الأخ الأكبر في المساجد
بينما يُقال لنا كل صباح إن الدولة تفعل كلّ “ما تستطيع”، وإنها تُدبّر الممكن داخل عالم يضيق ويغلي ويتحوّل إلى قدر ضغط، يبدو أن “ما تستطيعه” الدولة جملةٌ مطّاطة، تتمدّد أو تنكمش بحسب موضوع المراقبة.
فإذا كان الحديث عن الغلاء مثلا، فسنسمع أن الشبكات معقّدة، والوسطاء كُثر، وأن “الشناقة” يتناسلون في العتمة، وأن السوق واسع مثل البحر، وأن ضبطه يحتاج وقتا ووسائل وخرائط ومختبرات…
وإذا كان الحديث عن المال العام، فسنسمع أن الاختلاس يلبس بدلة أنيقة، وأن التبذير يختبئ في الفواتير، وأن الغش في الصفقات العمومية لا يُرى بالعين المجرّدة، وأن البنيات التي تجرفها أولى قطرات المطر هي أخطاء تقنية لا تُقرأ إلا بخبرة نادرة.
ثم فجأة، وبلا مقدّمات، يخرج لنا جهاز صغير من أجهزة الدولة ليقول: لا تقلقوا.. نحن نرى كل شيء. ليس في الأسواق ولا في الأوراش، بل في مكان أكثر هدوءا وأقل ضجيجا: المسجد.
وثيقة المجلس العلمي الجهوي لجهة الدار البيضاء–سطات، المؤرخة في العشرين من فبراير (مصادفة تاريخية عجيبة)، تبدو كأنها تقريرٌ أمنيّ خرج من رواية ديستوبية، كمثل “1984” لطيّب الذكر جورج أورويل، ثم ضلّ طريقه نحو المنابر.
لا يتعلّق الأمر بنقاش فقهي ولا معرفي ولا مساءلة هادئة، بل إحصاء بالمعنى الحرفي للكلمة: عدٌّ، وترتيبٌ، وتسجيلٌ، وتوزيعٌ للمخالفات كما تُوزّع مخالفات السير. مع فارق بسيط، حيث يمكن أن تُخطئ الرادارات في رصد مخالفات السير، أما هنا فالرادار يلتقط حتى ما لا يخطر ببال جورج أورويل، ويترك “الأخ الأكبر” يغار في قبره، لأنه لم يفكر يوما أن الدولة تستطيع أن تعرف عدد المرّات التي وُضعت فيها اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة، ثم تكتب ذلك في لائحة رسمية وتضعه في خانة “مخالفة”.
تخيّلوا معي مدينة تسير فيها المصالح أحيانا بلا مخططات، وتُنجَز فيها المشاريع أحيانا بلا محاسبة، وكثيرا ما تختنق فيها القنوات بالأزبال، نجح المجلس العلمي الجهوي في أن يعثر على ألف وثلاثمائة وثلاث عشرة صلاة ب”القبض”، كما لو أنه شحنةٌ مهرّبة عُثر عليها في معبر حدودي.
تصوّروا أن عين المجلس رصدت 28 مسجدا في مدينة الدار البيضاء وحدها لم يُقرأ فيها الحزب الراتب، وكأننا أمام كاميرات حرارية تلتقط الحروف وهي تتبخر في الهواء. وهناك أيضا 27 أذانا وُصف بأنه “ملحّن مطرب” (الله على حسّك الفني يا مُخبر المساجد).
الدولة التي تتعب وهي تقنعنا أنها لا تستطيع ضبط أسعار البيض، باتت قادرة على ضبط نسبة “الطرب” وهو يتسرّب إلى مقام الأذان، وعلى قياس درجة الميلان الموسيقي في الصوت، وتحديد اللحظة التي خرج فيها المؤذن من الاستقامة إلى “النغمة”.
تصوّروا كيف أن هذا الجهاز اللاقط رصد 27 حالة “هندام غير لائق”، كأننا أمام شرطة للأقمشة، تقف على باب المسجد، لا لتمنع الغش من دخول الصفقات العمومية، بل لتمنع لونا أو قَصّة أو اتساعا غير مباح من المرور إلى الصف الأول.
لكم أن تتصوّروا كم أتعب صاحب التقرير نفسه من أجل أن يخبرنا أن 22 حالة لم يُرفع فيها الدعاء عقب الصلاة المفروضة. و18 مرة لم تُحترم فيها المدة الفاصلة بين الأذان والإقامة (تحيّة لحكّام الفار)، و16 حالة لعدم ارتداء الجلباب، ومثلها لعدم ارتداء السلهام، وتسع حالات لغياب غطاء الرأس. حتى الغطاء، يا سادة، صار له دفتر حضور وغياب. وحتى الرأس صار له سجلّ.
لكن لحسن الحظ لم تكن هناك سوى حالة واحدة لإمام لم يستعمل العصا. هذه الأداة المهمة والحيوية والعزيزة على قلب الدولة ضرورية، ولا يمكن أن يتقدّمنا من لا يحمل العصا… (قالت الأم للنار: احرقي العصا!).
إذا كانت الدولة تستطيع أن تُخرج لنا جردا بهذا التفصيل، فكيف لا تستطيع أن تُخرج لنا جردا مماثلا لغيابات الموظفين غير المبررة في الإدارات؟ ولماذا لا نعرف بدقة عدد السيارات العمومية التي تتجوّل مساء في مهمات “عائلية”؟ ولماذا لا تُحصى لنا بالمعنى الحرفي والمباشر الأيدي التي تمتد إلى المال العام؟ ولماذا لا نملك قائمة بعدد “الطرب” الذي يحدث في الصفقات العمومية حين تتحول الأرقام إلى ألحان، وتتحول جودة الإسمنت إلى مقام حزين، ودفاتر التحملات إلى قصيدة قابلة للتأويل؟ ولماذا لا تملك الدولة رادارا يلتقط حركات وسكنات “الشناقة” كما يلتقط اليدين في الصلاة؟
ما حاجتنا بعد اليوم إلى كل هذه الترسانة المكوّنة من مجلس أعلى للحسابات، ومفتشيات عامة في الوزارات، ونيابات عامة، وهيئات لمحاربة الرشوة، ومجالس للمنافسة، وأجهزة للتقنين، ولجان برلمانية، وتقارير، وبلاغات…؟
كل هذا الضجيج المؤسسي، ثم نكتشف أن الرصد الحقيقي يحدث في مكان آخر، وبأداة أخرى، وبشهيّة لا نراها حين يتعلق الأمر بحقوق الناس.
لذلك لا بأس، ومن باب ترشيد النفقات، أن نفكر في حل عملي. لنُعفِ هذه الأجهزة كلها من العناء، ولنُحِل محلّها المجلس العلمي الجهوي للدار البيضاء.
هذه المؤسسة تستطيع خلال أيام و”بدون معلّم” أن تحصي لنا عدد الغيابات غير المبررة، وحالات الاستعمال غير المشروع لوسائل الدولة، وأن تُحصي تواطؤات تمرير الصفقات، وعدد التوظيفات بالمحسوبية والزبونية، وتستطيع أن ترصد خطوات “الكولسة” وهي تمشي على أطراف أصابعها في الانتخابات، وأن تكتب لنا تقريرا عن التلاعب بالأصوات كما كتبت تقريرا عن التسليمتين اللتين تؤديان إلى الخروج من الصلاة…
لقد اكتشفنا أن الدولة لا تعجز حين لا تستطيع، بل تعجز حين لا تريد أن ترى. وحين تريد، لا تحتاج إلى ميزانيات ضخمة ولا إلى لجان ولا إلى خرائط ولا إلى خطابات؛ يكفيها أن تُرسل عينا واحدة كي تلتقط ارتجافة صوت في الأذان، أو غياب غطاء فوق رأس، أو تأخرا بدقائق بين الأذان والإقامة.
حين نُدقّق في الصورة أكثر، سنكتشف أن كل ما ينقصنا هو أن يُنقَل هذا الشغف المذهل بالتفاصيل من هامش الحياة العامة إلى قلبها. يومها سنعرف، لا عدد الأيدي فوق الأيدي في الصلاة، بل حجم غياب الضمير حيث ينبغي أن يكون حاضرا.