إسماعيل حمودي يكتب: الحرب تختبر المغرب
دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران شهرها الثاني، دون أن تتضح بعد ملامح نهايتها، إذ في الوقت الذي تتحدث أطراف عن مفاوضات لتطويق الأزمة، ترتفع حدة المواجهات أكثر لتشمل أهدافا استراتيجية، وتستمر أمريكا في التحشيد العسكري استعدادا لهجوم بري محتمل. ومع استمرار الحرب، ترتفع حدة تداعياتها على الدول غير الأطراف فيها مثل المغرب.
فالمملكة، وإن كانت بعيدة جغرافيا عن ساحة المعارك، إلا أنه وبحكم موقعها داخل شبكة معقدة من التحالفات السياسية والاقتصادية، تبدو في وضع صعب، خصوصا إذا استمرت الحرب لمدة طويلة.
ومن خلال المواقف التي عبّر عنها في بداية هذه الحرب، يدرك المغرب أن موقعه الاستراتيجي لا يقوم على الجغرافيا فقط، بل على قدرته على التموقع داخل توازنات دقيقة، تجمع بين علاقاته الوثيقة بالولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج، مع انخراط متقدم في مسار التطبيع مع إسرائيل مقابل التزام تاريخي بالقضية الفلسطينية، وقد سمح له هذا التوازن ببناء صورة دولة برغماتية قادرة على التوفيق بين المصالح والمبادئ، غير أن الحرب الجديدة على إيران تضع هذه المعادلة تحت ضغط متزايد.
أولا، لأن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ليلة 28 فبراير 2026، قد أدى إلى زلزال استراتيجي في منطقة الخليج، التي تتحمل دولها طيلة هذه الحرب وطأة الرد الإيراني الذي يستهدف بشكل منهجي بنيتها التحتية للطاقة ومصالحها الاقتصادية، بينما لم تستشر ولم تعلم بقرار وتوقيت شن الهجوم، وهو زلزال قد تكون له تداعيات على العلاقات الخليجية الأمريكية لاحقا، سترتد على المغرب. ثانيا، أن المغرب إذ يسعى إلى الحفاظ على شراكاته الاستراتيجية، قد يجد نفسه في حال استمرار الحرب لمدة أطول في مواجهة ضغوط متراكبة أبرزها: الضغط الشعبي الذي يرفض استمرار التطبيع مع كيان عدواني، وفي الوقت الضغط الاقتصادي بسبب تقلبات أسواق الطاقة وسلاسل التوريد. فما التداعيات المتوقعة لهذه الحرب على المغرب؟ وكيف يمكن قراءة السلوك الرسمي في تدبيرها؟
تداعيات استراتيجية
تبدو تداعيات الحرب على إيران متعددة، خصوصا غير المباشرة منها. على المستوى الاستراتيجي، وهو الأكثر بروزا في هذا السياق، تبدو الحرب فرصة لاختبار السياسات المغربية إزاء مناطق جيوسياسية: منطقة الخليج، الفضاء الأطلسي الإفريقي، والفضاء الأوربي.
على الصعيد الأول، أي منطقة الخليج، تبدو التداعيات قوية، وذات تأثيرات مضاعفة، وربما تصير فوضوية أكثر في حال استمرت الحرب وتوسعت. في هذا السياق، ستكون السياسة الخليجية للمغرب على المحك والاختبار، ويبدو أنه يدرك ذلك، إذ يلاحظ أن المغرب كان سبّاقا إلى التعبير عن تضامنه الصريح مع دول الخليج ضد الهجمات الإيرانية التي تعرضت لها، وهو موقف متوقع منه بالنظر إلى مواقف دول الخليج العلنية والمسبقة والرافضة لأي عدوان على إيران، وأيضا بسبب متانة العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي.
المغرب، وإن لم تكن له أي اتفاقات دفاع مشترك معلنة مع دول الخليج، فهو ملتزم تاريخيا بالدفاع عن “الأراضي المقدسة”، سواء كان التهديد عربيا(العراق) أو كان من إيران وحلفائها (جماعة الحوثي في اليمن). كما تعد الحرب القائمة حاليا ضد إيران فرصة لاختبار علاقاته والتزاماته بالدول الغربية؛ فمن وجهة نظر مغربية، ربما تكون هذه الحرب نافذة فرصة لتعزيز موقعه كشريك استراتيجي موثوق، سواء بالولايات المتحدة أو أوربا، خصوصا وأننا في مرحلة تاريخية تتزايد فيها حاجة الدول إلى حلفاء مستقرين وموثوقين.
أما من وجهة نظر غربية، فقد تكون هذه الحرب فرصة لهم أيضا لاختبار مدى التزام وصدقية المغرب في خياراته ووفائه تحالفاته، ويبدو أن المطالب المتعلقة منه فيما يخص الأمن البحري في معبر جبل طارق تندرج في هذا السياق.
ويكتسب هذا البعد بالنسبة للمغرب، أيضا، أهمية خاصة في ظل ارتباط بعض الملفات الاستراتيجية، وعلى رأسها قضية النزاع الصحراء المغربية، بطبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الغربية الأخرى. خصوصا في مرحلة حساسة يعبر منها هذا النزاع على صعيد مجلس الأمن الدولي، إذ تجري مفاوضات معلنة وسرية حول كيفية تنفيذ القرار الأممي 2797 لأكتوبر 2025. ومن المتوقع أن يظهر المغرب التزامه بكل تعهداته وإلى أقصى حدد ممكن، لأن أي ارتباك في المواقف قد يستغل من خصوم وحدته الترابية، وعلى رأسهم الجزائر.
غير أن مثل هذه الفرص تبقى مشروطة، إذ أن أي اضطراب كبير في موازين القوى الدولية، كأن تنخرط الصين روسيا في الحرب إلى جانب إيران، قد ينعكس سلبا على الأمن والسلم الدوليين، وهي تطورات محتملة، وإن حصلت قد تحد أكثر من قدرة الدول المتوسطة مثل المغرب على المناورة.
هناك سؤال أساسي يطرح في فضاءات النقاش العمومي في الخليج، محوره أن دول الخليج ربما تشعر بإهانة استراتيجية جرّاء حرب حسمت دون استشارتها، ثم شنّت من داخل حدودها على دولة جارة هي إيران، وهو وضع يبدو أنه ولّد لدى دول الخليج شعورا عميقا بانعدام الثقة مع واشنطن، ربما باتت عواصم تلك الدول تنظر إليها الآن كشريك لا غنى عنه، لكنه خطير في آن واحد: شريك يستغل قواعد الخليج، دون تقديم ضمانات الحماية الموعودة. والسؤال: كيف سيتصرف المغرب إزاء أي محاولة خليجية للافتكاك من النظام الأمني الأمريكي في الشرق الأوسط الذي يظهر أنه موجود لحماية إسرائيل لا أكثر؟
في هذا السياق، يبدو أن هناك إعادة تقييم استراتيجي متسارع، أحد مخرجاته لحد الآن طرح فكرة إنشاء بنية مؤسسية أمنية بين دول الخليج والمغرب والأردن ومصر. وهي فكرة طرحت بشكل رسمي في الاجتماع الوزاري المشترك بين مجلس التعاون الخليجي والمغرب، ليوم 12 مارس 2026، أي خلال الأسبوع الثاني للحرب، وهو اجتماع تميز بحضور الأردن ومصر، وجرت خلاله الدعوة إلى “تسريع اعتماد آليات عملية” لضمان أمن وسيادة الدول العربية، وقد أسفر الاجتماع بالفعل عن اتفاق مبدئي لإنشاء مجلس تعاون عربي بعضوية دول الخليج والمغرب والأردن، مزود بقوة عسكرية متكاملة، وهي خطوة تعبر عن توجه عربي لإعادة هيكلة النظام الأمني الإقليمي في المنطقة بعد الحرب.
لا شك أن توجها مثل هذا قد يربك قليلا التوازنات المستقرة في السياسة الخليجية للمغرب، لأن إقامة بنية أمنية مع دول الخليج والأردن فقط، تتضمن التزامات دفاعية دقيقة ومتبادلة، وفي الوقت نفسه متوازنة في ظل اختلال كبير في القوة، قد تكون مجازفة غير محسوبة، خصوصا في منطقة متقلبة وتشهد حروبا مستمرة. كما أن الانخراط في بنية أمنية دفاعية مشتركة بين الدول الخليجية والمغرب والأردن، قد لا تحظى بموافقة أمريكية إسرائيلية، وقد تعتبر خروجا من النظام الأمني الأمريكي للشرق الأوسط، في مرحلة حساسة يشهدها النظام الدولي بسبب التمرد المتزايد للصين وروسيا على الهيمنة الأمريكية العالمية. علما أن أمريكا وإسرائيل تخوضان اليوم الحرب من أجل إعادة ضبط النظام الأمني نفسه، بإضعاف إيران أو ربما دمجها فيه إن أدت الحرب إلى تغيير النظام، ووضع الجميع تحت القيادة الأمريكية عالميا والإسرائيلية إقليميا. ويعني ذلك أننا إزاء تحولات هائلة، تقتضي من المغرب تعاملا دقيقا، خصوصا في مرحلة يسعى فيها إلى طي النزاع حول الصحراء في الإطار الأطلسي الإفريقي. وعموما، يبدو من مصلحة المغرب أن لا تفضي هذه الحرب إلى اختلال كبير في توازن القوى بمنطقة الشرق الأوسط، فهو كدولة متوسطة، لن يستفيد في حالة هيمنت إسرائيل على المنطقة، لأن ذلك يعني استقطابا جديدا بكل تأكيد، لكنه يستفيد أكثر من الاستقرار وتوازن في القوى.
اختبار للتوجه الأطلسي الإفريقي
يعد الفضاء الأطلسي الإفريقي المنطقة الجيوسياسية الثانية الأهم بالنسبة للمغرب، وهي منطقة لن تظل بعيدة عن تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. قد لا يكون ذلك بشكل مباشر أو موحد، بل عبر سلسلة من التأثيرات غير المباشرة التي تعيد تشكيل أولويات الدول الإفريقية وتحالفاتها وسلوكها الخارجي. وبحسب مراكز غربية مثل “تشاتم هاوس”، فإن فهم تلك التأثيرات على إفريقيا يمكن أن يحدث من خلال أربع ديناميكيات رئيسية مترابطة.
أول ما يتأثر هو إعادة ترتيب التحالفات الدولية داخل القارة. فمع تصاعد حدة الحرب، قد تسعى بعض الدول التي تعتمد على الدعم الغربي، سواء اقتصاديا أو أمنيا، إلى الاقتراب أكثر من المعسكر الأمريكي-الأوروبي، في محاولة لضمان استمرار المساعدات والاستثمارات. في المقابل، قد تميل دول أخرى، خصوصا تلك التي تتبنى خطاب السيادة أو تعاني من توترات مع الغرب، إلى تنويع شركائها، بما في ذلك الانفتاح على قوى مثل إيران أو تعزيز علاقاتها مع روسيا والصين. هذا لا يعني انقساما حادا جديدا في افريقيا، بل قد نشهد معالم سياسة إفريقية أكثر براغماتية وتعددية في الشراكات، حيث تحاول الدول الاستفادة من التنافس الدولي بدل الانخراط فيه بشكل كامل. التأثير الثاني يتعلق بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية الإفريقية. فتصاعد التوتر في الخليج ومضيق هرمز قد ينعكس بشكل غير مباشر على ممرات حيوية مثل باب المندب، خصوصا إن انضمت جماعة الحوثي في اليمن إلى هذه الحرب، وأي اضطراب في هذه المنطقة قد يؤثر على دول شرق إفريقيا، كما أن ارتفاع كلفة التأمين البحري والنقل يعني ضغوط اقتصادية أكبر على افريقيا. من هنا، قد تتحول الأزمة من صراع جيوسياسي بعيد إلى عامل مباشر في تكلفة المعيشة والتجارة داخل القارة.
أما التأثير الثالث فيتعلق بالطاقة والاقتصاد، وهو الأكثر وضوحا. فارتفاع أسعار النفط والغاز يخلق وضعا متباينا في إفريقيا، فالدول المصدرة للطاقة، مثل نيجيريا وأنغولا والجزائر، قد تستفيد من ارتفاع الأسعار عبر زيادة عائداتها، بينما تعاني الدول المستوردة، ومنها المغرب ومعظم دول غرب إفريقيا، من ارتفاع فاتورة الطاقة. هذا التفاوت يعمق الفجوة الاقتصادية داخل القارة، وقد يعيد ترتيب الأولويات. وفي كلتا الحالتين، تصبح الطاقة عاملا مركزيا في رسم السياسات الإفريقية خلال هذه المرحلة. في حين أن التأثير الرابع، وهو الأكثر عمقا على المدى المتوسط، يتعلق بتحول إفريقيا إلى مجال تنافس جيوسياسي مفتوح، إذ أن انشغال القوى الكبرى بالحرب في الشرق الأوسط، قد يدفعها إلى تأمين مواقع نفوذ بديلة أو داعمة، منها إفريقيا. ومن المتوقع أن تزداد حدة التنافس بين الولايات المتحدة من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى. والنتيجة تعميق حدة التنافس الجيوسياسي بين القوى الدولية داخل افريقيا.
في هذا السياق العام، يبرز المغرب كحالة خاصة داخل القارة. فهو من جهة مرتبط بالمعسكر الغربي، ومن جهة أخرى يراهن على عمقه الإفريقي لتعزيز حضوره الاقتصادي والسياسي. وقد تمنحه هذه الأزمة فرصة لتعزيز موقعه كشريك مستقر في غرب إفريقيا والساحل، خاصة في مجالات الأمن والاستثمار والطاقة المتجددة. غير أن هذا الدور يظل مشروطا بقدرته على الحفاظ على توازنه الداخلي، وعلى تقديم نفسه كفاعل موثوق لا ينخرط في الاستقطابات الحادة.
وتشكل أوربا الفضاء الجيوسياسي الثالث والأكثر أهمية للمغرب، ومن المؤكد أن القارة الأوربية تشكل منطقة جذب خاصة لكل الأزمات في العالم، بحيث أن أزمة في الشرق الأوسط أو أوراسيا أو افريقيا تمتد سريعا إلى أوربا، بحكم ارتباطها الوثيق بأسواق الطاقة العالمية، وبحركة التجارة الدولية. وبما أن أوروبا تمثل الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، ومصدر الجزء الأكبر من تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، فإن أي اضطراب هناك قد ينعكس، بشكل أو بآخر، على هذه التحويلات. لكن التأثير ليس قد لا يكون خطيا أو فوريا بالضرورة، بل يعتمد على عمق الأزمة ومدتها وطبيعة المرحلة التي يمر منها الاقتصاد الأوروبي نفسه.
لكن أول ما يتأثر في أوروبا هو سعر الطاقة، فالقارة تعتمد بشكل كبير على واردات النفط والغاز، وأي توتر في الخليج يرفع الأسعار سريعا، وقد لاحظنا كيف سارعت حكومات أوربية إلى التصديق على حزمة إجراءات للحد من تداعيات الحرب وارتفاع الأسعار. لأن ارتفاع أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل، ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج والنقل وتكاليف المعيشة، وقد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، وهو وضع غالبا ما تلجأ فيه الشركات إلى تقليص النفقات، وقد تتجه إلى تجميد التوظيف أو خفضه في بعض القطاعات.
هنا تبدأ الحلقة التي تهم المغرب مباشرة. فالمغاربة المقيمون في الخارج، خاصة في دول مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وألمانيا، يتركزون، غالبا، في قطاعات حساسة للدورات الاقتصادية، مثل البناء، والخدمات، والصناعة الخفيفة. هذه القطاعات تكون عادة أول المتأثرين بأي تباطؤ اقتصادي. فإذا ارتفعت البطالة أو تراجعت ساعات العمل، فإن دخل هذه الفئة يتأثر، وهو ما قد ينعكس على قدرتهم على تحويل الأموال إلى المغرب.
لكن في المقابل، هناك عنصر مهم يجعل التحويلات أقل هشاشة مما يبدو، وهو أنها لا تخضع فقط للمنطق الاقتصادي، بل أيضا لمنطق الروابط العائلية والتضامن الاجتماعي. فحتى في فترات الأزمات، يميل المهاجرون إلى الحفاظ على تحويلاتهم، بل أحيانا زيادتها لدعم أسرهم في بلد الأصل. وهذا ما يفسر أن تحويلات المغاربة، التي تتجاوز 120 مليار درهم سنويا، فقد أظهرت السنوات الماضية، خصوصا بعد فترة كورونا، نوعا من الصمود حتى في ظروف دولية صعبة. وعموما، يمكن القول إن تأثير الحرب على تحويلات المغاربة في الخارج يمر عبر الاقتصاد الأوروبي. ففي المدى القصير، من المرجح أن تظل هذه التحويلات مستقرة نسبيا بفضل الطابع الاجتماعي لها. أما في المدى المتوسط والطويل، فإذا استمرت الحرب على إيران وتوسعت لتشمل باب المندب واليمن مثلا، فقد تؤدي إلى تباطؤ اقتصادي، وبالتالي ارتفاع تكاليف المعيشة في أوروبا، وقد نشهد حينها تراجعا تدريجيا في تحويلات المغاربة بالخارج، لكن ليس انهيارا حادا مثلا.
ضغوط هائلة على الداخل
تبدو التأثيرات الأكثر وضوحا على المغرب، منذ الأسبوع الأول لهذه الحرب، في المجال الطاقي، الذي يشكل نقطة ضعف بنيوية في الاقتصاد المغربي. فالمغرب يستورد ما يقارب 90% من حاجياته من الطاقة، وهو ما يجعله شديد التأثر بتقلبات الأسواق العالمية. وقد أعدت الحكومة قانون المالية لسنة 2026 على فرضية سعر نفط في حدود 65 دولارا للبرميل، غير أن الأسعار تجاوزت خلال الأسبوع الثاني من الحرب مستوى 90 دولار للبرميل، ما أدى إلى ارتفاع كبير في كلفة الواردات الطاقية. وتشير التقديرات إلى أن فاتورة الطاقة قد تصل إلى نحو 14.5 إلى 15 مليار دولار في 2026، مقارنة بحوالي 11.5 مليار دولار في 2025، وهو فارق يعكس حجم الضغط الذي يمكن أن تمارسه الأزمة على التوازنات المالية للمملكة.
هذا الارتفاع لا ينعكس فقط على الميزان التجاري، بل يمتد إلى مختلف حلقات الاقتصاد، من كلفة النقل إلى أسعار المواد الأساسية، مما يخلق تأثيرا متسلسلا يصعب احتواؤه بسرعة. ومع ذلك، لا يعد المغرب فاعلا سلبيا بالكامل، إذ نجح في رفع حصة الطاقات المتجددة إلى حوالي 40% من القدرة الكهربائية المركبة، مع هدف بلوغ 52% بحلول 2030. غير أن هذه الإنجازات، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية لتقليص التبعية بشكل جذري في المدى القصير، ما يجعل من تسريع الانتقال الطاقي ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار تنموي.
على الصعيد الاقتصادي الأوسع، تبدو الصورة أكثر توازنا، حيث يتوقع أن يسجل الاقتصاد المغربي نموا في حدود 4.4% خلال 2026، بحسب توقعات البنك الدولي، بعد تحقيق حوالي4.9% في 2025، مدعوما هذه السنة بتحسن في الإنتاج الفلاحي واستمرار الاستثمارات العمومية. كما ينتظر أن يبقى التضخم في مستويات معتدلة نسبيا، تتراوح بين 2.5% و3.5%، بحسب توقعات البنك الدولي دائما، رغم الضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة. لكن كل تلك هذه المؤشرات التي تبدو إيجابية لا شك أنها تخفي تحديات حقيقية، من بينها اتساع عجز الحساب الجاري إلى نحو 3.3% من الناتج الداخلي الإجمالي، وبلوغ عجز الميزانية حوالي 3.4%، إضافة إلى استمرار معدل البطالة في حدود 12 إلى 13%، مع مستويات أعلى بكثير في صفوف الشباب، تتجاوز في بعض الحالات 30%.
في هذا السياق، تبرز بعض عناصر التوازن داخل الاقتصاد المغربي، من بينها تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، التي تتجاوز سنويا 120 مليار درهم، إضافة إلى عائدات السياحة التي باتت تناهز 100 مليار درهم في السنوات الأخيرة. وتشير بعض التقارير إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه قطاع الفوسفاط في توازن الاقتصاد المغربي جراء هذه الحرب، إذ يعد المغرب من بين أكبر المصدرين عالميا، وقد يستفيد من ارتفاع الطلب العالمي على الأسمدة. وبالفعل، فقد تلقى دعوة مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية للرفع من الإنتاج قصد تعويض النقص الذي قد يحصل في الأسواق الدولية نتيجة الحرب وتداعياتها على دول منتجة أخرى مثل السعودية، غير أن هذه الاستفادة قد تظل نسبية، بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج المرتبطة بالطاقة مرة أخرى.
أما التحدي الأكبر لهذه الحرب فهو اجتماعي أساسا، لأن كل الضغوط الاقتصادية المتوقعة على المغرب قد تنعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، وقد رأينا كيف أن الحكومة فعّلت الزيادة المباشرة في أسعار الوقود بدرهمين دفعة واحدة، وقد ترتفع إلى أربع دراهم إن استمرت الحرب لفترة أطول، دون أي إجراءات أخرى للتخفيف ولو مؤقتا من تداعيات هذه الأزمة على القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار وفشل الحكومة في خلق فرص الشغل التي وعدت بها في برنامجها الحكومي. ويعني ذلك أن الفئات الهشة والمتوسطة تبقى الأكثر تأثرا جراء هذه الحرب، ومن المحتمل أن قد يؤدي ذلك إلى زيادة الإحساس بالضغط المعيشي، خاصة إذا استمرت الحرب لفترة طويلة. ومع بطالة شبابية مرتفعة، يصبح أي تدهور إضافي في الوضع الاقتصادي قابلا للتحول إلى مصدر توتر اجتماعي، وإن كان المغرب لا يزال يحتفظ بهامش من الاستقرار يسمح له باحتواء هذه الضغوط نسبيا.
عموما، يظل العامل الحاسم في مثل هذه الأزمات داخليا، مرتبطا بقدرة المغرب على الحفاظ على توازنه بين متطلبات الخارج وضغوط الداخل. فالأزمات الكبرى لا تختبر فقط قوة الدول في الخارج، بل أيضا تماسكها في الداخل. وفي هذا السياق، يبدو المغرب أمام تحد مزدوج: مواجهة تداعيات أزمة عالمية لا يتحكم في مسارها، وفي الوقت نفسه الحفاظ على استقراره الاجتماعي والاقتصادي. وبين هذين البعدين، يتحدد مستقبل موقعه في عالم يتغير بسرعة، حيث لم تعد القوة تقاس فقط بما تملكه الدول من موارد، بل أيضا بقدرتها على إدارة الأزمات وتحويلها إلى فرص دون الإخلال بتوازنها الداخلي.