story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

التغيرات المناخية والتوترات الإقليمية تغذي زحف أسراب الجراد بالجنوب الشرقي للمملكة

ص ص

اجتاحت أسراب الجراد مناطق واسعة من الجنوب الشرقي للمغرب مثل الرشيدية، وأرفود، وتنغير، فضلا عن انتقالها إلى مدينة طانطان ونواحيها جنوب المملكة، مهددةً الأمن الغذائي، والمحاصيل الزراعية بهذه المناطق، وسط تحذيرات من كارثة بيئية واقتصادية، ومن موجة نزوح جماعي وهجرة فلاحية قسرية للمتضررين.

وحسب المتتبعين، فإن التغيرات المناخية الحادة والتوترات السياسية التي تعرفها منطقة الساحل والصحراء تشكل بيئة مثالية لانتشار أسراب الجراد بكثافة غير مسبوقة، إلى جانب الأمطار الشتوية الرطبة التي ساهمت في تسريع تكاثر الجراد من جهة،وتداعيات الجفاف الذي أدى إلى اختفاء الضايات والمناطق الرطبة من جهة أخرى، مما تسبب في غياب المفترسات الطبيعية (كالطيور والضفادع) وحدوث خلل بيئي كبير في جنوب الشرقي من المملكة.

وفي هذا الإطار، يرى الخبير في المجال البيئي والتنمية المستدامة والمناخ، مصطفى العيسات، أن الظروف المناخية التي شهدها الموسم الحالي ساهمت بشكل مباشر في الانتشار الكثيف لأسراب الجراد، موضحا أن توالي الأمطار وارتفاع نسبة رطوبة الأرض خلال فصل الشتاء وفرا بيئة مثالية ساعدت على تكاثر وفقس بيض الجراد بكثافة عالية.

وأشار العيسات، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، إلى أن هذا الوضع برز بوضوح في مناطق جنوب الساحل وشرق الجزائر، والتي تأثرت بالتغيرات المناخية المتسارعة التي تشهدها المنطقة ككل، لافتا في ذات السياق إلى أن التغيرات المناخية تسببت في فقدان مجموعة من الضايات والمناطق الرطبة التي كانت تشكل صمام أمان للتوازن الإيكولوجي الطبيعي.

وأضاف أن هذه الضايات كانت تحضن كائنات حية كالضفادع ومجموعة من الطيور، والتي تعد من المفترسات الطبيعية التي تتغذى على صغار الجراد وتكبح تكاثرها، مشددا على أن غياب هذه المكونات الحية بسبب الجفاف أحدث خللا بيئيا كبيرا بالمنطقة، مما أدى في نهاية المطاف إلى استفحال تواجد الجراد وتعاظم أسرابه.

وإلى جانب العوامل الطبيعية، عزا العيسات الأزمة كذلك، إلى غياب التنسيق الإقليمي في مناطق الساحل، مبرزا أن النزاعات المستمرة في مالي والصحراء الكبرى شلت التدخلات الاستباقية، “هذه التوترات السياسية والأمنية حالت دون رش المناطق الموبوءة بالمبيدات اللازمة في الوقت المناسب، مما منع الحد من تشكّل الأسراب في مهدها”.

وفيما يخص المسارات المتوقعة لأسراب الجراد، أبرز الخبير البيئي أن التكاثر الذي بدأ في جنوب الصحراء انتقل نحو الجنوب الشرقي للمملكة، مستهدفا مناطق الرشيدية وأرفود وتنغير، منتقلا إلى مناطق أخرى مثل طانطان، وهو ما ينذر بزحف أسراب الجراد نحو مناطق أخرى خلال الفترة المقبلة.

واستدل المتحدث في هذا الصدد، بالتقرير الأخير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي دق ناقوس الخطر بشأن تدهور التوازن الإيكولوجي في المغرب خلال العشر سنوات الأخيرة، بسبب “اختفاء العديد من المناطق الرطبة والواحات، فضلا عن اختفاء أنواع من الطيور والزواحف بفعل الجفاف، وسط غياب لسياسات تدخّل استباقية ناجعة”.

وحول التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لهذه الظاهرة، أكد العيسات أن المناطق الزراعية والفلاحة المحلية مستهدفة بالدرجة الأولى، مما يضع الأمن الغذائي للمنطقة في خطر حقيقي، موضحا أن “الجراد الذي يملك القدرة على قطع 150 كيلومتراً في اليوم، يستطيع إتلاف محاصيل تعادل قوت 15 ألف نسمة يوميا”.

واختتم الخبير البيئي تصريحه بالتحذير من تعميق الهشاشة الاجتماعية بهذه المناطق، من خلال اختفاء الكلأ الطبيعي وتضرر الماشية، مما قد يدفع الرحل نحو نزوح جماعي وهجرة فلاحية قسرية إلى مناطق أخرى، ناهيك عن التأثيرات متعددة الأبعاد على التربة والبيئة والفرشة المائية.

مطالب بتدخل عاجل

ومن جانبه، أكد الفاعل الجمعوي بمدينة الرشيدية ورئيس تعاونية “مروتشة بيو”، يحيى بولمان، أن هذا الوضع يشكل خطرا حقيقيا على مصدر عيش عدد كبير من الأسر الواحية، التي ترتبط حياتها اليومية وقوتها الأساسي بالإنتاج الفلاحي المحلي، مما يهدد استقرارها الاجتماعي.

وأضاف بولمان في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن انتشار الجراد بمدينة الرشيدية ونواحيها، ينذر بخطورة مضاعفة كونه يأتي في مرحلة حساسة جدا من الموسم الفلاحي، خصوصاً بالنسبة لأشجار النخيل التي بدأت عناقيد تمورها في التشكل، وهو ما يجعل أي تأخر في التعامل مع هذه الآفة تهديداً مباشراً للمحصول السنوي.

ومن جهة أخرى يرى المتحدث أن اقتحام الجراد لهذه المناطق لا يهدد فقط الزراعات الموسمية الحالية، بل يمس عمق المنظومة الفلاحية والواحية الهشة، التي تعاني أساسا منذ سنوات طويلة من آثار الجفاف المتعاقب وتراجع الموارد المائية الجوفية.

وأمام هذا الوضع المقلق، وجه رئيس تعاونية “مروتشة بيو” نداء عاجلا يطالب فيه بتعبئة فورية من طرف مختلف السلطات المختصة، وعلى رأسها المصالح الفلاحية والسلطات المحلية والجهات المعنية بمكافحة الجراد، للتدخل الميداني السريع ومحاصرة الآفة قبل اتساع رقعتها.

كما طالب أيضا بإيفاد لجان تقنية مختصة بشكل مستعجل لإحصاء الخسائر المسجلة لدى الفلاحين، وتقييم حجم الأضرار التي لحقت بالمزروعات والمغروسات، والعمل على إيجاد صيغ مناسبة وصارمة للتعويض أو الدعم حماية للفلاحين الصغار.

وأوضح بولمان أن هذا الغزو يهدد بتحويل هذا العام —الذي عرف تحسنا نوعيا في المحاصيل بعد سنوات عجاف— إلى أزمة جديدة قد تعصف بآمال الفلاحين، وتهدد استقرار السكان في هذه المناطق التي تعد الفلاحة رافعتها الاقتصادية الوحيدة.

ومن هذا المنطلق، ناشد الفاعل الجمعوي جميع المسؤولين الحكوميين، وبالخصوص وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، للتحرك الفوري وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جحافل الجراد، مشددا على أن الوضع الراهن لا يحتمل الانتظار أو التراخي.

وخلص إلى التأكيد على أن كل تأخر في التدخل سيعمق الخسائر ويقضي على المجهودات الكبيرة التي بذلها الفلاحون في ظروف مناخية صعبة، صوناً للأمن الفلاحي والاستقرار الاجتماعي للمنطقة.