الإدمان في رمضان.. مختص نفسي يحذر من مضاعفات “الانسحاب المفاجئ” -حوار
مع حلول شهر رمضان، لا يعيش جميع الصائمين نفس التجربة، ففي الوقت الذي يُنظر فيه إلى الصيام باعتباره فرصة للانضباط الروحي وتعزيز الإرادة، يجد الأشخاص المدمنون أنفسهم أمام اختبار نفسي وبيولوجي معقّد، يجمع بين الامتناع عن الطعام والشراب لساعات طويلة، والتوقف القسري أو الجزئي عن المادة التي اعتاد عليها الدماغ والجسد.
على المستوى البيولوجي-النفسي، يعتمد دماغ الشخص المدمن على مادة كيميائية خارجية لتحفيز إفراز “الدوبامين”، الناقل العصبي المرتبط بالمتعة والمكافأة، وحين يُحرم الجسم من هذه المادة خلال ساعات الصيام، يدخل في حالة اضطراب تعرف بأعراض الانسحاب، والتي تختلف حدتها بحسب نوع الإدمان ودرجته، وقد تتراوح بين القلق والتوتر إلى مضاعفات جسدية ونفسية خطيرة.
في هذا السياق، أجرت صحيفة “صوت المغرب” حوارا مع المختص النفساني ورئيس رابطة متخصصي الصحة النفسية والعقلية بالمغرب، هشام العفو، للوقوف على تأثير الصيام على الحالة النفسية للمدمنين، والفروق المرتبطة بأنواع الإدمان، وأهم النصائح لضمان صيام آمن.
وفي ما يلي نص الحوار :
- كيف يؤثر الصيام على الحالة النفسية للأشخاص المدمنين؟
يجد المدمن نفسه أمام تحد مزدوج: الامتناع عن الطعام والشراب من جهة، والتوقف القسري أو الجزئي عن المادة المُدمن عليها من جهة أخرى، و على المستوى النفسي، نلاحظ لدى كثير من المدمنين الصائمين ارتفاعا ملحوظا في مستويات القلق والتوتر، خاصة في الساعات الأولى من النهار والأيام الأولى من الصيام.
كما قد تظهر حالات من الاكتئاب الظرفي أو اللحظي، والتهيج العصبي، وصعوبة التركيز، وفي غياب المشتتات اليومية، قد تصبح الرغبة الشديدة في تناول المادة المُدمَن عليها أكثر حدة.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن للصيام إيجابيات أيضا، إذ تشير دراسات إلى أنه يعزز الانضباط الذاتي ويقوي الإرادة، وهما عنصران أساسيان في مسار التعافي، كما أن البعد الروحي للصيام في المجتمع المغربي، المرتبط برمضان، يمنح المدمن دافعا معنويا قويا، ويخفف من إحساسه بالعزلة من خلال الاندماج في أجواء جماعية كالإفطار وصلاة التراويح.
لكن ينبغي التأكيد على أن الصيام لا يُعد علاجا للإدمان، وقد يكون خطيرا في حالات الإدمان الشديد، خصوصا الكحول والمواد الأفيونية، حيث قد تؤدي أعراض الانسحاب المفاجئة إلى مضاعفات حادة تستوجب تدخلا طبيا نفسيا.
- ما أبرز العلامات النفسية التي قد تظهر على المدمن الصائم؟
من المهم التعرف على هذه العلامات مبكرا ، أولها القلق والتوتر المتصاعد، إذ يشعر المدمن بضيق داخلي متزايد مع مرور ساعات النهار، وقد يظهر ذلك في الأرق وكثرة الحركة وصعوبة الجلوس بهدوء.
ثانيا، التهيج وسرعة الغضب، نتيجة انخفاض مستويات بعض النواقل العصبية كالدوبامين والسيروتونين،كما نلاحظ ما يسمى “الرغبة القهرية”، وهي أفكار ملحة تطارد الشخص وتعيق تركيزه في الصلاة أو القراءة أو العمل.
و قد يظهر أيضا اكتئاب ظرفي، يتمثل في حزن غير مبرر وفقدان الدافعية، إضافة إلى اضطرابات النوم، والتذبذب الوجداني بين الأمل واليأس.
ومن العلامات الخطيرة ما يعرف بـ”الأفكار الانتكاسية”، حين يبدأ المدمن في تبرير العودة للمادة بعد الإفطار، وهو مؤشر يستوجب تدخلا نفسيا سريعا.
- هل تختلف التأثيرات حسب نوع الإدمان؟
نعم، تختلف بشكل واضح فإدمان التدخين، رغم صعوبته، يُعد الأقل خطورة جسديا خلال الصيام، إذ تظهر أعراض انسحاب النيكوتين بسرعة مثل الصداع والتوتر وصعوبة التركيز، غير أن كثيرا من المدخنين يستغلون رمضان للإقلاع بنجاح.
أما إدمان الكحول، فيُعد من أخطر الحالات، لأن الانسحاب المفاجئ قد يؤدي إلى ما يُعرف طبيا بـ”الهذيان الارتعاشي”، وهو وضع طارئ قد يتضمن ارتعاشات شديدة وهلوسات ونوبات تشنجية، ما يستدعي تقييما طبيا قبل الصيام حتى لا تتضاعف الأمور.
وبخصوص المخدرات، فالأمر يختلف بحسب النوع: فالقنب الهندي غالبا ما تكون أعراض انسحابه نفسية أكثر منها جسدية، بينما المواد الأفيونية تتسبب في أعراض جسدية ونفسية شديدة تستلزم إشرافا طبيا صارما،كما أن المنشطات قد تُفضي إلى إرهاق حاد واكتئاب شديد.
أما إدمان الأدوية المهدئة والمنومة الذي انتشر بشكل صامت في المجتمع المغربي، خاصة بين النساء، فقد يؤدي الانسحاب المفاجئ منها إلى نوبات قلق حادة أو تشنجات، ما يجعل المتابعة الطبية ضرورة ملحة.
- ما النصائح العملية للمدمنين الراغبين في الصيام بأمان؟
بالنسبة لأهم النصائح التي يمكن توجيهها،أولا ضرورة التحضير المسبق قبل رمضان حيث يعد الرجوع الى الطبيب النفسي المتخصص في الادمان مسألة أساسية والزامية إضافة الى زيارة مختص نفساني، على الأقل قبل أسبوعين من بداية الصيام، لتقييم الوضع الصحي وتحديد ما إذا كان الصيام آمنا في بعض الحالات، أو وضع خطة استباقية وقائية لحماية المدمن طيلة شهر رمضان الكريم.
أما خلال الصيام فيجب إيجاد أشغال مهمة وممتعة للقيام بها،إذ يعد الفراغ أكبر عدو للمدمن الصائم حيث يكون الانخراط في أنشطة مختلفة سواء اجتماعية أو خيرية أو غيرها ممتعا ومفيدا، ثم تقنية “تأجيل الرغبة”: حين تكون الرغبة شديدة، يجب التعامل معها بتقنية التأجيل سواء بساعات أو دقائق دون مواجهتها،كما يساعد التنفس العميق والاسترخاء على تخفيف القلق والتوتر اللحظي.
من جهة أخرى عامل التغذية حيث يُعدّ الإفطار المتوازن أساسيا، إذ يجب تجنب الإفراط في السكريات والمقليات التي تسبب تقلبات في مستوى السكر وتفاقم التوتر، مع ضرورة إعطاء الأولوية للبروتينات والخضروات، كما يعد شرب كميات كافية من الماء بين الإفطار والسحور أمرا ضروريا لتجنب الجفاف الذي يُفاقم الأعراض النفسية.
أما تنظيم النوم، فمن الضروري جدا النوم بشكل منتظم رغم الإيقاع الرمضاني، فقلة النوم تُضعف الإرادة وتزيد من خطر الانتكاسة.
- متى ينبغي طلب المساعدة الطارئة
إذا ظهرت أي من هذه الأعراض، توجه فورا إلى أقرب مستشفى أو مركز صحي أو الرجوع الى الطبيب النفسي، ومن بين هذه الأعراض نجد: ارتعاشات شديدة أو نوبات تشنجية، أو هلاوس (من قبيل رؤية أو سماع أشياء غير موجودة، بالإضافة إلى ألم في الصدر أو صعوبة في التنفس، وكذا أفكار تتعلق بإيذاء النفس.