story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

إيران في مهب العاصفة: هل ينجو “المذهب” أم تنتصر “القومية”؟

ص ص

ليس التاريخ مجرد رفوف مكدسة بالكتب، بل هو البوصلة التي من دونها يغدو الحاضر تيها والمستقبل سرابا؛ فمن لم يقرأ غابر الأزمان بعين الفاحص، سيظل عاجزا عن فك شفرات واقعه المرير؛ ومن عميت بصيرته عن فهم تعقيدات حاضره، فإنه لن يجد لنفسه موطئ قدم في خارطة الغد. فالأحداث التي نعيشها اليوم ليست إلا ثمارا لبذور غُرست قبل قرون، والصراعات التي تمزق الجغرافيا ليست سوى صدى لمعارك قديمة لم تنته فصولها بعد؛ لذا، فإن العودة إلى الجذور ليست ترفا فكريا، بل هي ضرورة وجودية لاستكشاف المسارات الوعرة التي تسلكها “الهضبة الإيرانية” في قلب العاصفة.

ولذلك فإن قراءة إيران بعين عام 1979 وحصرها في لحظة “الثورة” فحسب هي قراءة قاصرة ومبتورة، تشبه الارتكان إلى قمة جبل جليدي طاف مع إهمال كتلته الضاربة في جذور التاريخ؛ فإيران ليست مجرد “دولة” نبتت في غفلة من الأيام بقرار سياسي عابر، ولم تكن حدودها وليدة مساطر “سايكس بيكو” التي هندست دولا من العدم، ولا هي استكانة للعنة “خط ديوراند” الذي رسمه الاستعمار البريطاني كحاجز جغرافي يفصل نفوذه عن الدب الروسي (ليتحول اليوم إلى جرح نازف ومصدر لمشاكل لا حصر لها بين أفغانستان وباكستان). بل إنها، في جوهرها، “حالة حضارية” متجذرة، مسكونة بهاجس أزلي للعودة إلى أمجاد غابرة لا تقبل بغير السيادة بديلا.

ومن رحم هذا الهاجس التاريخي، أتقنت إيران ببراعة مذهلة لعبة “الانصهار الوجودي”، حين أذابت المسافة الفاصلة بين هوية فارسية (إخمينية ساسانية) مسكونة بحلم السيادة، وهوية إمامية (صفوية) تتنفس إرث المظلومية تجلت في تماسك بنية القيادة غداة زلزال اغتيال مرشدها الأعلى “علي خامنئي”؛ إذ أثبت النظام جاهزية فائقة بوضعه كافة السيناريوهات على طاولة الأزمات، ليمضي في رد العدوان وقصف الأهداف بدقة مذهلة، وكأن جسد الدولة لم يُصب في رأسه. هذه الجسارة في إدارة المعركة، والهدوء الذي غلف تحركات قادة الصف الأول تحت قرع طبول الحرب، بعثا برسالة إرباك حادة لغرف العمليات في واشنطن، مما أفقد “ترامب” توازنه أمام عناد الموقف وعجز الرهانات. فنظام “الملالي” كما يحلو للبعض تسميته ليس مجرد رمز ديني، بل هو استحضار بليغ لروح “آل البيت” بمسحة “كسروية”، تجعل من صمود اليوم صدى لانكسارات وانتصارات سحيقة.

إن ما نراه اليوم من تحد معاصر ليس إلا استعادة لوعي إمبراطوري لم يغب يوما؛ إذ لا يزال صهيل خيول “قورش”، مؤسس الإمبراطورية الأخمينية وجامع شتات الهضبة، يتردد بصدى عميق في الوجدان الإيراني؛ ذاك الملك الذي بعثه “الشاه” في احتفالية القرن عام 1971 ليتقمص هيبة إرثه، قبل أن تأتي المفارقة التاريخية على لسان “ترامب” الذي استلهم رمزية “قورش” هو الآخر، واضعا نفسه في مقام المُخَلِّص الذي أعاد لليهود حريتهم من السبي البابلي.

غير أن هذا الاستحضار “القورشي” الذي استلهمه الطرفان، سرعان ما اصطدم بجدار السرديات التوراتية المتصادمة؛ فمع انطلاق العدوان الأمريكي الإسرائيلي في 28 فبراير 2026، انبعثت المصطلحات القديمة كأسماء للعمليات مثل “درع يهوذا”، استحضارا لسطوة السبط الذي انحدر منه الملك داوود. بينما استدعى “نتنياهو” لعنة التاريخ برمي “خامنئي” بتهمة “هامان الأجاجي”؛ الوزير الفارسي الذي خطط لإبادة اليهود قبل أن تنجيهم حيلة “أستير” أو “هداسا” كما تُعرف بالعبرية؛ (ذاك الاسم الذي حمله أول مستشفى يهودي أُنشئ في فلسطين قبل قيام إسرائيل). وهي الزوجة اليهودية لملك فارس التي قلبت الطاولة وحولت الهزيمة إلى نصر يُحتفى به في أعياد “المساخر” (البوريم)، وهي الأعياد التي تزامنت طقوسها مع دوي أولى الضربات؛ ليتشابك بذلك هدير الصواريخ المعاصرة بظلال الأساطير الغابرة، وتتحول ساحات القتال إلى مسرح مفتوح لثارات التاريخ الممتدة لآلاف السنين.

ومع تلاحق الفصول، لم يكتف العقل الإيراني باستحضار الأسطورة، بل شرع في بناء القلاع الأيديولوجية الكفيلة بحمايتها؛ إذ إن الحلم الفارسي بالسيادة لم يخفت يوما، وإن توارى قليلا خلف وهج الفتوحات الإسلامية ونفوذ العهدين الأموي والعباسي، حين أضحت “خراسان” القلب النابض لشرق الخلافة وبديلا جغرافيا وحضاريا عن “فارس” القديمة. لكن هذا الكمون لم يكن إلا استراحة محارب، حتى جاءت اللحظة الصفوية عام 1501 لتعيد صهر “الأنا” الفارسية في قالب مذهبي فريد، محولة التشيع من معتقد ديني إلى “ترسانة هوية” وقلاع نفسية حصينة؛ حيث فُرض المذهب الإمامي بسطوة القوة لتشييد “قلعة عقائدية” تتمايز جذريا عن المحيط العثماني.

هذا التحصين المذهبي تلاقى لاحقا مع طموح “رضا شاه” عام 1935، حين استبدل اسم “فارس” بـ “إيران” رسميا؛ استحضارا منه لـ “أنا حضارية” كامنة لا يختلف عليها نظام “الشاه” أو “الفقيه”، إلا أن الاندفاع نحو القومية العارية وتهميش الدين فجّر صداما وجوديا مع الحوزة انتهى بسقوط العرش. ومن رماد الملكية، بزغت “الجمهورية الإسلامية” ككيان هجين أتقن صهر المذهب في هيكل الدولة الحديثة عبر نظرية “ولاية الفقيه”؛ لتستعيد إيران بذلك ذات الأطماع الإمبراطورية ولكن بعباءة دينية خضراء انغمست في صراعات دموية خلّفت جراحا غائرة في عواصم عربية عدة، مما صيّرها كيانا منبوذا في الوجدان الشعبي للكثيرين؛ وهي مفارقة حادة جعلت من دعمها الصاخب للقضية الفلسطينية يبدو في أعين ضحاياها مجرد قناع سياسي، يعجز عن مواراة فظائع آلتها العسكرية التي مزقت النسيج العربي.

هذا التمزق الداخلي في الجسد الإقليمي يفتح الباب أمام تساؤل أكثر عمقا وحرجا: ما الذي يريده الغرب وإسرائيل من إيران حقاً؟ وكيف لزعيم رفع شعار “أمريكا أولا” وجعل “عقيدة مونرو” ركيزة لاستراتيجيته للأمن القومي، أن يندفع نحو حرب شاملة في الشرق الأوسط؟ تكمن الإجابة في نظرية “المقاول الإقليمي”؛ حيث تسعى استراتيجية ترامب 2026 إلى “نقل العبء” بالكامل عبر تدمير القوة الصلبة لإيران، ثم تسليم “مفاتيح الأمن” لإسرائيل لتدير المنطقة بنفسها، فيما يمثل النسخة العسكرية الأكثر وحشية لـ “اتفاقات أبراهام”.

وبينما كانت واشنطن سابقا تسعى “لتعديل السلوك”، يظهر جليا أنها تبنت اليوم الرؤية الإسرائيلية الداعية لـ “التفكيك”؛ حيث أعلن ترامب صراحة أن الهدف هو “تغيير النظام”. وبذلك يأبى العقل الاستراتيجي الغربي السماح لأي قوة إقليمية بالتحليق خارج المدار الإسرائيلي، كي لا تقف سدا منيعا أمام طموحات توسعية جهر بها السفير “هاكابي” في مقابلته المدوية مع “تاكر كارلسون”، لتتحول المنطقة في المحصلة إلى مساحة تُدار بالوكالة تحت وطأة الهيمنة التقنية والعسكرية المطلقة.

ووسط هذا التكالب الدولي، تبرز قدرة “إيران” على المناورة؛ فبالرغم من صمودها العنيد في وجه الإعصار الأمريكي الإسرائيلي، مستلهمة دروسا قاسية من تجربة إضعاف العراق وإنهاكه عبر سنين الحصار والمفاوضات الخادعة، ومستفيدة من التجربة الأليمة في “حرب الـ 12 يوما” في يونيو الماضي، إلا أن المفارقة الكبرى تكمن في الجانب الآخر من المشهد؛ حيث لا يزال العالم الإسلامي يغط في سبات العجز عن استخلاص العبر الكبرى. فقد انكشف الستار عن أنظمة دفاعية إقليمية لم تُصمم إلا لحماية أمن إسرائيل، تاركة دول الخليج في فخ التبعية المتكرر، لتبدأ مظلة الأمن التي نعموا بها لنصف قرن بالتلاشي في السنتين الأخيرتين، منذرة بقادم أكثر قسوة.

وهكذا، يبقى العقل العربي والمسلم أسير “اللحظة الآنية” واحتياجاتها الضيقة، يدير شؤونه بلا رؤية ثاقبة؛ فبعد أن ساند الغرب في حروبه على العراق ثم أفغانستان وصولا إلى إيران، يجد نفسه يسقط الواحد تلو الآخر بأيدي أبنائه قبل أيدي أعدائه. إنه استنساخ بائس لمآسي “إمارات الشام” المفتتة إبان الغزو الصليبي، وسيرة “ملوك الطوائف” الذين أضاعوا الأندلس حين غلّبوا خصوماتهم الصغيرة على الوجود الكبير، ليظل التاريخ يعيد نفسه في صورة ملهاة دامية تفتقر إلى البوصلة في تيه المصالح العابرة.

وأمام كل هذه الخطط المعلنة وغير المعلنة، تجد إيران نفسها اليوم عند مفترق طرق لا مفر منه، حيث يبرز أمامها مساران كلاهما مرّ؛ أولهما التمترس خلف جدران “الشيعية الإمامية” كخيار أصيل للثورة والمواجهة، وفي هذا المسار ترفع طهران وتيرة “المظلومية والولاية” كأدوات استنهاض عابرة للحدود لتجييش أذرعها في المنطقة، محولة إياهم إلى خطوط دفاع متقدمة قادرة على إيلام الخصوم في منشآتهم الحيوية وخلط أوراق القوة. أما المسار الثاني، فهو الانكفاء نحو “القومية الفارسية” بإعطاء الأولوية لهاجس الحفاظ على كيان “الدولة” وإرثها الإخميني العريق فوق أي اعتبار مذهبي؛ في تحول استراتيجي يسعى لصياغة “دولة طبيعية” تنشد الاندماج الدولي تجنبا لسيناريوهات الدمار الشامل أو السقوط في أتون حرب أهلية لا تبقي ولا تذر.

لكن السؤال الأكثر إلحاحا، والذي يظل منفتحا على كل الاحتمالات المرعبة: ماذا بعد إيران؟ فسقوطها أو تفككها لن يكون مجرد حدث عابر، بل هو زلزال ستصل ارتداداته العنيفة إلى باكستان “النووية” التي قد تجد أمنها القومي في مهب الريح، وتركيا التي تراقب الحرب بقلق وحذر شديدين، وصولا إلى السعودية التي تقف في عين العاصفة. فالمخطط لا يقف عند حدود “تغيير النظام”، بل يمتد لرسم ملامح إقليم جديد بشّر به “نتنياهو” لما أعلن عن تشكيله لـ “الحلف السداسي”؛ وهو حلف وُلد لمجابهة ما تراه إسرائيل “تكتلا شيعيا” آيلاً للأفول، و”تكتل سني” آخذ في التشكل.

بيد أن هذا “الشرق الأوسط الجديد” الذي يُراد هندسته على أنقاض الهوية الفارسية، قد يتحول إلى فخ استراتيجي للجميع؛ فالعقل الإيراني الذي أتقن “الانصهار الوجودي” لآلاف السنين قد يترك خلفه شظايا حضارية لا تقبل الترويض، مما يجعل من سيناريو “ما بعد إيران” ليس فصلا من فصول الاستقرار، بل هو البداية لمرحلة من التيه الجيوسياسي الذي سيحرق بناره كل من ساهم في إشعال فتيله، ليظل السؤال معلقا فوق ركام الطموحات: هل تدرك العواصم العربية أن الدور القادم قد كُتب بالفعل، بانتظار لحظة الصفر؟