مونديال 1974.. حين انتصرت الواقعية الألمانية على سحر الكرة الشاملة لهولندا
شكلت نهائيات كأس العالم عام 1974، التي احتضنتها ألمانيا الغربية( ألمانيا الحالية)، واحدة من أكثر النسخ تأثيرا في تاريخ كرة القدم، بعدما تحولت إلى مسرح لصدام كروي وفلسفي بين منتخب هولندي أبهر العالم بأسلوب “الكرة الشاملة”، ومنتخب ألماني عرف كيف يحول الانضباط والواقعية إلى طريق نحو المجد العالمي.
ومنذ انطلاق البطولة، خطف المنتخب الهولندي الأنظار بطريقة لعبه الثورية بقيادة الأسطورة يوهان كرويف، الذي جسد روح فريق لا يعترف بالمراكز الثابتة، حيث يتحرك اللاعبون بانسيابية كبيرة بين الدفاع والهجوم، في منظومة جماعية متكاملة مستوحاة من فلسفة نادي أياكس أمستردام الهولندي.
وأبهرت هولندا عشاق الكرة العالمية بأدائها الساحر، بعدما تجاوزت منتخبات قوية مثل الأرجنتين والبرازيل، حاملة لقب نسخة العام 1970، مقدمة كرة قدم هجومية حديثة جمعت بين الإبداع التقني والذكاء التكتيكي والحركية الدائمة.
وفي المقابل، دخل منتخب ألمانيا الغربية البطولة بثقة كبيرة مستندا إلى خبرة نجومه الكبار، يتقدمهم القائد فرانز بيكنباور، الذي أعاد تعريف دور “الليبرو” العصري، والمهاجم القناص جيرد مولر، أحد أبرز الهدافين في تاريخ اللعبة.
ورغم أن الأداء الألماني بدا أقل إبهارا مقارنة بالمدرسة الهولندية، فإن “المانشافت” تميز بصلابة ذهنية كبيرة وقدرة استثنائية على التعامل مع اللحظات الحاسمة، وهو ما ظهر بوضوح في المباراة النهائية التي احتضنتها مدينة ميونخ الألمانية.
ودخلت هولندا النهائي بقوة، بعدما تحصلت على ركلة جزاء منذ الثواني الأولى إثر انطلاقة رائعة لكرويف، سجل منها يوهان نيسكينز هدف التقدم، قبل أن يلمس أي لاعب ألماني الكرة.
لكن المنتخب الألماني لم يفقد توازنه، بل رد بهدوء وثقة، حيث عادل النتيجة عبر بول برايتنر من ركلة جزاء، قبل أن يضيف جيرد مولر هدف الفوز قبيل نهاية الشوط الأول.
وفي الجولة الثانية، فرض الألمان انضباطهم الدفاعي أمام الضغط الهولندي المتواصل، ليحافظوا على تقدمهم في النتيجة حتى صافرة النهاية، ويحققوا الفوز بهدفين مقابل هدف واحد، محرزين لقبهم العالمي الثاني.
ولعل نهائي العام 1974 جسد واحدة من أكثر الحقائق قسوة في عالم كرة القدم، وهي أن المتعة وحدها لا تكفي دائما للفوز بالألقاب.
فبينما خسر المنتخب الهولندي الكأس، كسب مكانة خالدة في ذاكرة اللعبة بفضل أسلوبه الثوري الذي غير مفاهيم كرة القدم الحديثة.
أما ألمانيا الغربية، فقد أثبتت أن الواقعية والانضباط والنجاعة يمكن أن تكون بنفس قوة الإبداع والمتعة، لتدخل التاريخ بطلة للعالم، في نسخة ستظل شاهدة على واحدة من أعظم المواجهات الفكرية والفنية في تاريخ الساحرة المستديرة.
*خديجة اسويس.. صحافية متدربة