أبو زيد: تصريحات لشكر حول القضية الفلسطينية شاردة وتؤكد شرود الاتحاد الاشتراكي

لا زال صدى تصريحات الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ادريس لشكر حول القضية الفلسطينية يثير موجة من الاستنكار من طرف بعض رموز حزب “الوردة” والمتعاطفين معه، معتبرين أن ما قاله لشكر لا يمثل المواقف التاريخية للحزب ولا يعكس قيمه ومبادئه التي ناضل من أجلها لعقود، وقدم فداء لها تضحيات جسيمة دفاعا عن الحق وعن القضايا العادلة.
وجاءت تصريحات ادريس لشكر المنتقدة لفصائل المقاومة الفلسطينية، في معركتها الوجودية مع الاحتلال الإسرائيلي، في سياق سياسي حساس، حيث تتعاظم مشاعر التضامن الشعبي في المغرب وباقي دول العالم مع القضية الفلسطينية ضد الانتهاكات المستمرة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في حق المدنيين الفلسطينيين بقطاع غزة المحاصر منذ 18 سنة، ما جعل تصريحات لشكر تبدو، في نظر منتقديه، خروجًا عن الخط النضالي الذي لطالما تبناه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وفي هذا الصدد، تقول القيادية بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والبرلمانية السابقة حسناء أبو زيد، إنه “لا يمكن أن يُعتد برأي شارد عن مرجعية الحزب الذي يقود ولا يستند إلى مجهود علمي وبحثي في قضية تشغل العالم والإعلام والباحثين، وبمسؤول أول لا يستطيع ضمان استجابة منخرطي الحزب في مسيرة للدعم أو التنديد، ومسؤول لا يستطيع أن يُقدر معنى أرواح تُزهق من أجل قضية، بعد فشل اتفاق أسلو واعتراف السلطة الفلسطينية بفشلها والمحاولات الحثيثة لإيجاد حلول داخلية، ومسؤول حزبي يعتبر التنديد الشعبي في الفضاءات العامة مجرد صراخ وصياح في الساحات، ضد دروس التاريخ القريب والبعيد”.
وأضافت أبو زيد، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن ما قاله ادريس لشكر حول تقييمه لما حدث في السابع من أكتوبر 2023، “رد فعل شخصي لمتتبع يشاهد أحيانا ما ينقله الإعلام حول المجازر الاسرائيلية ضد أهل غزة، ولا يرقى لموقف حزب ولا لرسالة مؤسسات حزبية قائمة الذات، فاعلة وعالمة”.
ولفتت المتحدثة إلى أن الحزب بات “شبه خال من الأطر ومن الأكاديميين والباحثين”، منتقدة تقاعس الكاتب الأول عن تنظيم لقاءات فكرية مع مختصين “ليستوعب التحولات الكبرى والعميقة التي يشهدها النظام العالمي بعد أن قررت المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس أن تقاوم قتل النظام العالمي للقضية الفلسطينية بموجات من الشهداء الأبرار”.
ويرى بعض المعارضون لموقف لشكر أن الحزب، الذي طالما رفع شعار الدفاع عن القضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، لا يمكنه بأي حال من الأحوال التماهي مع مواقف لا تنسجم مع تاريخه النضالي ومبادئه العريقة.
وفي ذلك، توضح أبو زيد، التي ترى أن الحزب تحت قيادة ادريس لشكر أصبح يعيش حالة اغتراب مرجعي، سياسي وأخلاقي وتنظيمي، “أن الأمر في اعتقادي يتعلق بمسألتين أساسيتين تظهران بقوة، أولا في الإدلاء برأي لا يرقى لموقف في مسألة المقاومة الفلسطينية، والثانية المتعلقة بالخط السياسي الناظم لسعي الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للسلطة”.
ومن جهة أخرى تضيف أبو زيد أن الأمر يتعلق أيضا “بمحاولة اصطفاف داخلي إلى جانب من يرى أنه قد يسجل ربحا سياسياً وانتخابيا وربما شخصيا من خلال إثبات ليونة أخلاقية اتجاه كيان قاتل ينسف ما بقي من حدود أخلاقية وانسانية على مستوى المؤسسات الدولية”، مبرزة أن هذا الاصطفاف “يحاول تحوير قرار الدولة المغربية بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام وباصطناع رضا واقتناع من جانب النخبة السياسية والفكرية وافتعال احتضان شعبي وثقافي لها، والمرور إلى مرحلة التكسب السياسي والمصالحي ضد إدارة الدولة المغربية ورئيسها”.
وفي هذا الإطار، ذهب عدد من القياديين والمناضلين داخل حزب “الوردة” إلى اعتبار تصريحات لشكر انحرافًا عن المسار الذي رسمه قادة الحزب السابقون، مؤكدين أن القضية الفلسطينية كانت دائمًا ركنًا أساسيًا في عقيدة الحزب السياسية والتزامه الأممي.
“المسألة الثانية، وهي الفكرة التي تحرك تصريحات الاستاذ إدريس لشكر والتي لا أعرف هل يمكن أن يتحملها حزب يعيش في غير ثوبه وغير عقله وغير حمولته الجينية، وهي فكرة السعي إلى السلطة بدون مشروع إصلاحي، بل دون مشروع، ولا رهان ولا شرط أو التزام، بل بغاية واحدة وهي المشاركة في الحكومة، أي حكومة وكل حكومة.. ومع الجميع وبدون شروط مرجعية …؟”، تقول حسناء أبو زيد.
وفي هذا الجانب، استهجنت القيادية الاتحادية بعض القرارات والمواقف التي اتخذها الكاتب الأول في إدارته لشؤون الحزب، موضحة أنه يقوم بذلك “بدون تصورات واضحة”، وذلك من قبيل ما قيل عن المعارضة مثلا، “فهو يمارس المعارضة بهدف المشاركة مع من يعارض وليس بهدف أن يكون بديله، وهنا مكمن الخطورة، لأنه يُفقد المواطن المغربي معنى ممارسة المعارضة، إذ تتحول المعارضة إلى عملية ابتزاز وسمسرة سياسية، مادامت لا تستند إلى مشروع أو بدائل أو توجهات مغايرة، أو تصورات واضحة”.
وتبعا لذلك، تردف أبو زيد أن هذا الأمر “يقوي مرجعية حكومة المصالح هاته، من خلال توثيق زواج المال بالقيم، ولا يجب تماما الاستهانة بأثر هاته الممارسات على المواطنين وعلى الشباب بالخصوص”، مستحضرة في هذا السياق “أزمة طلبة الطب بدروسها وآلامها وهجرة الأدمغة والسواعد والكفاءات بل والهجرة الداخلية داخل الحدود والانعزال عن الشأن العام”.
واعتبرت الفاعلة السياسية أن طريقة إدارة ادريس لشكر لشؤون الحزب، إنما هو “اجتهاد فقط من أجل الانخراط في قواعد العمل الحزبي وتدبير الشأن السياسي الغالب في بلادنا”، مشيرة إلى أن “ما يعيق عملية الانخراط هاته بل ويظهرها هجينة وغير ذكية هو عدم استيعابه لمفهوم ” التنافي الوراثي والمناعي ” (imcompatibilité genetique) لحزب الاتحاد الاشتراكي حيال هذا الصنف من ممارسة الشأن العام، أي ممارسة السياسة بدون مشروع ولا تصور اصلاحي ديمقراطي”.
وخلصت المتحدثة إلى أن هذا الأمر “أضعف الاتحاد الاشتراكي تاريخيا وعسر مساره وعمق كبواته، وهو أيضا ما يجب أن يساهم في بلورة وريث سياسي وحزبي معافى يتجدد من خلاله المشروع السياسي والفكري للاتحاد الاشتراكي ويصحح مساره من خلاله تماشيا مع فلسفة التاريخ”.
وفي غضون ذلك، تعالت أصوات عدد من رموز حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، “لمراجعة هذه التصريحات وتصحيح مسار الخطاب الرسمي”، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات متسارعة تستدعي وضوحًا في المواقف وتماسكًا في الرؤية، بعيدًا عن أي تأويل قد يُفهم على أنه تخلي عن المبادئ أو خضوع لإملاءات خارجية.
وكان الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ادريس لشكر قد هاجم، في لقاء صحافي، الأربعاء الماضي بمقر الحزب بالرباط، حركة المقاومة الفلسطينية -حماس-، على خلفية عملية “طوفان الأقصى” التي أطلقتها الحركة يوم 7 أكتوبر 2023، ردا على الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة ضد الفلسطينيين لعقود طويلة، محملا الحركة مسؤولية ما يحدث الآن في غزة كونها اتخذت القرار بمعزل عن السلطة الفلسطينية.