“هي فوضى”
لو عاد الزمن، ربما لم يكن ترامب ليُقْدِم على مهاجمة إيران بالشكل الذي يجري. فائض الشعور بالقوة يُعطِّل التفكير.
فوضى التصريحات والقرارات في واشنطن نتيجةٌ طبيعية لأداء رئيس نرجسي يُحيط نفسه بتابعين يُسمِعونه ما يُشبِع غروره، أكثرَ من اهتمامهم بتقديم الاستشارة، مِنْ مثل مستشارته الدينية التي بالغت في التملّق حين قالت إنّ “هناك أوجهَ تشابه بين حياة ترامب وما عاشه السيد المسيح” وأن “الرب يقف إلى جانب ترامب ويستخدمه أداة”، فيما يتبرّم ويضْجَر من قراءة تقارير أجهزة الاستخبارات مثلاً، مُفَضِّلا المُلخّصات وتخرُّصات متطرفين دينيين يحيطون به لا يكفُّون عن الوَشْوَشَة في أذنه خدمةً لإسرائيل.
جوهر الفكرة التي أريد إثباتها أن “خطّة” الحرب ربما كانت “مثاليةً على الورق”. لكن خطط الحرب تفقد من مثاليتها في اللحظة التي تُطلَق الرصاصة الأولى وتبدأ التداعيات. صمودُ إيران كان المُعامِل المُربك في المعادلة، وقد أثبتت أنها ليست فنزويلا، وأنّ الحقائق أكثر صموداً من الأمنيات.
الجاري الآن، أن طهران “تُمعِن” في إحراج واشنطن وإيذاء جيرانها في الخليج. على الأغلب، استنفدت أمريكا وإسرائيل بنك الأهداف العسكرية دون أن يؤدّي ذلك إلى انهيار النظام الإيراني أو ظهور مؤشرات تفكّك، ولم يبقَ إلا تدمير الجسور ومحطات الكهرباء والمواقع النووية ومنشآت الطاقة والموانئ والطرقات والجامعات. وقد تتصاعد الحرب إلى مستويات أخطر في ظل حالة الاستعصاء العسكري، واحتمالات قوية بفشل الوساطات الجارية لوقف الحرب.
نظرياً، الانتقال إلى استهداف المنشآت المدنية في إيران، مثلما يعتدي الحرس الثوري على منشآت مدنية في الخليج، جرائمُ حرب، لكن ما عادَ في العالم أحدٌ تسْتوقِفه هذه التوصيفات، بعدما هبَطت إسرائيل إلى مهاويَ سحيقة في الاستخفاف بالقانون الدولي بارتكاب إبادة جماعية في غزة.
طلبَ ترامب من إيران، بدايةً، “استسلاما غير مشروط”، والآن، بعد شهر، تُسرِّب صحافة أمريكية أنه كلّف نائبه جي دي فانس بالتفاوض على “وقف إطلاق النار مقابل فتح مضيق هرمز”. يرفض الإيرانيون وقف إطلاق النار الذي يعني “مجرد هدنة” و”وقتاً مُسْتَقْطعاً”، ويطالبون، من ضمن اشتراطات أخرى، بوقف الحرب، وضمانات لعدم تكرارها.
وبين طلب الاستسلام والتفاوض لأجل فتح مضيق هرمز، يواصل ترامب الانغماس في حالة إنكار للواقع بالحديث عن “تغيير النظام” و”إنجازات”، بينها استهداف موارد الشعب الإيراني الذي يدعوه إلى إسقاط النظام. منذ اليوم الأول للحرب ( 28 فبراير)، قتل الجيش الأمريكي 170 تلميذة بقصف مدرسة، وعصر الخميس (2 أبريل) نشر ترامب فيديو لغارة استهدفت جسر طهران/ كرج، الأعلى في الشرق الأوسط، ولم يجد بين مستشاريه من يُخبره أنه يُبلِّغ عن ارتكابه جريمة حرب.
لنأخذ قصة مضيق هرمز نموذجاً لحالة الفوضى الأمريكية: لم تعلن طهران رسميا غلقه، لكنها جعلت المرور عبره خطيراً، وتركت مهمة إغلاقه لشركات التأمين، قبل أن تفرض “سيطرتها” باعتماد نظام الترخيص والإذن للعبور، مُطلقةً بذلك سلسلة أزمات توجع ترامب وكل العالم، في إطار عملية تدفيع ثمن عالمية.
كان ترامب قد وعَد أولا بأنّ سفن البحرية الأمريكية ستؤمِّن مصاحبةً للناقلات، وأمَر مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية بتوفير “تأمين وضمانات” للسفن العابرة، قبل أن يطوي الفكرةَ لعبثيتها، محاولاً تجريب تهديد إيران عبر معادلة ( محطات الكهرباء مقابل مضيق هرمز)، وحين لم تخضع طهران دخل في لعبة “تمديد الآجال”، ليُجرِّب تالياً استدراج “حلفاء” بلاده ( وهل بقي لأمريكا حلفاء بسبب ترمب؟) إلى مهمة “تحرير مضيق هرمز”، لكنه تلقى أجوبة، أشبه بالتبرّم الجماعي، من برلين التي تساءلت عمّا يمكن أن تفعله “فرطاقتان أوروبيتان” وتعجز عنه البحرية الأمريكية، وسمع من لندن أن “هذه ليست حربنا”، ومن باريس قول ماكرون إن “فتح هرمز بالقوة أمر غير واقعي”.
خطاب ترامب ليلة الأربعاء/ الخميس (1/2 أبريل) انفضاح تامّ لضعف الكفاءة والفوضى في إدارة الحرب. وقتما كان العالم ينتظر قراراً ووضوحاً، غرق ترامب في التهديدات مُثبِتاً على نفسه غياب الاستراتيجية، مُكرِّرا أقواله المتناقضة طيلة شهر، كما حاول التذاكي في مسعاه لتهدئة أسواق الطاقة. لكن الجوابَ أتى سريعاً من أسواق الطاقة نفسها بارتفاع أسعار النفط.
ردّت طهران، بنوعٍ من التحدي، على تهديدات ترامب واجتماع 40 دولة طالب بفتح المضيق “فوراً ودون شروط”، من خلال سماحها بمرور “سفن دول غير معادية”، وثانيا بإعلان دراسة فرض رسوم عبور.
إيران تستثمر في الوقت، وأيضا في الجغرافيا. ترامب جعل طهران “تكتشِف”، أكثر من أيّ وقت مضى، أهمية مضيق هرمز. قد تفقد إيران أسلحة تقليدية، وقد تدمِّر واشنطن وتل أبيب أجزاءَ واسعة من صناعتها ومشروعها النووي، لكن، وما لم يسقط النظام، ودون إيجاد مسارات بديلة لإمدادات الطاقة، ستحتفظ طهران بالجغرافيا سلاحاً وهي تمسك بيدها مصير تدفق 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية.
في المقابل، تُدرك إيران أن الحرب ستُغيّر أشياء كثيرة. الأضرار هائلة، ولولا ضعف التغطية الإعلامية لتَكَشَّفَ حجم الدمار الذي تعانيه، بما يطرح أسئلة حول كُلفة الحرب وتداعياتها المتوقّعة على الداخل، ربطاً بتحضير أميركي إسرائيلي لبيئة اقتصادية تمهّد لانتفاضة شعبية ضد السلطة، يغذيها مزيد من تدهور معيشة الإيرانيين.
الآثار السياسية في علاقة بدول المنطقة فادحة أيضا. الاعتداءات ضد دول الخليج تُغيِّر كثيرا من المشهد. دولٌ، مثل سلطنة عمان وقطر، التي خاضت وساطات وانشغلت طويلاً بمحاولة إيجاد حلّ للقضية الإيرانية، وجدت نفسها في قلب “معادلة ردعٍ” مؤذية. ستنشأ حالة عدم ثقة مزمنة في المنطقة لا يمكن توقّع كل مآلاتها، والتي قد تشمل خيارات واسعة، تبدأ من إعادة بناء شاقّة لعلاقة جديدة مع طهران، ولا يُستبعد، من جملة الخيارات، الذهاب في مسار تطبيع هو غاية إسرائيلية، و”إنجاز كبير” لدولة الاحتلال إذا انضمت السعودية.
على الأرجح، وضمن التداعيات المحتملة، ستخسر طهران شريكاً تجارياً مهما هو الإمارات، التي قد تسعى لخنق طهران كنوع من العقاب على استهدافها، بضرب شبكة واسعة من الموارد التي تتحرّك عبر قطاعات مالية وتجارية وعقارات.
سيكون إقدام الإمارات على محاصرة إيران اقتصادياً ضربةً موجعة لخطط تعافيها، إذا لم تُرفع العقوبات. أما العلاقة بالسعودية، التي استُؤنفت بموجب اتفاق 10 مارس 2023، بوساطة من الصين، فدخلت مرحلة غموض تحتاج وقتاً لتقييم آثار الحرب عليها، واستجلاء ما تفكّر فيه الرياض، التي “تقتصد في الكلام” خلال هذه الحرب.
من المتغيّرات التي على إيران النظر فيها، أنها صارت تُقاتل على حدودها الجغرافية وقد أصبحت الحرب تُخاض على أراضيها. العلاقة بالأطراف التي أنشأت معها ما تُسميه “محور المقاومة” ستكون ضمن عناصر جواب مترتِّبة عن هذه الحرب، في إطار إعادة تعريف الأمن القومي الإيراني، بعد كل الأضرار التي لحقت بـ”المحور”، و”إنجازاته”.
قصارى القول
لا يمكن إلى الآن إثبات ما إذا كانت الحرب خطأً استراتيجيا أمريكياً. لكن إذا انتهت الآن، وفق معطيات اللحظة، ستكون الوضعية شديدةَ الالتباس، بحيث تستطيع إيران القول بـ”انتصارها” وقد عدّلت في الجغرافية السياسية في منطقة الشرق الأوسط، وغيّرت “قواعد الاشتباك” بجعل الاعتداءات على دول الخليج جزءاً من معادلة الردع، وإصابة الأهداف في إسرائيل عادة. مثلما تقدر إسرائيل على الترويج لـ”انتصارها” بعد كل الأضرار التي تسبّبت فيها لإيران، وبعد “توريط” الرئيس الأمريكي في حرب تحاشاها كل الرؤساء الذين سبقوه. ووحده ترامب سيجد صعوبة في تعريف النصر، حيث لا تنفع الثرثرة.
وإذا كانت للحرب تكاليف، فإنها تتيح فرصاً، وهذا تحديداً ما تحاول إيران استكشافه. بذلك، قد تتحوّل طهران إلى لاعب أساسي لا يمكن تجاوزه ضمن توازنات الشرق الأوسط، وبأدوار في إعادة صياغة نظام دولي متعدد الأقطاب، تفقد فيه واشنطن نفوذها في أكثر من جغرافيا.