هيئة تدعو المنصوري للانتقال من إقرار الحقوق إلى قياس أثرها الفعلي على المواطنين
وضع “الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان” سؤال النجاعة في إعمال الحقوق في صلب مقترحاته الموجهة إلى رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، بشأن البرنامج الحكومي المرتقب، معتبرا أن التحدي الذي ما يزال قائما لا يرتبط فقط بإقرار الحقوق في النصوص القانونية وإحداث المؤسسات وإطلاق البرامج، بل بقدرة الأشخاص على ممارسة حقوقهم والوصول إلى الخدمات المرتبطة بها بإنصاف وجودة واستدامة.
وأكدت الهيئة المدنية، في مذكرة قدمتها إلى رئيسة الحكومة، وفق بلاغ صحافي صادر بالرباط في 12 أكتوبر 2026، أن تجاوز الاختلالات المسجلة في مجال السياسات العمومية يقتضي رصد خمس فجوات أفقية وتدارك تداعياتها، بما يسمح بالانتقال من تراكم القوانين والمؤسسات والبرامج والموارد إلى ضمان النفاذ الفعلي إلى الحقوق وقياس أثر السياسات على حياة المواطنين.
وترى الهيئة أن وجود الحق في النص القانوني، أو إحداث المؤسسة، أو تخصيص الاعتمادات المالية، أو إطلاق البرنامج، يشكل مداخل ضرورية لإعمال الحقوق، غير أن التحدي الأساسي يظل مرتبطا بمدى قدرة الأشخاص على ممارسة هذه الحقوق والاستفادة من الخدمات المرتبطة بها، في ظروف تضمن الإنصاف والجودة والاستمرارية.
5 فجوات تحد من النفاذ الفعلي إلى الحقوق
وفي تشخيصها للاختلالات الأفقية التي تستدعي المعالجة، حددت المذكرة خمس فجوات رئيسية، أولها الفجوة بين الإطار والتنفيذ، حيث يتأخر تفعيل بعض البرامج أو تشغيل بعض المرافق، أو لا تستكمل الشروط اللازمة لضمان استمرارها.
وتتعلق الفجوة الثانية بالعلاقة بين التسجيل والاستفادة، إذ لا يضمن التسجيل في نظام أو برنامج بالضرورة فتح الحقوق أو الانتفاع المنتظم بها وفق الأهداف المحددة لها.
أما الفجوة الثالثة، فتهم العلاقة بين الموارد وجودة الخدمات، بالنظر إلى أن زيادة الاعتمادات المالية وتوسيع البنيات لا يؤديان بالضرورة إلى تجاوز الخصاص في الموارد البشرية وسوء توزيعها، أو إلى تيسير الولوج إلى الخدمات وتحسين جودتها.
وتبرز الفجوة الرابعة في التفاوتات الاجتماعية والمجالية، حيث لا يعني تحسن المتوسط الوطني أن الفئات والمناطق التي تعاني الهشاشة استفادت من الخدمات بالقدر نفسه.
فيما ترتبط الفجوة الخامسة بضعف الالتقائية ومحدودية البيانات، في ظل توزع المسؤوليات بين القطاعات والمستويات الترابية، ومحدودية المعطيات المتعلقة بالنتائج والجودة والاستفادة والأثر.
وتشكل هذه الفجوات، وفق المقاربة التي تعرضها الهيئة، مدخلا لإعادة النظر في كيفية تتبع السياسات العمومية وتقييم نتائجها، من خلال تجاوز الاكتفاء بحصر التدابير والبرامج والموارد المرصودة، والانتقال إلى التحقق من مدى انعكاسها الفعلي على ممارسة الحقوق والاستفادة من الخدمات.
من إحصاء البرامج إلى قياس أثر السياسات
وتستند هذه المقاربة إلى خلاصات تقرير بشأن تقييم حصيلة العمل الحكومي في مجال حقوق الإنسان خلال الولاية 2021-2026، أنجزه الباحث والخبير يوسف اغويركات بتكليف من الوسيط، وشمل الالتزامات البرنامجية ذات الصلة بحقوق الإنسان، الموزعة على 17 محورا.
وخلص التقرير، بحسب البلاغ، إلى أن إيقاع المنجز الحكومي تراوح بين التحقق وعدم التحقق، وبين التحقق الجزئي والتحقق غير المكتمل. كما أشار إلى أن تحديد المنجز على مستوى القوانين والمؤسسات والموارد والبرامج لم يتحول، بالقدر المطلوب، إلى استفادة فعلية ومنصفة، أو إلى تحسن ملموس ومستدام في جودة الخدمات والنتائج.
وانطلاقا من هذه الخلاصات، شددت الهيئة على ضرورة نقل مركز التتبع من إقرار الحقوق عبر البرامج والتدابير والأرقام، وفق المقاربة الكمية، إلى القياس الكيفي لمدى إعمالها. ويعني ذلك، بحسب المقترحات الواردة في المذكرة، جعل استفادة المواطنات والمواطنين وجودة الخدمات وإمكانية الولوج إليها واستمراريتها عناصر أساسية في تقييم السياسات العمومية.
وفي هذا الإطار، دعت الهيئة إلى اعتماد مؤشرات تتيح تتبع الانتقال من التسجيل إلى فتح الحقوق، ومن فتحها إلى الانتفاع المنتظم والكافي بها، مع تحديد الفئات التي ظلت خارج التغطية أو الدعم، ورصد أسباب عدم استفادتها أو انقطاع استفادتها.
كما شددت على ربط تأهيل المرافق الصحية بتوفر الأطر والتجهيزات والصيانة ومواعيد العلاج، وقياس الولوج إلى الخدمات وجودتها واستمراريتها والتكاليف التي يتحملها المرتفقون، مع توجيه الموارد إلى المناطق الأشد خصاصا.
وفي قطاع التعليم والتكوين، أكدت ضرورة قياس الاستمرار والتعلم والجودة والإنصاف، إلى جانب تتبع المؤسسات والمقاعد والتدابير المعتمدة، ومعالجة الاكتظاظ ونقص التأطير والفوارق المجالية.
وبخصوص الأشخاص في وضعية إعاقة، دعت إلى جعل الولوجيات والنقل والخدمات الدامجة شروطا لضمان حقوقهم في التعليم والعمل والصحة والإدارة والثقافة، مع تتبع التغطية الترابية وإمكان الانتفاع الفعلي.
أما في مجال التشغيل والحقوق المهنية، فتقترح المذكرة اعتماد مؤشرات تقيس الاستقرار المهني وجودة العمل والحماية الاجتماعية والوصول إلى فرص الشغل، بما يشمل المستفيدين من برامج التكوين والتشغيل وفق معايير العمل اللائق.
وفي ما يتعلق بالخدمات الإدارية والرقمية، شددت على قياس جودتها واستكمالها وتيسير الولوج إليها، مع حماية المعطيات وتوفير المساعدة والقنوات غير الرقمية للأشخاص الذين يحتاجون إليها.
تقييم الأثر الحقوقي وربط الميزانية بالإنصاف
ولترجمة هذا التوجه إلى آليات عملية، اقترح الوسيط إدماج تقييم الأثر الحقوقي في مسار صناعة القرار، من خلال فحص آثار التشريعات والبرامج الكبرى على أساس المساواة وعدم التمييز والولوج إلى الخدمات وحماية الفئات المعنية، ثم افتحاص النتائج بعد التنفيذ وفق المعايير نفسها.
كما دعت الهيئة إلى ربط الميزانية والبيانات بمبدأ الإنصاف، عبر نشر معطيات قابلة للمقارنة ومفصلة بحسب الجهة والوسط والجنس والعمر والإعاقة والوضع الاجتماعي.
وفي حال غياب خط الأساس أو تعذر القياس، أوصت بالإعلان عن ذلك وتحديد مهلة لسد النقص، في أفق إرساء ميزانية مستجيبة لحقوق الإنسان، تستند إلى مؤشرات قابلة للقياس.
وتضمنت المقترحات أيضا استباق التحولات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والرقمية، وتعزيز التفكير التوقعي في ملفات الماء والبيئة والتفاوتات المجالية وحماية المعطيات، مع ضمان ألا تؤدي الحلول التقنية أو الاقتصادية إلى إقصاء فئات أو مناطق أو تقييد الولوج إلى الخدمات.
وعلى مستوى الالتزامات الدولية، شددت الهيئة على ضرورة انتظام الوفاء بالالتزامات الحقوقية المترتبة عن الممارسة الاتفاقية للمغرب، من خلال برمجة واضحة لمتابعة مدى إعمال توصيات الآليات الأممية لحقوق الإنسان، والعمل على استكمال ملاءمة التشريعات الوطنية.
مقترحات لتعزيز الحقوق والحريات
وإلى جانب الرهان المرتبط بقياس أثر السياسات العمومية، دعت المذكرة إلى استكمال البناء المؤسساتي وفق أحكام الدستور، وتجاوز الوضعية غير العادية التي تعرفها بعض المؤسسات القائمة، وتسريع تنصيب المؤسسات التي لم يتم تفعيلها بعد.
كما اقترحت اعتماد خطة وطنية للديمقراطية وحقوق الإنسان، تتوافق مع المعايير الواردة في إعلان ومبادئ فيينا الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان سنة 1993، وتحدد الأولويات والنتائج والجهات المسؤولة والموارد والآجال، بما يجعلها أداة للتنسيق والتنفيذ والمساءلة، تربط الالتزامات الدستورية بالسياسات القطاعية والترابية.
وفي مجال المشاركة المدنية، دعت الهيئة إلى وضع إطار تشريعي للتشاور العمومي يحدد حقوق والتزامات السلطات العمومية ومنظمات المجتمع المدني وأصحاب المصلحة، مع مراجعة المقتضيات التشريعية والقانونية المرتبطة بالحريات العامة، ولا سيما القوانين المنظمة للجمعيات والتجمعات العمومية والصحافة، في اتجاه إلغاء العقوبات السالبة للحرية، وتكريس الطابع التصريحي في مجال تثبيت الأهلية القانونية للجمعيات، ووضع حد للتجاوزات التي تمس هذه الحقوق.
كما شملت المقترحات تسريع وتيرة تكريس وتعزيز الطابع الرسمي للغة والثقافة الأمازيغية، والتعجيل بإخراج مدونة الأسرة بما يواكب التحولات الاجتماعية والمجتمعية ويحقق العدل والمساواة والإنصاف، ومراجعة التشريع الجنائي بما يتلاءم مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة.
ودعت الهيئة كذلك إلى اعتماد سياسة دامجة للفئات الهشة والأكثر عرضة للانتهاكات والتمييز، بما يشمل الأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة والمسنين والمهاجرين واللاجئين، وتعزيز الاهتمام بالأجيال الجديدة لحقوق الإنسان، خصوصا الحقوق البيئية والعدالة المناخية والحقوق الرقمية والأخلاقيات البيوطبية.
كما شددت على التعاطي مع الفساد والرشوة والاحتكار من منظور حقوق الإنسان، باعتبارها انتهاكات تمس حقوق المواطنين وتقوض مسارات بناء الديمقراطية ودولة الحق والقانون.
وفي ختام المذكرة، عبر الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان عن تطلعه إلى أن تحدث الحكومة تغييرا في علاقاتها بالمؤسسات الدستورية، وأن تستحضر الأهداف الدستورية وتعمل على تفعيلها، بما يحقق التوازن والتعاون والتفاعل الإيجابي مع توصيات هذه المؤسسات، مع التأكيد على التفعيل الأمثل لمقتضيات الفصل 160 من الدستور.