story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

هرمز وما وراء هرمز.. تفاعلات جيوستراتيجية تُعيد هندسة التوازنات العالمية

ص ص

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس الحكمة السياسية بسرعة الاستجابة الفعلية، بل بدقة التحليل وعمق الفهم الاستراتيجي لما تُضمره الأحداث وتُخفيه الوقائع. ما يجري اليوم في مضيق هرمز ليس مجرد تفاوض بين دولتين على حافة الهاوية، بل هو إعادة صياغة واسعة لقواعد التجارة العالمية وتوازنات الطاقة لعقد مقبل. الأكيد أن تداعياتها الاقتصادية وانعكاساتها الجيوسياسية ستمتد من شواطئ الخليج إلى موانئ المحيط الأطلسي لسنوات قادمة، ولن تسلم منها أي دولة وأي تكتل.

مثلث التفاوض الاستراتيجي: حين تصبح الصين الوسيط الإجباري

بعد ظهر يوم الجمعة 15 مايو 2026، غادر ترامب بكين بعد زيارة وصفها بأنها كانت “نجاحا عظيما” و”لحظة تاريخية”، ورحلة مثمرة أُبرمت خلالها “صفقات رائعة”، وكان قد أجرى خلالها مباحثات معمقة مع الرئيس الصيني، تركّزت أساسا على الملف الإيراني وأمن الطاقة. وقبل أن تجف ألوان الصور الرسمية، حلّ الرئيس الروسي بوتين على العاصمة الصينية في اليوم الموالي، ليُستقبل بحفاوة مماثلة ومراسم احتفالية، مؤكداً على أن علاقات بلديهما بلغت “مستوىً غير مسبوق” وأعرب حين مغادرته أن زيارته للصين كانت “ناجحة ومثمرة ومُرضية للغاية”.

هذا التتابع الدبلوماسي الاستثنائي في غضون أسبوع واحد لن يُفاجئ من تابع ما رصدتُه وحلّلته في كتابي “مستقبل النظام الدولي في ظل التفاعلات الجيواستراتيجية الراهنة“، إذ أشرتُ صراحةً إلى أن الصين ماضية في مسار محسوب ومُحكم نحو تحوّل جذري في دورها الدولي: من قوة اقتصادية صاعدة تؤثر في الهامش، إلى وسيط إجباري لا غنى عنه في كل أزمة كبرى تعصف بالنظام الدولي. وقد أكدتُ آنذاك أن الصين، بفضل شبكة شراكاتها المتشعّبة مع روسيا وإيران وأوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، قد وضعت نفسها في موقع مَن يملك مفاتيح كل ملف حساس. وها نحن اليوم نرى هذا السيناريو يتجسّد بدقة مذهلة في هرمز وما حوله.

والاتفاقات المُعلنة من هذه القمة، وإن بدت في ظاهرها تجارية بامتياز، فإنها في عمقها تُرسي هندسة دبلوماسية جديدة. فإلى جانب شراء 17 مليار دولار سنويا من المنتجات الزراعية الأمريكية، وعقود ل200 طائرة بوينغ، وإنشاء مجلسَي تجارة واستثمار، ثمة اتفاقات أشد أهمية لم تُكتب في أي وثيقة رسمية: تساهلٌ أمريكي ضمني حيال ملف تايوان تجلّى في إشارة ترامب إلى توظيف صفقات الأسلحة ورقةً تفاوضية مع بيكين، وتغييب مقصود لملف الذكاء الاصطناعي والرقائق المتقدمة عن النقاش المُعلَن رغم أنه يمثّل جوهر الحرب التكنولوجية القائمة، فضلا عن تباين صريح في الروايتين الأمريكية والصينية حول الكثير من التفاصيل، وهو مؤشر دال على أن ما لم يُتفَق عليه ربما يفوق أهمية ما أُعلن.

فالصين، التي تعتمد اعتمادا كبيرا على واردات النفط العابرة عبر هرمز، المعاهدة الصينية الإيرانية، المعروفة رسميا باسم “اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة” لا تطيق توقف الملاحة؛ وهو ما دفع الرئيس الصيني إلى إبداء استعداد بلاده للتوسط مع طهران، والتأكيد مع ترامب على ضرورة إبقاء المضيق مفتوحا أمام تدفق الثروات. وما يجري اليوم ليس سوى ثمرة ناضجة لتلك الاتفاقية التي أتاحت للصين نفوذا على القرار الإيراني، وجعلت طهران حجر زاوية في مبادرة الحزام والطريق الممتدة من آسيا حتى ضفاف الأطلسي.

غير أن الحكمة الصينية تكمن في رفض المراهنة على طرف واحد. فبينما تتفاوض مع واشنطن على صفقات تجارية ضخمة، فإنها تحرص في الوقت ذاته على طمأنة موسكو بأن أي تقارب مع أمريكا لن يأتي على حساب العلاقات الروسية الصينية، تلك العلاقات التي تحوّلت من شراكة براغماتية إلى حلف استراتيجي شامل يمتد من خطوط الغاز السيبيرية إلى قواعد البيانات التكنولوجية المشتركة. وفي السياق ذاته، تجد أوروبا نفسها خارج هذا الثلاثي، تراقب بقلق متصاعد اتفاقات تُعيد رسم نظام التجارة العالمية دون أن تُستشار، فيما يُرسّخ إنشاء المجلسين الجديدين منطقَ تعددية قطبية مؤسسية موازية لمنظومة التجارة الدولية القائمة.

وهنا بالضبط تتجلى الفرضية المحورية التي تؤطر مستقبل النظام الدولي: لم يعد العالم ثنائي القطبية أو أحادي بالمعنى الكلاسيكي الذي ساد في الحرب الباردة وبعدها، بل أصبح مثلثا تفاوضيا متوازنا تتنافس فيه القوى الكبرى الثلاث وتتعاون في آنٍ معاً، حيث تجد كل منها نفسها مضطرة إلى إدارة علاقات متشابكة ومتناقضة في الوقت عينه. وهذا “التوازن الاستراتيجي” رغم هشاشته فهو يُعيد تعريف قواعد اللعبة الدولية ويرسم مربع الزعامة العالمي من جديد. وفي هذا السياق المعقد والمركب، يكتسب ملف هرمز أهمية مضاعفة، إذ لم يعد مجرد ممر نفطي، بل ساحة اختبار حقيقية لمدى قدرة الصين على التوسط بين خصومها، ولمدى استعداد أمريكا للقبول بدور بكين الإقليمي المتنامي.

أوروبا في عمق التحولات: حين يتشقق الغرب من الداخل

لعل أكثر ما يميّز المشهد الدولي الراهن دراماتيكيةً هو ما يقع داخل المعسكر الغربي ذاته من تصدعات عميقة باتت تُعيد رسم خريطة التحالفات بصورة لم تشهدها أوروبا منذ نهاية الحرب الباردة. وهي تحولات أشرتُ في كتابي إلى بذورها ومقدماتها حين تناولتُ مستقبل الاتحاد الأوروبي والعلاقات عبر الأطلسي، مؤكداً أن الاتحاد يقف أمام تحديات وجودية تُعيد رسم هويته الجيوسياسية من جذورها.

لم تكن الصدمة الأوروبية وليدة يوم واحد، بل تراكمت على مهل: فمن رسوم جمركية فُرضت على الحلفاء قبل الخصوم، إلى احتفاء علني ببوتين على الأراضي الأمريكية، وصولاً إلى أزمة غرينلاند التي كشفت أن واشنطن لا تتردد في مواجهة شركائها بنفس المنطق الذي تواجه به خصومها، أدرك الأوروبيون بمرارة أن الحليف الذي رسم لهم حدود الأمان طوال عقود بات هو نفسه مصدراً للقلق واللايقين. وقد أعلنت المسؤولة الأوروبية كالاس أن أوروبا “لم تعد المحور الرئيسي لاهتمام واشنطن”، مؤكدةً أن هذا التحوّل “بنيوي لا مؤقت”، وأن حلف الناتو بحاجة إلى أن يصبح “أكثر أوروبيةً” حتى يظل قوةً فاعلة

وأمام هذا الواقع، وجد القادة الأوروبيون أنفسهم أمام خيارات صعبة، فأخذوا يتوجهون نحو بكين بأعداد لم يسبق لها مثيل. فقد شهدت الأشهر الأخيرة توافد الرئيس الفرنسي، والمستشار الألماني، ورئيس الوزراء البريطاني، ورئيس الوزراء الكندي، والرئيس الفنلندي، جميعا إلى العاصمة الصينية في موجة دبلوماسية متسارعة تُغذّيها رياح التوترات المتصاعدة عبر الأطلسي.

غير أن هذا الانفتاح الأوروبي على الصين لا يعكس ثقةً حقيقية أو شراكةً استراتيجية راسخة، بقدر ما يُجسّد ما يمكن وصفه بـ”مرحلة لا ضرر ولا ضرار”: مرحلة تواصل فيها أوروبا انخراطها مع بكين دون المضيّ قُدماً في تصعيد يُكلفها باهظاً، كما وقع حين فرضت الصين قيودا على تصدير المعادن النادرة في النصف الثاني من 2025، والذي أثر بشكل كبير على الصناعة الأوروبية وجعلت أوروبا تتعامل مع بكين بحذر مزدوج. في المقابل، وفي مؤتمر ميونخ للأمن في فبراير الماضي، أعلن وزير الخارجية الصيني صراحةً أن الصين والاتحاد الأوروبي “شريكان لا منافسان”، مُستثمرا الفجوة المتسعة بين الضفتين لتقديم بكين خيارا بديلا موثوقا.

المفارقة الكبرى هنا أن أوروبا تسير في اتجاهين متعاكسين في آنٍ واحد: تتقرّب من بكين اقتصادياً وتحتاط منها أمنياً، وتتمسك بواشنطن دفاعياً وتتمرد على هيمنتها التجارية والسياسية. هذا التناقض ليس ضعفاً عابراً، بل هو تعبير صريح على أن مرحلة النظام الدولي المقبلة ستكون مرحلة التوازنات السائلة: حيث لا أحلاف ثابتة ولا انتماءات مطلقة، بل تقاطع مصالح متغيّر يُعيد رسم نفسه باستمرار على إيقاع الأزمات والضرورات.

الملف النووي: العقدة المؤجلة للمستقبل

يُشكّل الملف النووي الإيراني النقطة الأكثر تعقيدا في المشهد التفاوضي الراهن، إذ تتمسك طهران برفض نقل اليورانيوم عالي التخصيب خارج أراضيها، مؤكدة بذلك على ضرورة الفصل بين مسار الاستقرار الإقليمي ومسار السيادة النووية، وعدم قبول التفاوض عليهما في إطار واحد.

في المقابل، تنتهج واشنطن مقاربة أكثر برغماتية مقارنة بمراحل سابقة، إذ يتمحور الاتفاق المبدئي المطروح حول ثلاثة محاور: وقف شامل لإطلاق النار، ورفع مؤقت للعقوبات عن النفط الإيراني طوال فترة المفاوضات، وإعادة حركة الملاحة في هرمز إلى مستوياتها الطبيعية في غضون ثلاثين يوما.

غير أن نقطة الخلاف الجوهرية تظل قائمة في صميم هذا البنيان التفاوضي: فطهران تُصرّ على تأجيل بحث ملفها النووي إلى جولة لاحقة، في حين تربط واشنطن الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة البالغة نحو 100 مليار دولار بتقديم ضمانات نووية واضحة وملزمة. وبين هذين الموقفين يبدو التسوية الشاملة بعيدة في المدى القريب، وإن كانت التكاليف المتراكمة على الطرفين تجعل استمرار الوضع الراهن خيارا غير قابل للديمومة.

وما يجري على طاولة التفاوض يعكس في جوهره منطق الصبر الاستراتيجي، حيث يرهن كل طرف حساباته على أن الضغوط الداخلية والاقتصادية ستدفع الآخر إلى إبداء مرونة لم يُعلنها بعد. وفي مسار من هذا القبيل، يبقى العامل الحاسم هو القدرة على تحمّل الضغط الداخلي أطول أمدا، وهو ما ستحسمه مآلات الأشهر المقبلة لا موازين القوى العسكرية أو الاقتصادية وحدها.

مضيق هرمز: عندما تفرض الجغرافيا نفسها على العالم

أن يبقى مضيق هرمز تحت “إدارة إيرانية” مع ضمان حرية الملاحة الدولية وفق القانون الدولي، فهذا ليس انتصاراً عسكرياً بالمعنى التقليدي؛ بل هو حدث اقتصادي بالغ الأثر يمسّ حياة الملايين من البشر بشكل مباشر. فهذا المضيق الذي لا تتجاوز مساحته بضع كيلومترات يحمل على مياهه ما يقارب خُمس التجارة العالمية بأسرها، وربع إمدادات النفط التي تُحرّك اقتصادات الكوكب كل يوم. وحين يتوقف هذا الشريان تتوقف معه سلاسل إمداد، وترتفع أسعار، وتنكمش مصانع، ويشعر المواطن العادي في طوكيو وبرلين ومومباي بثقل ما يجري في مياه الخليج وإن لم يعرف اسم المضيق

إن ما وقع في مضيق هرمز يؤسس لمنطق جديد في إدارة المناطق الاستراتيجية، وهو “السيطرة السيادية في مقابل ضمان الانسيابية التجارية”، وهو توازن دقيق سبق أن عرفه القرن الماضي في قناة السويس وممرات أخرى، لكنه يعود اليوم بشكل جديد وبرهانات مختلفة تعكس بدقة التحولات الهيكلية في بنية النظام الدولي.

في هذا السياق، يصبح المضيق ليس مجرد نقطة على الخريطة، بل معادلة رياضية للرفاه البشري، ويصبح السلام ثروة حقيقية وملموسة، ويصير الاستقرار الإقليمي هو أغلى سلعة في الاقتصاد العالمي.

الدول العربية في النظام الدولي الجديد: بين رهانات الاصطفاف وحتمية الاستقلالية

في خضم هذه التحولات الجيواستراتيجية التي تعيد رسم ملامح النظام الدولي، تجد الدول العربية نفسها أمام لحظة مفصلية لا تحتمل التردد ولا تقبل الانتظار. فإن ما تملكه المنطقة العربية من ثروات طاقية وموارد بشرية وموقع جغرافي استراتيجي يقع عند تقاطع ثلاث قارات، يُشكّل في المرحلة القادمة رأسمالاً نادراً بالغ القيمة في عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على تأمين ممرات الطاقة وسلاسل الإمداد. غير أن هذه الثروة الجغرافية، كما أثبت التاريخ مراراً، يمكن أن تكون نعمةً إذا حسن استغلالها، أو نقمةً تُجرّ صاحبها إلى دوامات التبعية والحروب بالوكالة إذا غاب الوعي الاستراتيجي وتتفكك الصف العربي.

إن الدرس الأعمق الذي تُقدّمه التفاعلات الجيواستراتيجية الراهنة هو أن القوى الكبرى الثلاث، أمريكا والصين وروسيا، ، لا تُحرّك علاقاتها مع العالم العربي وفق منطق المبادئ والقيم، بل وفق منطق المصالح والنفوذ الصارم. فواشنطن التي طالما رفعت راية الديمقراطية والأمن، تُعيد اليوم حساباتها في المنطقة انطلاقاً من معادلة الربح والخسارة المباشرة. وبكين التي تتمدد بهدوء وحزم عبر مبادرة الحزام والطريق ومعاهداتها الاستراتيجية، لا تُقدّم شراكة مجانية بل تنسج شبكة مصالح تُحكم من خلالها نفوذها على المدى البعيد. أما موسكو، فتستثمر في الفراغات الأمنية وتُحوّل التدخل العسكري إلى رصيد دبلوماسي يُعظّم أوراق ضغطها الإقليمية.

في مواجهة هذا التَّدافع الثلاثي المركب، لا مناص للدول العربية من اعتماد استراتيجية واضحة المعالم قوامها ثلاثة محاور متكاملة:

أولها تعزيز التكامل العربي البيني اقتصاديا وأمنيا، لأن الدولة العربية المنفردة، مهما بلغت ثروتها، لن تكون سوى قزم أمام الفيلة الجيوستراتيجيين في عالم تتحوّل فيه القوة نحو الكتل والتكتلات، فلا أمن مستدام لدولة عربية بمعزل عن أخواتها، ولا تفاوض ناجح مع القوى الكبرى إلا من موقع جماعي يمنح الجميع ثقلا تفاوضيا حقيقيا.

وثانيها انتهاج سياسة التوازن والشراكات المتعددة مع القوى الكبرى، دون الانزلاق إلى الاصطفاف الأعمى في خندق واحد على حساب الآخر، فالأمن العربي لا يُبنى بالتبعية لواشنطن وحدها، ولا بالاستناد إلى بكين وحدها، ولا بالمراهنة على موسكو وحدها، بل بالاستثمار الذكي في العلاقة مع الجميع بما يصون المصالح ويُحصّن القرار السيادي.

في هذا السياق، تقدّم التجربة المغربية نموذجا عربيا متفردا في إدارة العلاقة مع القوى الكبرى وفق منطق “الشراكات المتعددة دون تبعية”. فالمغرب استطاع، في عقدين فقط، أن يبني تحالفات استراتيجية متوازنة مع واشنطن (عبر الاتفاقيات العسكرية والاعتراف بسيادته على الصحراء)، ومع بكين (عبر الانضمام الفاعل إلى “الحزام والطريق” وإنشاء المنطقة الصناعية بطنجة ومشاريع أخرى)، ومع موسكو (عبر التعاون الطاقي والأمني والتصدير الزراعي)، دون أن يقدم تنازلات سيادية في أي من هذه الاتجاهات. وما يجعل النموذج المغربي أكثر إلهاما هو قدرته على تحويل موقعه الجغرافي إلى رافعة اقتصادية حقيقية، والرهان على الاستقرار الداخلي كأساس لثقة الشركاء الخارجيين.

وثالثها الانتقال العاجل من اقتصاد الريع إلى اقتصاد المعرفة والإنتاج، لأن الثروة النفطية وحدها لم تعد ضمانة كافية في عالم يتجه بخطى متسارعة نحو مصادر الطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي؛ والدول العربية التي تستثمر اليوم في التعليم والبحث العلمي والتنويع الاقتصادي – مثل السعودية في رؤيتها 2030، والمغرب في استراتيجيات الطاقة المتجددة (مشروع نور)، والصناعة التصديرية (السيارات والطيران وصناعات الفضاء والإلكترونيك)، والبنية التحتية المتقدمة و العملاقة (المطارات الكبرى، ميناء طنجة المتوسطي والناظور والداخلة والبراق) – هي وحدها التي ستملك قدرة التأثير في النظام الدولي الجديد.

ختاما

التاريخ لا يُصنع دائما في القمم الرسمية وبعد احتفالات نهاية الحروب؛ أحياناً يُكتب على سفن تعبر مضيقا مغلقا، وفي قاعات برلين وباريس حين يُعيد القادة الأوروبيون حساباتهم الاستراتيجية من الصفر، وعلى رصيف ميناء طنجة المتوسط الذي يستقبل تجارة عالمية تبحث عن ممرات بديلة بعيدا عن بؤر الاضطراب.

وفي زمن من هذا القبيل، لا تكفي القراءة السطحية للعناوين، إذ يستلزم فهم ما يجري قراءةً معمّقة للخريطة في أبعادها المتكاملة: أين الاستقرار؟ وأين البنية التحتية القادرة على استيعاب التحولات؟ وأين الدبلوماسية المتوازنة التي تُبقي لصاحبها خياراته مفتوحة؟

أما المنطقة العربية، فأمامها استحقاق لا يحتمل التأجيل، أن تنتقل من موقع المتأثر بالتحولات إلى موقع الفاعل في صياغتها، مستثمرةً في ذلك موقعها الجغرافي الاستراتيجي وثرواتها الطبيعية والبشرية وعمق إرثها الحضاري، في بناء مشروع عربي إسلامي تكاملي يرتكز على التضامن ووحدة المصير، ويجعل من استقلالية القرار قدرةً مؤسسية راسخة لا مجرد خطاب..