الماستر ورقابة مجلس الحسابات.. أبرز مستجدات قانون المحاماة الجديد
إثر صدور “مشروع القانون” رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة بالجريدة الرسمية، يوم 20 غشت 2026، ليصبح قانونا ملزما للمخاطبين به، انتقلت المهنة من مرحلة النقاش والاختلاف الحاد بين الحكومة، ممثلة في وزارة العدل، وجمعية هيئات المحامين بالمغرب حول مقتضيات النص، إلى مرحلة جديدة عنوانها الاختبار الفعلي لمستجدات قانون المحاماة الجديد.
ولا يكتفي القانون الجديد بإعادة ترتيب عدد من القواعد المؤطرة لممارسة مهنة المحاماة، بل يعيد رسم مسارات الولوج والتكوين والتمرين، ويستحدث آليات جديدة للرقابة والتتبع المالي والمهني، ويعيد تنظيم العلاقة بين المحامي وموكله.
وفي هذا الإطار، وضع القانون الجديد حدا لامتحان ولوج المهنة باعتماد نظام المباراة، وهو ليس مجرد تغيير لفظي، وإنما تعديل عميق في فلسفة الولوج إلى ممارسة مهنة الدفاع؛ إذ انتقل المشرع من منطق السماح لكل مترشح نجح في اجتياز الامتحان بالحصول على شهادة الأهلية، إلى منطق المباراة المبني على الاستحقاق والعدد المحدد سلفا لولوج معهد تكوين المحامين.
الماستر بدل الإجازة..
ومن المستجدات التي تتصدر مقتضيات القانون الجديد للمحاماة، اشتراط أن يكون المترشح لمباراة ولوج المعهد حاصلا على شهادة الماستر، أو الماستر المتخصص، أو دبلوم الدراسات العليا المعمقة أو المتخصصة في العلوم القانونية، أو شهادة معترف بمعادلتها لها؛ بينما كان القانون القديم رقم 28.08 لا يشترط إلا أن يكون المترشح لاجتياز الامتحان حاصلا على شهادة الإجازة في العلوم القانونية أو شهادة معترف بمعادلتها لها.
ولم يتوقف التغيير عند الشهادة الجامعية، بل جاء القانون بتفاصيل جديدة تخص مرحلة ما قبل ممارسة المهنة؛ إذ إن الناجح في مباراة ولوج معهد تكوين المحامين يكتسب صفة الطالب فقط، ويقضي بهذه الصفة سنة كاملة بالمعهد يتلقى خلالها تكوينا أساسيا للحصول على شهادة الكفاءة، تؤهله لولوج مرحلة التمرين.
وبذلك، لم تعد الطريق إلى ممارسة هذه “المهنة الحرة” تمر فقط عبر الشهادة الجامعية وشهادة الأهلية، وإنما أصبحت قائمة على مباراة وتكوين مؤسساتي متخصص.
أما مرحلة التمرين، فقد أعيد تنظيمها بدورها؛ حيث حددتها المادة 7 في 24 شهرا، منها 20 شهرا بمكتب محام، وأربعة أشهر في إدارة، أو مؤسسة عمومية، أو شخص من أشخاص القانون العام، أو مقاولة عمومية في مجال له صلة بالمهنة.
وفي هذا الصدد، لا بد من الإشارة إلى أن القانون نص على بعض الاستثناءات في المادتين 12 و13، تخص بعض قدماء القضاة، وبعض المحامين الأجانب، وبعض قدماء المحامين الذين انقطعوا عن ممارسة المهنة، وبعض الأساتذة الجامعيين، وبعض موظفي هيئة كتابة الضبط.
إلزامية التكوين المستمر..
ومن المستجدات البارزة في القانون الجديد، نجد إقرار التكوين المستمر كالتزام مهني صريح؛ إذ إن المادة 41 تلزم المحامي بالخضوع لهذا النوع من التكوين وفق برنامج سنوي يعده المعهد.
وفي الإطار ذاته، تلزم المادة 42 المحامي المقبول للترافع أمام محكمة النقض (باستثناء النقباء وقدماء المستشارين بمحكمة النقض والمحامين العامين لديها) بإثبات استفادته من 20 ساعة على الأقل من التكوين سنويا.
واعتبر القانون، في المادة 43، أن الإخلال بهذا الالتزام دون عذر مشروع يعد مخالفة مهنية، وهو ما يعني أن التكوين المستمر انتقل من مجال التطوير المهني الاختياري للمحامي إلى مجال الالتزام القانوني الذي يمكن أن تترتب على مخالفته آثار مهنية.
وفي سياق متصل، سجل القانون الجديد مرونة في شرط الأقدمية المطلوبة للترافع أمام محكمة النقض؛ إذ تم تخفيض المدة من 15 سنة في القانون السابق إلى 10 سنوات فقط.
وعمل المشرع، من خلال المادة 39 من القانون الجديد، على تطويق هذا التخفيض في عدد السنوات باشتراط خضوع المحامي لتكوين خاص تشرف عليه السلطة الحكومية المكلفة بالعدل وتحدد كيفياته بنص تنظيمي.
آليات الرقابة السنوية..
وفيما يتصل بالشق المالي، يضع القانون الجديد آليات رقابية دورية تجعل الوضعية المهنية والمالية للمحامي خاضعة للتتبع المستمر بصفة فردية؛ إذ ألزمت المادة 23 المحامي، في مقتضى تنظيمي غير مسبوق، بأن يقدم للنقيب في الأسبوع الأول من شهر يناير من كل سنة إثباتات سنوية محددة.
وتشمل هذه الإثباتات، وفق القانون، مكان ممارسة المهنة، وطريقتها، وأداء الواجبات المالية، وتوفره على تأمين المسؤولية المدنية.
وفي الإطار ذاته، ألزمت المادة 23 المحامي، تحت طائلة المساءلة التأديبية، إشعار النقيب بكل تغيير يطرأ على وضعيته داخل أجل خمسة عشر (15) يوما من تاريخ حدوثه، مع إقرار واجب إضافي ومستجد يلزم النقيب بإشعار الوكيل العام للملك بهذا التغيير داخل الأجل نفسه.
وإذا كان التأمين المهني ليس فكرة مستحدثة بالكامل، حيث كان القانون السابق رقم 28.08 يسنده كاختصاص جماعي لمجلس الهيئة بموجب البند 4 من المادة 91، فإن تحويله في المادة 23 إلى واجب إثبات فردي سنوي يقع على كاهل المحامي شخصيا يمثل مستجدا في قواعد التتبع والمراقبة المهنية.
وفي السياق نفسه، وسّع القانون الجديد في المادة 74 نطاق المراقبة السنوية لمكاتب المحامين؛ إذ كانت المراقبة في المادة 56 من القانون السابق تنصب حصرا على الشق المالي (تحقيق الحسابات والودائع)، فيما أصبحت المادة 74 تشمل أيضا التحقق من مدى احترام النصوص التشريعية والتنظيمية المنظمة للمهنة.
وأوجب النص الجديد على النقيب إشعار الوكيل العام للملك والمحامي المعني بنتائج المراقبة في جميع الأحوال، بخلاف القانون السابق الذي كان يقصر واجب إشعار الوكيل العام بالنتائج على الحالة التي يتم فيها التحقيق بناءً على طلب الوكيل العام.
رقابة مجلس الحسابات..
وفي مستجد مالي ورقابي لافت، نصت المادة 76 من القانون الجديد على إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، بما يوسع نطاق الرقابة على العمليات المنجزة عبر هذا الحساب، ويعزز متطلبات الشفافية والحكامة المالية داخل المهنة.
ويكتسي تنظيم هذا الحساب أهمية خاصة ضمن مستجدات القانون رقم 66.23، علما أنه ليس نظاما مستجدا؛ إذ سبق للقانون رقم 28.08 (ولا سيما المادة 57 منه) أن نظم حساب ودائع وأداءات المحامين.
وعليه، فإن المستجد، وفق القانون، يتعلق أساسا بتعزيز الإطار الرقابي؛ إذ أعادت المادتان 75 و76 تنظيم هذا الحساب، ونصتا صراحة على خضوعه لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، بما يشمل، في حدود الاختصاصات المخولة له، مختلف العمليات المرتبطة به من إيداع وسحب وتحويل وأداء، فضلا عن تتبع الأرصدة والفوائد والمصاريف.
وفي الاتجاه ذاته، ألزمت المادة 72 بألا يتم أداء الأتعاب التي تتجاوز قيمتها عشرة آلاف (10.000) درهم نقدا، وإنما عبر الشيك أو إحدى وسائل الأداء الإلكترونية، كما أوجبت تضمين الوصل المسلم للموكل الرقم التعريفي الضريبي للمحامي.
وتكشف هذه المقتضيات مجتمعة عن توجه تشريعي نحو تشديد الرقابة المالية والمعاملات المرتبطة بمهنة المحاماة، وتعزيز قابلية تتبع التدفقات المالية وتوثيقها، مع تقليص نطاق التعاملات النقدية (الكاش).
الاحتفاظ بتكليف مكتوب..
وضمن المستجدات أيضا، أقر القانون الجديد مقتضيات أكثر تفصيلا لتنظيم العلاقة بين المحامي وموكله؛ إذ ألزمت المادة 54 المحامي بالاحتفاظ بـ”تكليف مكتوب”، ورقيا أو إلكترونيا، يتضمن بيانات إلزامية تتعلق بهوية الطرفين وكيفية أداء الأتعاب.
ويبرز أحد أهم مستجدات قانون المحاماة الجديد في المادة 55، التي رتبت جزاء قانونيا على عدم توفر هذا التكليف أو نسخة من محضر الإقرار القضائي بالنيابة، يتمثل في “سقوط حق المحامي في الأتعاب أو في المنازعة بشأنها” بحسب الحالة.
وبالموازاة مع ذلك، نصت المادة 57 صراحة على إمكانية الاتفاق بين المحامي وموكله على أتعاب إضافية، بالنظر إلى المجهودات المبذولة.
وفيما يتصل بمنازعات الأتعاب، أدخلت المادة 58 تغييرا على مستوى الجهة المختصة بالنظر في الطعن؛ فبينما كان القانون السابق في مادته 96 يسند البت في الطعون المرفوعة ضد قرارات النقباء إلى الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بصفته الولائية، جعل القانون الجديد هذا الاختصاص من اختصاص غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف المختصة، بما ينقل النظر في الطعن من اختصاص فردي إلى هيئة قضائية جماعية.
*المحفوظ طالبي