story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
دولي |

التنافس على النفوذ والموارد.. خبراء مغاربة ودوليون يشخصون عالَماً متعدد الأقطاب

ص ص

في قلب التنافس الدولي المحتدم على النفوذ والموارد، تتضح اليوم خطوط الاشتباك بين القوى الكبرى والصاعدة، حيث تمتد المعارك من المضايق البحرية الحيوية إلى حقول النفط والمعادن الاستراتيجية، مروراً بالأزمات الإقليمية التي تحولت إلى ساحات اختبار للسياسات العالمية.

وفي هذا الصدد، قدم كل من الباحثة صباح العمراني، والمتخصص في العلاقات الدولية مصطفى المعتصم، والحقوقي الفلسطيني محمود الحنفي، والخبير الاقتصادي الإسباني ميغيل أنخيل فيرنانديث تابوادا، قراءات متقاطعة خلال ندوة نظمها مكتب العلاقات الخارجية لجماعة العدل والإحسان، مساء يوم الجمعة 27 فبراير 2025.

وأجمع المتدخلون، في الندوة التي حملت عنوان “التنافس الدولي على النفوذ والموارد في عالم متعدد الأقطاب”، على أن الصراع العالمي المعاصر لم يعد مجرد تنافس اقتصادي تقليدي، بل أصبح عاملاً بنيوياً يعيد تشكيل مفهوم الأمن والاستقرار الدوليين، في ظل نظام عالمي يمر بمخاض عسير نحو التعددية القطبية.

إيران.. حلقة استراتيجية

ويبرز التوتر الأمريكي-الإيراني اليوم كأحد أكثر الملفات راهنية في هذا الصراع الجيوسياسي، وقد توقف المتدخلون عند هذا المحور بتحليل معمّق. إذ أوضح الباحث مصطفى المعتصم أن “إيران تمثل حلقة وصل استراتيجية في هندسة عالم متعدد الأقطاب تعمل الصين وروسيا على بنائه”، مشيراً إلى أن القلق الصيني المتزايد نابع من التهديدات الأمريكية التي قد تؤدي إلى “إغلاق مضيق هرمز وعرقلة إمدادات الطاقة القادمة من الخليج وإفريقيا”.

ومن جانبه، اعتبر الحقوقي الفلسطيني محمود الحنفي أن التوتر المرتبط بإيران وبمنطقة البحر الأحمر يعكس “محاولة لفرض نظام دولي جديد لا يؤمن فعلياً بالتعددية”، بل يسعى لإعادة إنتاج الأحادية القطبية عبر “عسكرة الممرات البحرية واستنفار القوى الكبرى” لحماية شرايين التجارة العالمية وفق الرؤية الغربية.

وأضاف أن عسكرة البحر الأحمر وباب المندب واستهداف الممرات المائية تعكس محاولة أمريكية لفرض نظام “أحادي” يعيد السيطرة على طرق الملاحة، في مواجهة مشاريع قارية كبرى تسعى لربط آسيا الوسطى بأوروبا عبر الموانئ الإيرانية، ما يخرج التجارة الدولية عن دائرة الرقابة البحرية الأمريكية التقليدية.

الصعود الصيني

وفي سياق القراءة الكلية لهذا المشهد، أكدت صباح العمراني، عضو مجلس أمناء الائتلاف العالمي للأخلاق والقيم الإنسانية، أن هذا الصراع هو نتاج تحول بنيوي نحو التعددية القطبية، حيث برزت الصين كمحرك أساسي مستندة إلى “نموذج القوة الذكية” الذي يزاوج بين التوسع الاقتصادي والاستثمار في الدبلوماسية، والردع العسكري، وتعزيز الحضور الثقافي، ما يجعل “نفوذها طويل الأمد وأكثر تكاملاً مقارنة بالسياسات التقليدية المبنية على الإكراه”.

وتستفيد الاستراتيجية الصينية، بحسب العمراني، من تراجع الهيمنة الغربية لتوسيع حضورها، مع الترويج لخطاب “الصعود السلمي” الذي يهدف إلى طمأنة المجتمع الدولي، رغم كونه يتداخل مع “حسابات استراتيجية واقعية” تهدف إلى “توسيع النفوذ الاقتصادي، وحماية طرق الطاقة والتجارة، وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي”، كما يتضح في ملفات “بحر الصين الجنوبي”، و”مبادرة الحزام والطريق”، و”قضية تايوان”.

وأكدت الباحثة على أن “الصعود الصيني أعاد تشكيل موازين القوى العالمية”، إذ ساهم في “تراجع احتكار الغرب للمؤسسات الدولية”، وظهور أطر تعاون جديدة مثل “بريكس” و”منظمة شنغهاي للتعاون”، وزيادة “تعقيد إدارة الأزمات الدولية”. كما أن هذا الصعود أسفر عن “تصاعد سباق التسلح، وتكثيف الانتشار البحري، وزيادة حدة النزاعات الحدودية”، بما يفرض “تحديات كبيرة على الأمن والاستقرار العالمي”.

وأشارت العمراني إلى تأثير الصعود الصيني على الدول النامية، إذ يعيد تشكيل “النخب الاقتصادية” ويتيح خيارات تطوير “دون ربطها بشروط الحوكمة أو الديمقراطية”، كما في النموذج الغربي، ما يطرح تساؤلات حول “قدرة هذه الدول على حماية استقلالها الاقتصادي وسيادتها في ظل النظام الدولي المتعدد الأقطاب”.

الصراع على الممرات

من جانبه، فكك مصطفى المعتصم، الباحث المتخصص في العلاقات الدولية، أبعاد “حرب الموانئ”، مشيراً إلى أن الصين قررت “تولي مهمة حماية مصالحها في أعالي البحار” لمواجهة الوجود العسكري الأمريكي في المحيط الهندي. واستعرض المعتصم أهمية “مبادرة الحزام والطريق” في خلق مسارات بديلة، لافتاً إلى أن الصراع في اليمن وتحديداً في “باب المندب وسقطرى وميناء المخا” يندرج ضمن سباق محموم للسيطرة على المعابر الاستراتيجية.

وفي قراءته للنزاعات الإقليمية، ربط المعتصم بين “حرب الموانئ” والصراع في اليمن، موضحاً أن مشاركة دول مثل الإمارات في الحرب كانت مدفوعة برغبة استراتيجية للسيطرة على موانئ جنوب اليمن وجزيرتي سقطرى وميون، بهدف مواجهة التنافس القادم من ميناءي “جوادر” الباكستاني و”تشابهار” الإيراني. واعتبر أن هذه التحركات تتقاطع مع أجندات دولية أوسع تهدف لتأمين البحر الأحمر وباب المندب، في ظل التوجس من تنامي النفوذ الإيراني.

ولم يغفل المعتصم البعد المادي للصراعات في دول الجنوب، مؤكداً أن شعارات الدفاع عن الديمقراطية أو محاربة الإرهاب غالباً ما تكون غطاء للصراع على الموارد، مستشهداً بالنزاعات في جمهورية الكونغو الديمقراطية حول معدن “الكولتان” الاستراتيجي، والحروب في ليبيا والنيجر ومالي وفنزويلا التي تتمحور حول النفط واليورانيوم والذهب والليثيوم. وخلص إلى أن العمليات العسكرية تحت شعار “الحرب على الإرهاب” تتركز بشكل مريب في المناطق الغنية بالثروات، مما يطرح تساؤلات حول الأهداف الحقيقية للتدخلات الخارجية.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة، التي نصبت نفسها حامية لطرق الشحن العالمية بعد عام 1991، تواجه اليوم تحدياً صينياً غير مسبوق في أعالي البحار، إذ انتقلت بكين من استراتيجية الدفاع عن مياهها الإقليمية إلى استراتيجية هجومية تهدف لحماية مصالحها في المحيطين الهندي والهادئ، نتيجة القلق من الوجود العسكري الأمريكي المكثف الذي يهدد ممرات حيوية مثل مضيق ملقا، الذي يمر عبره 80% من احتياجات الصين النفطية، وهو ما دفع الرئيس شي جين بينغ لإعلان طموحه في جعل الصين “دولة بحرية عظيمة” قادرة على تأمين إمداداتها بعيداً عن السطوة الغربية.

أمن هش

هذا التنافس، وفق محمود الحنفي، الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية، أدى إلى “تسييس القانون الدولي” وتحويل الأزمات إلى ساحات اختبار، مؤكداً أن “التنافس الدولي لم يعد مجرد صراع على النفوذ أو الموارد”، بل أصبح “عاملًا بنيويًا يعيد تشكيل مفهوم الأمن والاستقرار الدوليين”. وأضاف أن هذا التنافس “يتجلى أحيانًا بصورة دموية، وأحيانًا أخرى في صراعات غير مباشرة”، مؤثراً على “الأمن والسلم الدوليين”، ويفرض “منطق الإكراه والضغط بدل الحوار والتفاهم”.

واستشهد الحنفي بالحالة الفنزويلية كمثال على تحويل الموارد إلى “أداة مركزية في التنافس بين القوى الكبرى” ضمن مبدأ مونرو، ووقف عند الحالة الفلسطينية، منتقداً “الاختلال الواضح في تطبيق القانون الدولي” واستهداف المؤسسات الأممية، معتبراً أن المنطقة تُركت لإعادة تشكيلها وفق رؤية “شرق أوسط جديد” تخدم الأجندة الأمريكية، مما يؤدي إلى نظام دولي “هش وقابل للانهيار في أي لحظة”.

وبيّن الحنفي، وهو مدير المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان أن “التدخل الدولي جعلها ساحة مفتوحة للقوى الكبرى”، مما سمح للاحتلال الإسرائيلي بـ”ممارسة سياسات توسعية وقمعية بحق الفلسطينيين”. وأضاف أن “القانون الدولي تحول إلى أداة انتقائية”، في حين “الاستقرار هش، وخطر الانفجار قائم”.

ويرى الحنفي أن “العالم وإن بدا متعدد الأقطاب، ما يزال محكومًا بآليات هيمنة أقرب إلى الأحادية”، مما يؤدي إلى “نظام دولي هش، لا يقوم على تسويات عادلة ولا احترام سيادة الدول”.

تحديات الطاقية

من جانبه، حذر الخبير الاقتصادي الإسباني ميغيل أنخيل فيرنانديث تابوادا من أن النظام العالمي المعاصر يواجه حدودًا فيزيائية مزدوجة: التدهور البيئي المتمثل في فقدان التنوع البيولوجي والتغير المناخي، ونضوب مصادر الطاقة الأحفورية التي قامت عليها الحضارة الحديثة.

وأوضح أن معالجة هذه التحديات تتطلب “العلوم الطبيعية لفهم كوكب الأرض كنظام حي”، و”الاقتصاد والسياسة لتنظيم استخدام الطاقة بشكل مستدام”، محذراً من أن البشرية ستواجه “انخفاض المردودية الطاقية” و”ارتفاع تكاليف الاستخراج”، مما يضع النمو الرأسمالي في صدام مباشر مع قوانين الطبيعة.

وأشار تابوادا إلى أن التحول الطاقي الحالي لا يزال “إضافة للاستهلاك الأحفوري وليس بديلاً له”، وأن “600 مليون شخص لا يحصلون على الكهرباء، و1.8 مليار يطهون باستخدام الحطب أو الفحم أو مواد ضارة”، داعياً إلى الاحتكام للسياسة لإعادة صياغة الأطر القانونية التي تمنح الامتيازات للشركات الكبرى، مع وضع “كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية فوق منطق الربح الأعمى”.

وأكد على أن أي تغيير حقيقي يجب أن يضع “المليارات الذين يعيشون تحت خط الفقر الطاقي في صلب الاهتمام”، مع تبني منطق الكفاية والعدالة في التوزيع بعيدًا عن وهم النمو اللامحدود.

لأجل استقرار دولي وإقليمي

في ختام مداخلتها خلال الندوة، طرحت الباحثة صباح العمراني خلال الندوة أسئلة حاسمة حول مستقبل النظام الدولي: “هل ستتمكن القوى الكبرى من إدارة التنافس ضمن أطر مؤسسية وسلمية؟ أم أن الصراعات ستتصاعد لتصبح أكثر شمولية؟ وما مصير النظام الدولي إذا استمرت هشاشة المؤسسات الأممية أمام التحديات المعقدة؟”.

من جانبه، شدد الحقوقي الفلسطيني محمود الحنفي على مجموعة من المبادئ العملية لضمان الاستقرار، قائلاً: “يجب الاحتكام إلى لغة المصالح المتبادلة والحوار بدل الإكراه، والحفاظ على المؤسسات الدولية وتطويرها، لأن البديل عنها هو الفوضى، ورفض منطق الحروب والحصار وتغذية الصراعات، لأنها لا تحقق أمنًا مستداماً ولا مصالح حقيقية”.

وأضاف الحنفي أن دول المنطقة مطالبة بـ”عدم الانخراط في محاور أو تكتلات تجعلها أدوات في صراعات الآخرين”، و”تبني مقاربة براغماتية قائمة على المصالح المتبادلة”، مع التأكيد على “عدم ترك فلسطين فريسة للاحتلال تحت أي مبرر”. وأوضح أن “تطبيق هذه المبادئ هو السبيل الوحيد لضمان استقرار إقليمي ودولي حقيقي”، محذراً من أن “استمرار التنافس الدولي وفق منطق الإكراه والهيمنة سيؤدي حتماً إلى أزمات جديدة وغير متوقعة”.