من طنجة إلى المالديف.. ابن بطوطة شخصية الدورة 31 لمعرض الكتاب بالرباط
بينما تتجه الأنظار إلى فضاء “OLM السويسي” بالعاصمة الرباط، حيث تنطلق فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، تحضر إلى جانب الكتب المصففة على الرفوف روح الرحالة المغربي العابرة للقرون ابن بطوطة الذي اختارته الدورة 31 للمعرض شخصية محورية هذه السنة.
وتحت شعار “الكتاب سفر، والسفر كتاب”، يسعى المعرض هذا العام إلى إحياء تقليد إنساني ضارب في القدم، حيث لا يقرأ العالم كحقائق جافة عبر الخرائط و الكتب فقط، و إنما يعاش ويروى كتجربة حية، تماما كما فعل هذا الطنجي الشجاع قبل سبعة قرون.
فمن طنجة إلى المالديف، ومن أسواق القاهرة إلى بلاطات الهند، تشكلت حكاية رجل أعاد اكتشاف العالم عبر قطع مسافات طويلة ،تاركا أثرا يتجاوز حدود الجغرافيا ليصير شهادة حية على تنوع التجارب البشرية.
من طنجة.. بداية الحكاية
ولد ابن بطوطة سنة 1304 بمدينة طنجة، داخل أسرة عُرفت باشتغالها بالقضاء والعلوم الشرعية، في زمن كانت فيه المعرفة مرتبطة بالفقه واللغة والدين.
و في ذلك الزمن المريني، كانت المعرفة ترتكز على أعمدة الفقه واللغة والدين، وهي البيئة العلمية المحافظة التي نشأ فيها الشاب، حيث تلقى تعليمه الأولي في الكتاتيب، فحفظ القرآن وتشرّب مبادئ الفقه المالكي، ما شكّل له أساسا معرفيا صلبا ومنطلَقا ذهنيا سيرافقه في أدق محطاته الكونية.
ولم تكن هذه النشأة “اللواتية” مجرد مرحلة تعليمية عابرة، و إنما كانت تأسيسا لشخصية فريدة تجمع ببراعة بين الانضباط العلمي الصارم والفضول المعرفي الجامح.
في تلك المرحلة، لم يكن الشاب الطنجي يدرك أن هذا التكوين التقليدي هو الذي سيؤهله ليكون شاهدا استثنائيا على عوالم متباينة، يتنقل بينها بعين الفقيه الخبيرة وفضول الرحالة الظمآن للاكتشاف في آن واحد.
من الحج إلى اكتشاف العالم
في سن الحادية والعشرين، وبينما كان أقرانه يخططون لمستقبل مستقر في القضاء، حزم ابن بطوطة أمره وغادر مسقط رأسه متوجها إلى مكة لأداء فريضة الحج.
كانت الرحلة في ذهن الشاب قصيرة ومحدودة الهدف، غير أنها سرعان ما تحولت بفعل “سحر الطريق” إلى مسار طويل امتد لقرابة ثلاثة عقود، قطع خلالها عشرات الآلاف من الكيلومترات في زمن كانت فيه المسالك محفوفة بالمخاطر والأهوال.
و طاف “ابن بطوطة” بين شمال إفريقيا والمشرق العربي، ثم واصل مغامرته نحو الهند والصين، مرورا بسواحل شرق إفريقيا وغربها، في مسار لم يكن مألوفا في عصره من حيث الطول أو التنوع الثقافي والجغرافي.
هذا التحول الجذري من “حاج” يقصد بيتا معلوما إلى “رحالة كوني” يكتشف المجهول، لم يكن مخططا له في البداية، و إنما فرضته سيرورة السفر التي فتحت أمام مداركه آفاقا جديدة، جعلت من الاستكشاف نمط حياة وهُوية.
بين القضاء والدبلوماسية
في أسفاره الطويلة، انصهر ابن بطوطة في المجتمعات التي زارها عكس السياح العاديين، مستثمرا تكوينه الشرعي المتين في شغل مناصب رفيعة؛ حيث اشتغل قاضيا في الهند وجزر المالديف.
وقد مكنته من فهم البنيات الاجتماعية والقانونية لتلك الشعوب من “الداخل”، ملامسا تفاصيل حياتهم اليومية ونزاعاتهم وأعرافهم، وهو ما منحه تفوقا على الرحالة الذين اكتفوا بوصف المظاهر العامة.
كما تولى مهاما ديبلوماسية حساسة، كانت أبرزها سفارته التاريخية إلى بلاد الصين، ما جعله ينتقل من رتبة الرحالة الفرد إلى منزلة الفاعل السياسي داخل شبكة العلاقات المعقدة بين الدول آنذاك.
كما منح هذا التداخل رحلته عمقا “أنثروبولوجيا” نادرا، حيث امتزجت التجربة الشخصية الوجدانية بالمعرفة المؤسساتية الرصينة، وهو ما لا نجده إلا في أمهات كتب الرحلة العالمية.
“تحفة النظار”
و بأمر مباشر من السلطان المريني أبي عنان، وتدوينا من الأديب ابن جزي، خرج للنور كتاب “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” الذي دوّن تجارب وملاحظات ابن بطوطة.
لم يكن هذا المخطوط مجرد سرد للمدن والمسالك، بل تحول بمرور الوقت إلى سجل حي لتجارب إنسانية مذهلة، ترصد أدق تفاصيل الحياة في بيئات جغرافية ومناخية متناقضة.
تجاوز الكتاب الوصف السطحي ليتناول العادات والتقاليد، وأنماط الحكم، والطقوس الدينية، وحتى أنواع الأطعمة والعلاقات الاجتماعية، ما جعله يقف كدراسة “أنثروبولوجية” مبكرة سبقت عصرها.
وبفضل هذا الثراء المعرفي، ظل كتاب “الرحلة” مرجعا عالميا لا غنى عنه لفهم تاريخ المجتمعات في القرن الرابع عشر، بعيدا عن السرديات السياسية الرسمية التي غالبا ما تغفل تفاصيل “الإنسان” العادي.
أثر لا يمحوه الزمن
امتدت رحلات ابن بطوطة عبر أكثر من 40 دولة في ثلاث قارات، في تجربة غير مسبوقة وضعت اسم المغرب في سجلات العالمية، ماجعله يحظى باعتراف أكاديمي دولي، حيث منحته جامعة “كامبريدج” لقب “أمير الرحالة المسلمين”، تقديرا لسبقه وشجاعته ودقة ملاحظته
ورغم ما يكتنف تاريخ وفاته من غموض واختلاف، إلا أن أثره ظل نابضا بالحياة من خلال كتابه الذي استمر في إلهام الرحالة والباحثين عبر القرون.
واليوم، ومع استحضاره في معرض الرباط للكتاب 2026، يعود ابن بطوطة كرمز مغربي يتجاوز زمنه الخاص، ليؤكد لنا أن السفر فعل حضاري لفهم العالم وإعادة كتابة قصته من جديد.