story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
تكنولوجيا |

ارتفاع شكايات التحرش الإلكتروني بـ42% يعيد توصية إدماج العنف الرقمي إلى الواجهة

ص ص

كشف التقرير الأحدث لرئاسة النيابة العامة حول “سير النيابة العامة وتنفيذ السياسة الجنائية برسم سنة 2024″، عن “ارتفاع مقلق” لظاهرة التحرش عبر الرسائل الإلكترونية والمكتوبة، مسجلا قفزة مقلقة فاقت نسبتها 42 في المائة مقارنة بسنة 2023.

هذا التصاعد المخيف في الفضاء الافتراضي يتزامن مع تراجع لافت للسنة الثالثة تواليا في شكايات العنف التقليدي ضد النساء؛ إذ انخفضت الأرقام من 96 ألفا و276 شكاية في سنة 2021، إلى 73 ألفا و645 شكاية في سنة 2024، وهو ما يمثل تراجعا يناهز 23 في المائة بين السنتين، وبنسبة 14 في المائة مقارنة بسنة 2023.

أرقام صادمة

هذا “الانزياح” في “جغرافيا العنف”، يعيد إلى واجهة النقاش العام التوصية الجوهرية التي أطلقتها مجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بتقييم شروط وظروف تطبيق القانون رقم 13-103، والتي طالبت بتوسيع مظلة القانون لتشمل الأنماط المستحدثة من العنف، وتحديدا العنف الرقمي، والسياسي، والقانوني، وهنا يبرز السؤال “الحارق”: إلى أي حد استجابت المؤسسات لهذا النداء؟ وهل تمتلك الترسانة القانونية الحالية المرونة الكافية لمواجهة جرائم تتطور بسرعة تفوق سرعة تشريع النصوص؟

وفي قراءة تشريحية للواقع التشريعي، سجل تقرير مجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بتقييم شروط وظروف تطبيق القانون رقم 13-103، “قصورا واضحا”، مبرزا أن القانون السالف الذكر، ورغم “رمزيته وأهميته”، يعاني من “عمى تشريعي” تجاه العنف الرقمي، من خلال إغفاله التنصيص الصريح على هذا النوع الذي بات الأكثر تفشيا، واكتفى “بالاختباء” خلف نصوص عامة عبر الفصلين 447-1 و447-2 المتعلقين بالمس بالحياة الخاصة والتشهير.

وحسب المصدر ذاته فإن المندوبية السامية للتخطيط كشفت في بياناتها عن اتساع رقعة الظاهرة، حيث وجدت نحو مليون ونصف المليون امرأة مغربية أنفسهن ضحايا للعنف الإلكتروني، وهو ما يمثل حوالي 19 في المائة من إجمالي أشكال العنف الممارس ضد النساء، كما أن 73 في المائة من هذه الجرائم ترتكب من طرف “أغيار” يختبئون خلف شاشاتهم.

توصيات بلا تفعيل

تفاعلا مع هذه المؤشرات “المقلقة”، كشفت المقررة بمجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بتقييم شروط وظروف تطبيق القانون رقم 13-103، لبنى صغيري، أن هذا النص القانوني، رغم الطفرة التي شكلها عند اعتماده سنة 2018، أبان بعد ست سنوات من التطبيق عن محدوديته، خاصة في ما يتعلق بعدم إدراج أشكال جديدة من العنف، على غرار العنف الرقمي والسياسي.

وأوضحت المتحدثة في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن الممارسة العملية، من خلال المتابعات المنجزة، أظهرت وجود “فراغ تشريعي” في التعاطي مع هذه الأنماط المستجدة، مشيرة إلى أن العنف الرقمي، رغم خطورته وتزايد حدته، “لم يتم التنصيص عليه أو تعريفه ضمن مقتضيات القانون، في وقت أصبحت فيه النساء أكثر عرضة له، مع ما يترتب عنه من آثار نفسية واجتماعية جسيمة”.

الحقوقية أشارت إلى أن الأمر ذاته ينطبق على العنف السياسي، حيث تتعرض النساء الناشطات في المجال السياسي لممارسات إقصائية وضغوط متعددة، دون أن يوفر لهن الإطار القانوني الحالي آليات واضحة للانتصاف أو التظلم، مبرزة أن غياب تعريف دقيق لهذه الأشكال من العنف يحول دون ترتيب آثاره القانونية، سواء على مستوى المتابعات أو التعويضات.

التوصيات الصادرة عن اللجنة الموضوعاتية، حسب المصدر ذاته، والتي دعت إلى إدماج هذه الأنواع من العنف ضمن المنظومة القانونية، “لم تجد طريقها إلى التنفيذ”، مبرزة أنه، إلى حدود الساعة، “لا يوجد أي مشروع قانون يروم تعديل النص الحالي، كما لم يتم التفاعل مع مقترحات القوانين المقدمة في هذا الصدد”.

وأوردت صغيري في تصريحها أن اللجنة قامت بعمل ميداني ومؤسساتي مهم، شمل مشاورات مع مختلف الفاعلين وزيارات مقارنة لعدد من الدول الأوروبية، قصد الاستئناس بالتجارب المتقدمة في هذا المجال، قبل أن ترفع تقريرها المتضمن لجملة من التوصيات، التي ظلت، بحسب تعبيرها، دون تفعيل.

تعثر الإصلاح الجنائي

وفي السياق ذاته، لفتت إلى أن ورش مراجعة القانون الجنائي، الذي كان من شأنه أن يشكل مدخلا لتدارك هذه الاختلالات، “لم يعرف بدوره أي تقدم”، وذلك بعد سحب المشروع من طرف وزارة العدل، دون تقديم بديل إلى حدود الآن، ما حال دون ملاءمة المقتضيات الجنائية مع التوصيات المقترحة.

وخلصت عضوة فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب إلى أن الدينامية المسجلة حاليا تظل محصورة في تحركات الجمعيات الحقوقية والحركات النسائية، إلى جانب التفاعل الإعلامي، في ظل غياب مبادرات تشريعية ملموسة، مشددة على ضرورة تسريع وتيرة الإصلاح، سواء من خلال تعديل القانون الجنائي أو مراجعة القانون رقم 13-103، بما يضمن مواكبة التحولات المجتمعية وتعزيز حماية النساء من مختلف أشكال العنف.

وفي مقابل هذا التصاعد المقلق، برزت محاولات مؤسساتية لمواكبة التحول الرقمي للجريمة، حيث أطلقت المديرية العامة للأمن الوطني، في منتصف سنة 2024، منصة رقمية تحمل اسم “إبلاغ”، بهدف تعزيز آليات التبليغ عن الجرائم المرتكبة عبر الإنترنت وإشراك المواطنات والمواطنين في مكافحتها.

وقد عرفت هذه المنصة، منذ الشروع في العمل بها في يونيو 2024، تفاعلا لافتا، إذ توصلت بما مجموعه 25 ألفا و876 إشعارا وبلاغا، همت أساسا جرائم التشهير، والتحريض، والتهديد بارتكاب أفعال إجرامية، والابتزاز الجنسي المعلوماتي، وانتحال صفة، فضلا عن الإشادة بأعمال إرهابية، وهي المعطيات التي تعكس حجم الامتداد الذي باتت تعرفه الجريمة في الفضاء الرقمي.

تعقيد المساطر وإشكالات الإثبات

غير أن هذا المعطى يطرح، في المقابل، تساؤلات جوهرية حول مدى كفاية هذه الآليات في مواجهة تعقيدات العنف الرقمي، خاصة في ما يتعلق بحماية النساء، في ظل تسجيل غياب جانب توعوي كاف، رغم توفر منصات وبرامج للتبليغ عن حالات العنف، وهو ما تطرحه بإلحاح الفاعلة الحقوقية ليلى أمليل، في تصريحها لصحيفة “صوت المغرب”، بشأن حدود فعالية المنظومة الحالية بين توفر الأدوات وضعف التعريف بها، واستمرار التحديات على مستوى التفعيل والنجاعة.

وفي هذا الإطار، اعتبرت أمليل، رئيسة جمعية أيادي حرة، أن القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء يشكل مكسبا مهما، لكونه أول إطار قانوني بالمغرب يهدف إلى حماية النساء ضحايا العنف، مؤكدة أن “الإشكال يظل قائما على مستوى التطبيق”.

وأوضحت أن التركيز ينصب غالبا على العنف الجسدي الظاهر، في حين يتم إغفال أشكال أخرى من العنف، مثل العنف الرقمي والنفسي والسياسي والاقتصادي، مشيرة إلى أن اشتراط الإثبات في هذه الحالات يطرح” صعوبات كبيرة”، خاصة في ظل مساطر وصفتها بالمعقدة والطويلة والمكلفة.

وأضافت الحقوقية في تصريح لـ “صوت المغرب” أن المغرب يتوفر على نصوص قانونية متقدمة، غير أن الإشكال يٌطرح بشأن “مدى تفعيلها على أرض الواقع”، فضلا عن ضعف التعريف بها، بما يحد من استفادة الفئات المعنية منها.

كما لفتت إلى أن العنف الرقمي يشهد انتشارا متزايدا، خاصة في صفوف المراهقات، في ظل اتساع استعمال مواقع التواصل الاجتماعي وغياب الوعي الكافي بمخاطره، مبرزة في المقابل وجود تخوف من فعالية العقوبات الزجرية والحازمة في هذا المجال.

وأوردت أن إشكالية الإثبات تظل من أبرز التحديات المطروحة، خصوصا مع وجود قيود قانونية على وسائل مثل التسجيل، ما يصعب إثبات حالات العنف أو التحرش أو التهديد، ويجعل وسائل الإثبات المتاحة محدودة.

غياب الوعي المجتمعي

وسجلت المتحدثة، “غياب جانب توعوي كاف”، رغم توفر منصات وبرامج للتبليغ عن حالات العنف، معتبرة أن الإشكال يكمن في “ضعف” معرفة المجتمع بها، إلى جانب غياب التوعية بالمساطر الواجب اتباعها في حال التعرض، خصوصا للعنف الرقمي.

كما أشارت أمليل، إلى وجود تعقيد كبير في مساطر التبليغ، داعية إلى ضرورة توفير آليات فعالة لحماية النساء من مختلف أشكال الابتزاز والعنف الرقمي، لما قد يترتب عنه من آثار خطيرة تصل في بعض الحالات إلى اضطرابات نفسية حادة.

وأوردت رئيسة جمعية أيادي حرة في ختام تصريحها، أن القانون، رغم وجوده، يظل في حاجة إلى مراجعة وتحيين، عبر إدماج أشكال جديدة من العنف، من قبيل الرقمي والسياسي والزوجي والنفسي، مبرزة أن هذه الأشكال ما تزال تتناول باحتشام، رغم تناميها، ومشيرة إلى تعرض عدد من النساء، خاصة في المجال السياسي، لابتزازات، من بينها الابتزاز الجنسي المرتبط بالترشح أو تقلد مناصب معينة.

يُذكر أن “التقرير السنوي حول العنف ضد النساء لسنة 2025”، الصادر عن فدرالية رابطة حقوق النساء، كشف عن تسجيل 28 ألفا و980 حالة عنف مصرح بها لدى مراكزها خلال الفترة الممتدة ما بين فاتح يوليوز 2024 و30 يونيو 2025، تصدرها العنف النفسي بنسبة 47 في المائة، متبوعا بالعنف الاقتصادي-الاجتماعي بنسبة 23 في المائة، ثم العنف القانوني بـ10 في المائة، فالعنف الجسدي بـ8 في المائة، بينما سُجل العنف المعلوماتي بنسبة 7 في المائة، والعنف الجنسي بـ5 في المائة.

مروان الخبري_ صحافي متدرب