story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

وُعّاظ الوهم!

ص ص

مثير للشفقة حقا هذا الإصرار على استصغار عقول المغاربة، ومحاصرتها كل مرة بذرائع رثة تُقدَّم في هيئة “حكمة استراتيجية”، من قبيل أن سقوط النظام الإيراني الحالي سيجلب للمغرب مكاسب سياسية كبرى، دون أن يتفضل علينا أصحاب هذا المنطق بشرح بسيط يوضح لنا حجم مساهمة إيران أصلا، مقارنة بالجزائر وليبيا وبعض الحواضن البعيدة في أوروبا وأمريكا اللاتينية، في خلق ورعاية وتسليح وتمويل جبهة البوليساريو؟ وأين تقاطعت السيوف المغربية والإيرانية، وأين اشتبكت البنادق والحدود والمصالح الحيوية، حتى يُطلب من المغرب أن يتنصل دفعة واحدة من كل ما راكمه عبر تاريخه الحديث من انضباط لمبدأ سيادة الدول، واحترام الشرعية الدولية، وحصانة الدبلوماسيين، وحرمة الحدود، ووحدة التراب الوطني للدول؟

ثم أيّ منطق هذا الذي يريد إقناعنا بأن الوقوف، ولو بالصمت أو التبرير، مع عدوان ينسف هذه المبادئ نفسها، هو عين الذكاء السياسي لا عنوان الانزياح عنه؟

قبل أن يواصل أصحاب هذا الخطاب عرض أوهامهم الرخيصة، يجدر بالقارئ أن يُنصت قليلا إلى عيّنة من الأصوات القادمة من قلب النواة الصلبة للمنظومة الغربية نفسها، من واشنطن إلى العواصم الأوروبية، بل وحتى إلى الحلفاء الخليجيين الذين يتلقون نار الحرب يوميا، لكنهم ما زالوا يرفضون، رغم الجراح والضغط، السقوط في الفخ الأميركي الإسرائيلي والدخول في حرب لا رابح فيها مع إيران.

جو كِنت:

نبدأ من واشنطن نفسها، حيث لم يكن جو كنت مجرد موظف عابر ضاق صدره بأسلوب الإدارة، بل كان الرجل الأعلى مرتبة في ملف مكافحة الإرهاب داخل إدارة ترامب، أي في الموقع الذي يُفترض فيه أنه الأكثر التصاقا بمنطق “التهديد الوشيك” الذي تُبنى عليه مثل هذه الحروب. لذلك كانت استقالته أخطر من مجرد خلاف إداري، بعدما حوّلها إلى لائحة اتهام كاملة للحرب نفسها، وقال إنه لا يستطيع، بوازع من ضميره، دعمها، لأن إيران لم تكن تشكل تهديدا وشيكا للولايات المتحدة، ولأن اندلاع الحرب جاء، في تقديره، بفعل ضغط إسرائيلي ولوبياته أكثر مما جاء استجابة لضرورة دفاعية أميركية مباشرة. خطورة هذا الموقف لا تكمن فقط في مضمونه، بل في صدوره من رجل يوجد في نقطة تقاطع الأمن والاستخبارات والتبرير السياسي للحرب؛ أي من قلب الجهاز الذي يفترض فيه أن يمنحها شرعيتها، فإذا به ينسحب منها ويجرّدها من أساسها الأخلاقي والأمني في آن واحد.

كير ستارمر:

في بريطانيا، الحليف التاريخي لأمريكا في مغامراتها الدموية، قد يبدو ر/ئيس الوزراء كير ستارمر أقل اندفاعا في اللغة وأكثر ميلا إلى التحفظ المحسوب، لكن جوهر موقفه لم يكن ملتبسا. لندن لا تريد أن تُجرّ إلى حرب لم تُستشر فيها، ولا أن تتحول إلى ملحق عسكري في مغامرة لا تملك تعريف أهدافها ولا التحكم في مآلاتها. ما يبرز من الموقف البريطاني، كما عكسته التغطيات الغربية نفسها، هو أن الحكومة رأت بوضوح أن القرار الأميركي الإسرائيلي اتُّخذ من فوق رؤوس الحلفاء، وأن الخطة السياسية غامضة، وأن بريطانيا تفضّل الاشتغال، مع الأوروبيين، على ترتيبات مستقلة لتأمين الملاحة وإدارة المخاطر بدل الانخراط في الحرب نفسها. بهذا المعنى، لم يكن رفض ستارمر مجرد تحفظ تكتيكي أو هروب من الكلفة، بل تعبيرا عن قناعة بأن الاندماج في حرب من هذا النوع سيكون انتحارا استراتيجيا أكثر منه تضامنا أطلسيا.

فريدريش ميرتس:

أما في ألمانيا، فقد اختار المستشار فريدريش ميرتس أن يقول ما لم يجرؤ كثيرون على قوله بهذه الصراحة: ألمانيا لن تشارك في الحرب على إيران، رغم اندفاع برلين القوي ضد طهران في البداية. لم يوارب الرجل، ولم يختبئ وراء العبارات الدبلوماسية الفضفاضة، بل علّل موقفه بأن برلين لا تملك تفويضا من الأمم المتحدة ولا من الاتحاد الأوروبي ولا من الناتو، وبأن واشنطن وتل أبيب لم تستشيرا ألمانيا أصلا قبل البدء في العمليات. وحين يصدر هذا الكلام من رأس السلطة التنفيذية في أكبر اقتصاد أوروبي، فهو لا يكون مجرد رأي في التوقيت أو في الوسيلة، بل يتحول إلى حكم سياسي واضح على أصل المغامرة نفسها، أي حرب بلا تفويض أو غطاء من الشرعية، وبلا تشاور، وبلا أفق مقنع.

إيمانويل ماكرون:

في فرنسا، جاء موقف الرئيس إيمانويل ماكرون أكثر توازنا في العبارة، لكنه انتهى عمليا إلى النتيجة نفسها: فرنسا ليست طرفا في الحرب، ولن تنخرط في عمليات فتح هرمز أو تأمينه “في ظل الأعمال العدائية”. صحيح أن ماكرون هاجم إيران أيضا، وحرص على إبراز أولوية أمن الملاحة والمصالح الفرنسية، لكنه مع ذلك رفض أن تتحول باريس إلى شريك عسكري مباشر في مشروع ترامب. الفرق هنا أن باريس قالت “لا” بلغتها الخاصة، الأقل خشونة من مدريد وبرلين، لكنها قالتها في النهاية، ووضعت نفسها ضمن معسكر الامتناع عن الانخراط في الحرب، ولو مع استمرار خطابها التقليدي عن التهدئة والمسؤولية المتبادلة.

بيدرو سانشيز:

غير بعيد عن حدودنا الشمالية، وتحديدا في إسبانيا، كان الموقف أوضح. وبدا رئيس الحكومة بيدرو سانشيز بدا واحدا من أكثر القادة الأوروبيين وضوحا في القول لترامب إن هذه ليست حرب إسبانيا، ولا حرب أوروبا التي يجب أن تُخاض بالوكالة. والأهم من ذلك أن مدريد ترجمت موقفها إلى إجراءات، فانتقدت الهجوم، ومنعت استخدام الطائرات الأميركية للقواعد المشتركة في جنوب البلاد، وأعطت لنفسها موقعا مختلفا داخل المعسكر الغربي. نحن لا نتحدث هنا عن مجرد اختلاف في النبرة، بل عن قرار سياسي واع بالنأي بالنفس، وبإبقاء مسافة بين المصلحة الوطنية الإسبانية وبين منطق التوسيع الأميركي الإسرائيلي للحرب.

بيترو بارولين:

من خارج الحكومات التنفيذية، ولكن من مستوى غربي بالغ الرفعة رمزيا وأخلاقيا، برز الكاردينال بيترو بارولين، أمين سر الفاتيكان، الذي وجّه نداء مباشرا ونادرا إلى ترامب وإسرائيل من أجل إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن، مع تشديد واضح على أولوية الحلول السلمية. قيمة هذا الموقف ليست عسكرية طبعا، لكنه صادر عن أعلى ذراع دبلوماسية في الفاتيكان، أي من مؤسسة لا تقاس قوتها بالسلاح بل بوزنها الأخلاقي والروحي داخل الفضاء الغربي. وإلى جانبه، كان البابا يرفع بدوره نبرة التحذير من الكلفة الإنسانية للحرب ويدعو إلى عدم تمجيدها إعلاميا.

وُعّاظ الوهم:

لهذا كله، السؤال المطروح ليس هو “هل ينبغي أن نكون مع إيران أو ضدها؟” بل كيف يمكن أن يُطلب من المغاربة أن يعلّقوا عقولهم عند باب الدعاية، وأن يرددوا ما لا يجرؤ حتى بعض صناع القرار في الغرب نفسه على تبنيه؟

حين يرفض مسؤول مكافحة الإرهاب في واشنطن الحرب، ويتحفظ عليها ستارمر، ويرفضها ميرتس وبيستوريوس، ويمتنع عنها ماكرون، وينأى بها سانشيز وروبليس، ويستنكرها بارولين من قلب الفاتيكان… يصبح من العبث حقا أن يواصل بعض وعّاظ الاصطفاف عندنا بيع الناس وهم مفاده أن هذه الحرب قدر لا يُناقش، وأن التصفيق لها هو وحده طريق “المصلحة”، كأن الإنسان يعيش بالمصالح وحدها، لا بالمبادئ والأخلاق والقيم.