التفكير بـ’الترند’!
في عالم بات- وأؤكد على ‘بات’ بدل ‘أصبح’- يقدس ‘الترند’ ويهوى اللايكات وخزعبلات المؤثرين وينفر من الفكر العقلاني والنقدي والتحليلي، من الطبيعي أن تصير اللغة الأمازيغية أجنبية عند مؤسسة رسمية، بل وافتراضية عند ‘عالم’ لساني’ من أبناء جلدتنا، وأن يتحول محمد شكري إلى كاتب أو كائن ‘لاأخلاقي’.
في عالم مثل هذا، ستتحول ثقافة المغاربة وهويتهم وكينونتهم، عما قريب، إلى مجرد افتراضات أو تمثلات، أو ربما أوهام موغلة في غموضها وغرابتها.
من يقرأ هذه الترهات سيظن أن الأمازيغية لغة ابتكرتها مجموعة صبية صدفة، قبيل خطاب أجدير، بفضل لعبهم بأحرف عشوائية، وسرعان ما انطلقوا ينقشونها على الصخور وجدران الكهوف والبيوت القديمة، ثم ألفت بعض المخطوطات وغيرت مظهرها حتى توهم بأنها تاريخية.
كما سيعتقد أن شكري كان شاعرا فاحشا ورديئا وسفيها يسير على خطى أبي نواس في خمرياته، أو أبي حكيمة في أيرياته، أو ابن الحجاج في برازياته، لا روائيا متمردا سعى إلى فضح واقع مجتمعه وحقيقة السياسة في بلده.
في الحقيقة، عندما اطلعت على بلاغ مدرسة الملك فهد- وأنا واحد من خريجيها-، اعتبرته منسجما مع نظرتنا العامة إلى واقعنا اللغوي، بل ساخرا بطريقة ما من موقف معظم المغاربة، وحتى الحكومة، من اللغتين الرسميتين العربية والأمازيغية.
لا أحد اليوم يستطيع أن ينكر تفضيل أهل هذا البلد الفرنسية في التمدرس والعمل والحديث اليومي والصحافة والمراسلة وكتابة الأدب والفكر، الخ. ما من شعب في العالم اختار هذا الاختيار بما يشبه الإجماع إلا شعبنا.
وما من طبقة سياسة أو نخبة ثقافية في العالم تقبل به إلا طبقتنا ونخبتنا. بل من الوزراء من يفضل أن يتواصل مع باقي أبناء وطنه بلغة ‘ماكرون’، بدل العربية أو الأمازيغية أو الدارجة. في ظل هذا الواقع، أليست هاتان اللغتان أجنبيتين؟
غير أن تداول قولة ‘عالم’ لساني تفيد أن الأمازيغية افتراضية ينبه المرء إلى أن الأمر ليس مجرد خطأ، كما قالت إدارة مدرسة الملك فهد في اعتذارها اللاحق، أو سخرية صرفا، كما يمكن أن يفهمها المتفكهون وأهل الطُّرف والمزح، بل حدث في غاية الخطورة. ما من شيء يدل على أن البلاغ والقولة مجرد حدثين متزامنين حصلا عرَضا.
لقد اعتدنا في السنوات القليلة الماضية أن تنطلق سجالات فكرية وإعلامية قوية نتيجة حوادث أو أقوال بسيطة ومتزامنة أحيانا، كما حصل عندما دعا المستشهر نور الدين عيوش إلى تبني الدارجة لغة في التعليم، أو قبل ذلك عندما ‘استنكر’ المخرج محمد العسلي مضمون فيلم زميلته ليلى المراكشي.
بخلاف المرات السابقة، يبدو لي أن دعوة السجال موجهة، هذه المرة، إلى أصحاب ‘الترند’ ومؤثري ‘فايسبوك’ و’تيك توك’ و’إكس’، وحتى بعض الشعراء الذين لا يجدون غضاضة في التبرك بأهداب الأضرحة، لإنتاج أفكار تمهيدية من أجل مستقبل ثقافتنا وهويتنا.
لكن ما هو الهدف، يا ترى؟ ربما يكون منظرو اللغة الأجنبية والافتراضيون واللاأخلاقيون على علم بالغاية، بما أن الثقافة الكلاسيكية- أو الصلبة، بتعبير ‘زيغمونت باومان’- لم تعد تلبي الرغبات والأهواء السياسية الراهنة. إلا أن المتشبثين بهذه الثقافة يدركون جيدا هذا الغاية، وهي النزول بنا وبثقافتنا درجات أخرى إلى الحضيض.
في سنة 1938، كتب الصحافي سعيد حجي مقالة بعنوان ‘شباب غفل’، جلد من خلالها أبناء جيله جلدا، بسبب خمولهم ورفضهم قراءة الأدب وتعلم اللغات الحية والمساهمة في بناء الوطن.
ترى ما الذي كان سيقوله حجي، لو كان يعيش بيننا اليوم عن ‘شباب الترند’؟ لقد أجاب وقتئذ قائلا: “فهو إذاً شباب غفل لا يرجى خيره و لا يخشى شره.” لا شك أن جوابه اليوم سيكون مختلفا، بتغيير خشيته من شرّ ‘شباب الترند’. أملي أن يبقى ما أوردته من مواقف في مستهل هذه المقالة مجرد زلات، لا خطوات تؤسس لأمر خبيث.