطياً مرسوماً، بل هو محصلة دائمة للصراع والتنافس المستمر داخل مجالات متعددة”.