إنصاف المهداوي ألا يتكرّر!
بصرف النظر عن مآل قصّته، والذي لا نعرف اتّجاهه بعد، إلا أن زميلنا حميد المهداوي دخل التاريخ من أوسع أبوابه، وسجّل اسمه بمداد المساهمة الثمينة في مسار التمكين لواحدة من أكثر الحريات حيوية في حياة الإنسان: حرية الرأي والتعبير.
وأفضل ما قدّمته لنا “محنة المهداوي”، هو هذه اللحظة التي لم تتحقّق في عزّ الخطوات الأولى لهدم الصرح الإعلامي في المغرب، مع الشروع في اصطناع مشهد تنظيمي لقيط، ودفع تجربة التنظيم الذاتي نحو الفشل بأدوات عمومية أبرزها التشريع بالتمديد للمجلس الوطني للصحافة بزعم إتاحة الوقت لتنظيم الانتخابات، ثم تنصيب لجنة معيّنة تكثّف في شكلها القانوني وطبيعتها المعيّنة بالكامل (الشرعية الانتخابية انتهت في 2022)، كل مظاهر الخلل والانحطاط.
خطوة المهداوي الشجاعة والمقدامة بنشر ما يُثبت كل ما ظلّ يردّده بشكل شبه يومي منذ سنوات، من استهدافه مهنيا وشخصيا؛ خلقت حالة صدمة جماعية وحقّقت ذلك الشعور الذي عجزنا جميعا عن استثارته عند المجتمع، من وجود تخطيط وتدبير ممنهج لطمس المشهد الإعلامي و”إخصاء” ما تبقّي من فحولته، وبسط سطوة تحالف المال والسلطوية على الفضاء العمومي.
ولأن هذه اللحظة ثمينة للغاية، ولم تتحقّق قط في الماضي، ولن تعود في المستقبل إلا بعد سنوات، أو ربّما عقود، فإن الواجب الأخلاقي تجاهها هو قول “الحقيقة”، ليس تلك التي تحدّث عنها الفلاسفة وحيّرونا أكثر مما أفادونا بشأنها، بل حقيقة ما نعتقده وما نراه، بدون خوف.
نعم، الاستقلالية التي نتشدّق بذكرها كلما راوَدْنا موضوع الدفاع عن شرف مهنتنا، لا تستثني الاستقلالية عن اندفاع الجموع، وانفعال الزملاء، وضغط المحيط، وما يريده الجمهور، بل حتى من أهواء النفس وغرائزها.
ومن يحبّ المغرب والمغاربة في هذه اللحظة، عليه أن يقرّ بفداحة الظلم الذي تعرّض له المهداوي، ومعه حقّنا جميعا في التعبير الحرّ عن الرأي… لكن عليه أيضا أن يواجه هذا الانفعال الجماعي بتنبيه ضروري: حالة المهداوي ينبغي ألا تتكرّر.
نعم، علينا ألا نكرّر هذه القصة المأساوية، لأن ظهور مهداوي جديد معناه تكرار الظلم نفسه والحكرة نفسها والتطويح بالمؤسسات والقوانين والقيم نفسها؛ كما يعني اضطرارنا من جديد إلى النهج الاستثنائي نفسه، المتمثّل في نشر تسجيلات للقاء يفترض فيه السرية.
السيد حميد المهداوي في موقف المظلوم الذي لم يُثبت مظلوميته فقط، بل أثبت للعالم كلّه أنه استنفد كل وسائل الانتصاف القانوني والمؤسساتي والقضائي، وأنه تعرّض للتكالب والتواطؤ الجبان.
وهو بعد ذلك في موقف الاستثناء الأخلاقي الذي يبيح له ما أقدم عليه من نشر، خاصة، كما قلت في مقال سابق، أنه حتى وهو يتوفّر على “غنيمة” من نوع التسجيل الذي حصل عليه، قام بما تفرضه الأخلاقيات من تقليل للضرر وحماية للأشخاص غير المعنيين بالمخالفات المفترضة، واقتصر نشره على ما يخدم الصالح العام في تقديره، دون أن يمنع ذلك حقّ الآخرين في التعقيب عليه وإبداء الرأي، بما أن الخطوة جاءت مبررة بخدمة المصلحة العامة.
لكن هناك أيضا، كما هو الحال في مثل هذه اللحظات الاستثنائية التي يصبح فيها باب المراجعة والتصحيح والإصلاح مواربا، كثير من الانتهازيين والمضلّلين والمتعطّشين لإراقة دماء “الشهداء” وتعليق أقمصتهم في أبواب المدن.
هؤلاء لا يهمّهم تحصين الحقوق ولا التمكين للقانون ولا تفعيل الإصلاحات، بقدر ما يهمّهم إثقال كفّة السلطة بالتجاوزات الموثّقة والضحايا المظلومين والبطولات الزائفة، ومنهم، لا سامحهم الله، من يستثمر مثل هذه اللحظات لبناء سفن “شعبيتهم” من بقايا سفن الآخرين المحطّمة، واستدرار المتابعات والمشاهدات، ومعهما عائدات ال”أدسنس” وشحذ الأسلحة لمواجهة السلطات، ليس لتقليم أظافرها المتّسخة، بل لإجبارها على تقديم الدعم والريع.
شخصيا لا أملك ما يكفي من “قسوحية الوجه” لأتنكّر لموقفي السابق، عندما جري تسريب تسجيلات فيديو مخزية منسوبة لزملائنا، وقلنا وقتها إنها لا يمكن أن تكون عنوانا للحقيقة، ولا يمكن البناء عليها، وإن قرينة البراءة محفوظة ومحمية بالدستور، لأدافع اليوم عن الأحكام المطلقة بناء على تسريبات مصوّرة مهما كانت صدقيتها كبيرة. نعم لابد من ترتيب النتائج المنطقية، من بحث وتحقيق ومساءلة ومحاكمات، لكن لا أحكام تبني الثقة وتعزز التماسك خارج المسارات القانونية والقضائيج والمؤسساتية.
قصة حميد المهداوي بطولية لكنها استثنائية ولا ينبغي أن تتكرّر. وليتّسع صدر من يقرأ هذه السطور، لإنهاء قراءة هذه الفقرات، رغم طولها، حتى تكتمل الحجّة ويتّضح المراد.
هناك قاعدة ذهبية في أخلاقيات النشر تقول إن الحق في المعرفة، ودعم المصلحة العامة، يمكن أن يبرّرا الخروج عن قاعدة السرية المفروضة في بعض الهيئات، أو حماية الخصوصية المضمونة للجميع، بشرط احترام شروط صارمة وضوابط دقيقة.
بصيغة أخرى: المصلحة العامة لا تعني الفضول العام، والغاية المشروعة لا تبرر وسيلة غير مشروعة إلا إذا كانت الوسيلة أقل ضررا، وكانت الطريق القانونية قد استنفدت، وكان الامتناع عن النشر يحجب حقيقة تمسّ المجتمع مباشرة.
معظم مواثيق الصحافة في العالم تتفق على ضرورة تقييم التسجيلات والوثائق السرية، من صور وفيديوهات وايميلات ومراسلات… وفق أربعة أسئلة أخلاقية كبرى:
• أولا، هل تتعلق الوقائع بمصلحة عامة أم مجرد فضول؟
• ثانيا، هل تم استنفاد السبل القانونية والمؤسسية قبل نشر السر؟
• ثالثا، هل حجم الضرر الناتج عن النشر أقل من حجم الضرر الناتج عن الإخفاء؟
• ورابعا، هل المادة المنشورة دقيقة، ومؤكدة، وغير منتزعة من سياقها؟
أي أن النشر الاستثنائي يحتاج إلى تبرير استثنائي. ولا يكفي أن يكون هناك ظلم، بل يجب أن تكون الحقيقة المنكشفة تخدم المجتمع ولا تحقق الانتقام الشخصي فقط.
وإذا حاولنا أن نجيب عن هذه الأسئلة في حالة حميد المهداوي، فإن النتيجة ستكون حتما في مصلحته، مع الاحتفاظ بحق زملائه المهنيين في التعقيب والتدقيق والاختلاف.
وإذا كانت هناك عِبر ودروس ينبغي تقديمها للمغاربة انطلاقا من هذه الفرصة التي أتاحها المهداوي، فهي أن النشر الاستثنائي للسرية يباح فقط عندما تمسّ الوقائعُ الصالح العام، وبعد استنفاد كل الوسائل القانونية والمؤسساتية قبل النشر، وحماية الأشخاص غير المسؤولين وإخفاء هوياتهم، وإخضاع قرار النشر لمراجعة هيئة مستقلة أو شخصية مهنية موثوقة، وتحويل التسريبات إلى مدخل لإصلاح المؤسسات لا إلى سلاح انتقام وإشاعة ثقافة الفوضى وأخذ الحقوق دون المرور عبر المسالك القانونية والمؤسساتية.
دون ذلك، لنتخيّل للحظة واحدة ما سيصبح عليه الأمر مع من تعرّضوا للنصب والسرقة، ومن تعرّض أقاربهم للاعتداءات والقتل، ومن نُهبت أراضيهم، ومن ومن… إذا نحن لم نشرح لهم باتزان ودقة معنى اللجوء الاستثنائي إلى وسيلة مثل خرق السرية.
حميد المهداوي، يا عباد الله، نشر الفيديو لأنه لم يعد أمامه مؤسسات يلجأ إليها. والتحدي اليوم ليس تبرير ما فعل، بقدر ضمان ألا يحتاج مواطن مغربي آخر لفعل ذلك مرة ثانية.
نعم، هناك حاجة كبيرة للكشف والفضح في مواجهة الفساد، لكن هناك أيضا أسباب أخلاقية ومهنية وديمقراطية تجعل من الضروري ألا يتحول النشر الاستثنائي لتسريبات سرية إلى وسيلة عادية ومكرّرة.
من تلك الأسباب أن اللجوء إلى التسريبات يعني انهيار الثقة في المؤسسات. عندما يضطر صحافي للنشر بهذه الطريقة، فهذا اعتراف عملي بأن القضاء لا يُنصف، والهيئات المهنية لا تَحمي، والآليات القانونية معطّلة أو غير فعّالة.
وهذا وضع خطير ومخيف لا ينبغي التطبيع معه وايهام الناس بامتلاك أسلحة فعالة لمواجهته من خارج المنظومة القانونية والمؤسساتية.
وإذا أصبح هذا النموذج هو القاعدة، فسنكون أمام مجتمع بلا مرجع، وبلا قواعد، وبلا مؤسسات.
مجتمع بلا مؤسسات يعوّض القانون بـمنطق القوة والفضيحة.
كما أن تحويل التسريبات إلى قاعدة يؤدي إلى مجتمع التجسس المتبادل. وإذا أصبح الطريق الطبيعي لكشف الظلم هو التسجيل السري والنشر، فسيدخل الجميع في منطق الشك والترصّد، وسيتحول كل اجتماع أو علاقة مهنية أو شخصية إلى احتمال تسريب، وسيتفكك الحد الأدنى من الثقة التي تقوم عليها الحياة العامة. وهذا يعني العيش داخل مجتمع بوليسي بدون شرطة.
توجيه الناس بدون تأطير نحو ثقافة الفضح الشامل، سيحوّل التسريبات من أداة إنقاذ إلى أداة انتقام.
فلا فرق كبير، في غياب قواعد، بين تسريب نزيه يكشف فسادا حقيقيا، وتسريب مفبرك أو مجتزأ أو موجّه لتصفية حساب. وفي عالم الشبكات السريعة، الضرر يتحقق قبل أن يبدأ التحقق.
نعم يجب فضح الفساد ولو بالطرق الاستثنائية عند الاقتضاء، لكن الحياة الخاصة هي أيضا حق إنساني غير قابل للمساومة. وإذا شرّعنا فكرة أن أي شخص يمكن تصويره أو تسجيله ونشره إن كان “مذنبا” (في تقديرنا)، فإننا نفتح الباب واسعا أمام التشهير، والاغتيال المعنوي، وإسقاط الخصوم بالعقلية الانتقامية… وهذا ينسف قرينة البراءة ويحوّل المجتمع إلى محكمة شوارع.
إن قوة الصحافة الحقيقية ليست في التسريب، بل في النظام والقواعد والمبادئ. الصحافة ليست فخا، أو جهاز تنصّت، أو سلاح تسجيل خفي، كما بتنا نقرأ في تعليقات الجمهور هذه الأيام. بل هي مؤسسة هدفها بناء الثقة، وحماية القيم العامة، ومساءلة السلطة بشكل مسؤول.
وإذا اضطرت للقيام بدور القضاء والشرطة، فهذا يعني أن الدولة فقدت شرعية وجودها، وهذا خطير.
الحفاظ على الاستثناء يمرّ أولا بإبقائه استثناء، وهذا ما يحمي النشر الاستثنائي نفسه. فعندما يظل النشر السري حالة نادرة جدا ومبررة بوضوح، يصبح أداة أخلاقية قوية الحجة، ويصنع لحظات تاريخية مثل قصة “ووترغيت” أو فضيحة “أوراق بنما”.
لكن عندما يتحول إلى روتين فإنه يفقد قيمته، ويصبح مجرد ضوضاء إعلامية، ولا يعود قادرا على إحداث إصلاح حقيقي.
إننا، يا عباد الله، لا ينبغي أن نعيش في بلد يحتاج فيه الصحافي إلى أن يتحول إلى جاسوس كي يحقّق العدالة. الصحافة القوية لا تحتاج إلى التسريبات، بل إلى مؤسسات قوية، وحق مكفول للوصول إلى المعلومات، وحصانة في حماية المصادر.
وهذا كلّه يمرّ عبر إصلاح القضاء، وإصلاح هيئات التنظيم الذاتي، وإعادة بناء الثقة، وإنشاء آليات آمنة لحماية المبلّغين، ووضع قواعد واضحة للنشر الأخلاقي للتسريبات.
أعيد وأذكّر مرة أخرى: ما فعله الزميل حميد المهداوي كان استثناء بطوليا في سياق مأزوم. والخطر اليوم هو أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، لأن ذلك يعني أننا خسرنا الدولة والمجتمع معا.
يخبركم الكثيرون هذه الأيام بقصص التسريبات والفضائح التي قام بها الصحافيون في العالم “الديمقراطي”، لكنهم لا يخبرونكم أن هذا النهج لم يتحوّل في أي مجتمع متقدّم إلى قاعدة، بل كان ومازال استثناء ثقيل الكلفة، يقع في لحظات قصوى، ويبقى دائما محاطا بنقاش قانوني وأخلاقي حاد، وغالبا ما يتحوّل هو نفسه إلى موضوع مساءلة وتحقيق ومحاكم. وإليكم بعض الأمثلة:
في مطلع السبعينيات، سرّب دانييل إلسبرغ وثائق سرية عرفت باسم “أوراق البنتاغون”، تكشف أن الإدارة الأمريكية كانت تكذب على مواطنيها بشأن حرب فيتنام.
صحف مثل “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” قرّرت النشر، وتعرضت لدعاوى قضائية عاجلة من الحكومة الفدرالية لإيقاف النشر بدعوى الأمن القومي.
وقضت المحكمة العليا الأمريكية في هذه القضية لصالح الصحف ورفضت “الرقابة المسبقة”، لكنها لم تقل إن كل تسريب سرّي مشروع تلقائيا؛ بل قالت فقط إن الحكومة الفيدرالية لم تقدّم دليلا كافيا على الضرر الفوري والخطير اللي يبرر المنع المسبق.
وتم إسقاط المتابعة في حق إلسبرغ نفسه لأسباب إجرائية مرتبطة بسوء سلوك الأجهزة، وليس لأن فعله أصبح “قاعدة مقبولة”.
والشاهد هنا أن المجتمع الأمريكي تعامل مع الواقع على أنها عملية نشر استثنائية مبرَّرة، لأنها فضحت كذبا رسميا، لكن بعد هذه القضية، لم تعد الصحافة الأمريكية تسرّب الوثائق السرية كيفما اتّفق، بل ظلّت القاعدة هي الاعتماد على المصادر العلنية، والولوج القانوني للمعلومة، والشكليات المؤسسية.
حتى في تحقيق “ووترغيت” الشهير، التسريب كان مجرّد شرارة، والتحقيقات المؤسسية كانت الجواب الفعلي.
هذه الفضيحة التي أطاحت بالرئيس نيكسون، غالبا ما تُقدَّم كقصة جميلة عن “التسريب المنقذ للديمقراطية”.
يتعلّق الأمر بمصدر سرّي (ديب ثروت) زوّد صحفيي “واشنطن بوست” بمعلومات عن تجسّس غير قانوني وتمويلات مشبوهة. لكن هذا التسريب كان مجرّد بداية الخيط؛ الباقي قام به الكونغرس، والمدعون الفدراليون، ولجان تحقيق رسمية.
الصحافة لعبت دورا حاسما نعم، لكن ضمن تفاعل مع مؤسسات اشتغلت وفتحت تحقيقات، واستدعت الشهود، وأصدرت تقارير، وفرضت المسؤولية السياسية والقانونية.
بعد تلك الفضيحة تعزّزت ضوابط التعامل مع الوثائق السرية، وتطوّر النقاش حول حماية “المبلّغين عن المخالفات” (whistleblowers) ضمن أطر قانونية محددة.
أي أن التسريب هنا كان جزءا من لحظة استثنائية داخل نظام يملك آليات تصحيح ذاتية (كونغرس، وقضاء، ورأي عام منظم وواع بتوازن الحقوق والواجبات). ومن الإجرام في حقّ المغاربة ايهامهم بإمكانية استعمال الأداة نفسها في غياب الوسائل نفسها لتحقيق المصلحة.
لنفتح الان ملفّ تسريبات “سنودن” وعملية التجسس الشامل. يتعلّق الأمر بإدوارد سنودن الذي سرّب وثائق هائلة عن برامج المراقبة الجماعية لوكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA). نشرت الصحف الكبرى (الغارديان، والواشنطن بوست…) أجزاء منتقاة من الوثائق بعد مراجعة قانونية وأمنية صارمة. ونتيجة لذلك، حصلت الصحف على جوائز كبرى (مثل بوليتزر)، لأنّها كشف انتهاكات واسعة للحياة الخاصة، وأطلقت نقاشا حول حدود الأمن القومي وحرية الأفراد.
في النهاية، سنودن نفسه يعيش إلى اليوم منفيا (في روسيا) وملاحقا قضائيا بموجب قوانين التجسس الأمريكية؛ أي أن النظام الديمقراطي نفسه لم يعطه حصانة مطلقة.
على مستوى القواعد، لم تقل أي حكومة ديمقراطية بعد واقعة سنودن إن التسريب مباح متى كان الهدف نبيلا، بل تم تشديد النقاش حول حماية المبلغين عن المخالفات من جهة، وكيفية الحفاظ على سرية المعلومات الحساسة من جهة أخرى.
تعالوا نطلّ الآن على قصة “أوراق بنما” و”أوراق الجنة”، حيث لم نكن أمام صحافي واحد قرّر أن ينشر ما هو سرّي، بل أمام تسريب ضخم وصل إلى صحيفة ألمانية اسمها “Süddeutsche Zeitung” (أعتذر لم أستطع ترجمتها إلى العربية).
أحالت الصحيفة المعطيات إلى “الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين” (ICIJ)، ليشارك مئات الصحفيين من عشرات البلدان لسنة كاملة تقريبا، وفي سرية تامة، مع قواعد صارمة لتدقيق المعلومات، وحماية المعطيات الشخصية، وعدم الإضرار بأناس لا علاقة لهم بالفساد.
وهنا نلاحظ أن التسريب كان مرة أخرى استثناء في حجمه وطبيعته. وتمت إدارته عبر شبكة مهنية دولية، وفق قواعد تحريرية وقانونية دقيقة. وتم النشر بأجزاء، مع تركيز على ما له مصلحة عامة واضحة (تهرب ضريبي، أو تضارب مصالح، أو استعمال الجنّات الضريبية من طرف مسؤولين وشركات كبرى).
هذا النموذج ذاته يُستشهد به اليوم في مواثيق الصحافة كحالة نموذجية لكيفية التعامل مع التسريبات. أي لا نشر خام، ولا تعرية عشوائية للبيانات الشخصية، بل تصفية دقيقة لما يهم الصالح العام.
القاسم المشترك بين كل هذه الحالات هو أنها وقعت في سياقات ديمقراطية، حيث توجد صحافة مستقلة وقوية، ومؤسسات قادرة (نظريا) على التفاعل الإيجابي، ورأي عام منظم يمكن أن يضغط ويحاسب.
كما نلاحظ كيف أنها كانت استثنائية من حيث الحجم والخطورة، وبالتالي لم تبن قاعدة جديدة تقول إن التسريبات سلوك مشروع ومباح دائما.
بالعكس، عززت هذه الحالات الوعي بأن التسريب سلاح ثقيل لا يُستعمل إلا عندما تنهار أو تنسد القنوات العادية. كما صاحبها جدل قانوني وأخلاقي عنيف بين المهنيين، والذين طرحوا أسئلة مثل: “هل التسريب خيانة أم خدمة للصالح العام؟”، و”أين ينتهي واجب كتمان السر المهني وأين يبدأ واجب التبليغ عن الجرائم؟”، ومن يحمي الأشخاص المتضررين “عرضاً” من النشر؟”
كما أن الصحافة المهنية تعاملت مع كل تلك الحالات كاستثناء يتطلب ضوابط إضافية، واستعانت فيها بمراجعة قانونية قبل النشر؛ وامتدّ النشر تدريجيا ومفلترا؛ مع احترام أقصى ما يمكن من خصوصية الأشخاص غير المعنيين؛ والتركيز على مسؤولين عموميين وعلى سلوك له تأثير على الصالح العام.
أتذكّر هنا جوابا بليغا قدّمه لنا، نحن مجموعة من الصحافيين القادمين من دول عربية مختلفة، خلال دورة تدريبية في مجال التنظيم الذاتي للصحافة، مسؤول عن إحدى هيئات التنظيم الذاتي للنشر الصحافي الدانمارك.
كان الرجل يواجه موجة أسئلة “بليدة” تناوبنا على طرحها بإلحاح كبير، محاولين انتزاع اعتراف من الرجل بوجود حدود ما لحرية النشر، لأن ثقافتنا لا تحتمل القول بالحرية التّامة. في إحدى اللحظات سكت الرجل لبرهة، وقدّم لنا مثالا كي نفهم القاعدة.
قال لنا الخبير الدانماركي، وهو ناشر صحافي مرموق، وكنا وقتها في بدايات الحرب الروسية على أوكرانيا بكل ما تعنيه من حساسية أمنية وسياسية وروحية للأوربيين، (قال لنا): إنني أستطيع الآن أن أخرج في تصريح صحافي وأقول إنني أتوفّر على اللائحة الكاملة لجواسيس المخابرات الدانماركية في روسيا، وإنني سأكشف هذه الأسماء غدا في برنامج حواري في التلفزيون العمومي.
وأضاف الرجل أنه لا توجد أية قوة داخل الدانمارك يمكنها منعه من فعل ذلك، لكون حرية النشر والتعبير مقدّسة حتى في التلفزيون العمومي.
لكن، وهذا هو مربط الفرس، عاد الرجل ليقول: بعد النشر، سوف أكون مسؤولا وعليّ مواجهة التبعات القانونية والقضائية لهذا الفعل، لأنه سيؤدي إلى تهديد حياة الجواسيس الدانماركيين ويضرّ بالأمن القومي للدانمارك، وهذه هي المعادلة: حرية كاملة في النشر ومسؤولية قائمة بعده.
أي أن التسريب وإن كان مباحا، فإنه ليس محصّنا ولا مطلقا.
في كل التجارب الديمقراطية الراسخة، ظلّ نشر التسريبات التي تفضح اختلالات خطيرة داخل المؤسسات ممارسة استثنائية مكلفة، لا قاعدة مهنية ولا أداة روتينية في العمل الصحافي.
والتاريخ القريب يثبت أن الدول التي تملك أعلى درجات الاستقرار الديمقراطي لم تتسامح تلقائيا مع المسرّبين: تشيلسي مانينغ حُكم عليها بـ35 سنة سجنا بعدما أُدينت بتسريب أكثر من 700 ألف وثيقة عسكرية ودبلوماسية سرية لموقع ويكيليكس، وهذا ما لا يقوله لكم المبشّرون بالوهم.
و رياليتي وينر التي سرّبت وثائق حول التدخّل الروسي في الانتخابات الأمريمكية لعام 2016، أدينت بخمس سنوات سجنا، فيما لا يزال جوليان أسانج مهددا بتسليمه إلى الولايات المتحدة بتهم تصل عقوبتها إلى 175 سنة، وقضية “لوكس ليك”، وهي فضيحة مالية دولية كبرى كشفت في عام 2014 عن اتفاقيات ضريبية سرية بين حكومة لوكسمبورغ ومئات الشركات متعددة الجنسيات في أوروبا، انتهت بإدانة قضائية رغم ما كشفته من حقائق مالية صادمة.
هذه السوابق تؤكد أن القضاء في الديمقراطيات يميز بدقة بين المصلحة العامة في معرفة الحقيقة وبين مبدأ حماية الأسرار المشروعة وسلامة الأشخاص والمؤسسات، وأن شرعية النشر لا تُفترض تلقائيا بمجرد وجود فساد أو انحراف مفترض.
لذلك، حين يلجأ صحافي إلى كشف تسجيل سري، فإن هذا لا يمثل لحظة بطولة قابلة للتعميم، بل إعلان فشل مؤسساتي وأخلاقي عميق أجبره على كسر الاستثناء الأخير في مهنة الصحافة، أي سرية التداول الداخلي وحرمة الإجراءات القضائية والمهنية.
إن الديمقراطية الصحية هي التي تغني الصحافيين عن التسريبات بوجود قنوات قانونية فعّالة للمساءلة والتظلم، لا التي تدفعهم إلى المغامرة بالحرية والمهنة معا.
وحين نصبح أمام واقع لا يجد فيه المتضرر من الظلم طريقا عادلا داخل المؤسسات، فإن واجب المجتمع ليس تحويل التسريب إلى قاعدة، بل إعادة بناء الثقة في الآليات الرسمية التي كان من المفترض أن تجعل هذه التسريبات غير ضرورية أصلا.
ما يحدث حتى الان، مع احترامي وتقديري لجميع المبادرات والنوايا الحسنة، لا يوحي بحدوث الاختراق الإيجابي الذي ينبغي أن يحدث، بل سارع محترفو “الركوب” إلى ممارسة هوايتهم، وقفزت الكثير من الأجندات الصغيرة، والشخصية أحيانا، إلى الواجهة.
والواقع أن الإصلاح الشامل والجذري الذي يحتاجه إعلامنا، لا يمكن أن يحدث بتحرّك ولو كان جماعيا وكبيرا، لمنتسبين إلى المهنة، بل بمبادرات تعبّئ المجتمع وتستنفر الدولة وتحمّل الفاعلين السياسيين مسؤولياتهم.
دون ذلك جعجعات بلا طحين واستثمارات صغيرة لن تفيد المهداوي ولا الصالح العام.
هل يعقل أن نتعامل مع مشروع قانون يمهّد للمسخ المؤسساتي، تحمله حكومة بأحزابها الثلاثة والبرلمان بغرفتيه، دون أن يكون لنا حليف حقيقي واحد ولو من المعارضة؟
هل يعقل أن يمرّ كل هذا المسخ دون أن يقدم شخص واحد من داخل المؤسسة التشريعية على أكثر من تغيير المنكر باللسان والقلب؟
إن هذا المشروع، في حال استكماله المسطرة التشريعية سيظلّ وصمة عار في جبين كلّ من ينتسبون إلى مؤسستي الحكومة والبرلمان الحاليتين، بأحزابها وهيئاتها وأفرادها واحدا واحدا. وإلا ما الذي سيحصل في مُلك الله لو خرج رجل (أو امرأة)، رشيد(ة) برسالة يتركها للتاريخ، يعلن فيها رفضه هذا المسخ واستقالته من البرلمان؟
هناك وثيقة اسمها “أريوباجيتيكا”، وهو اسم المشتقّ من وثيقة “أريوياكيتيكوس” التي كتبها سقراط في القرن الخامس قبل الميلاد، يحفظها التاريخ لمثقف وأديب إنجليزي اسمه جون ملتون، صدرت منتصف القرن السابع عشر، وتتضمّن مرافعة راقية دفاعا عن حرية النشر. الوثيقة تعبّر عن رفض صاحبها لمشروع قانون عرض حينها على البرلمان البريطاني لفرض الترخيص والرقابة المسبقة على المطبوعات.
فلماذا يجبن سياسيون وبرلمانيونا عن موقف رمزي وبسيط يحفظ لنا الشعور بإنسانيتنا ويدخلهم للتاريخ من أوسع أبوابه، بدل الوقوف على أعتاب مزبلته؟
في نهاية المطاف، إنصاف حميد المهداوي يعني أن نعيد بناء الثقة، وأن نصلح ما تهدّم، وأن نقيم المؤسسات التي تجعل الحقيقة طريقا علنيا لا ممرّا سريا.
إنصاف حميد المهداوي أن نحول هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق نحو إعلام حرّ وقضاء مستقل وتنظيم ذاتي محترم.
إنصافه أن نمنع تكرار قصته.