من أحداث معزولة إلى ظاهرة رقمية.. كيف تمدد خطاب الكراهية ضد المهاجرين بالمغرب؟
كشف تقرير حديث عن تصاعد لافت في انتشار الخطابات المعادية للمهاجرين على المنصات الرقمية بالمغرب، محذراً من انتقال هذه الخطابات من مجرد تعبيرات معزولة إلى منظومة رقمية منظمة تساهم في إنتاج ونشر روايات تحريضية ضد المهاجرين.
وأفادت النسخة الثانية من البارومتر، التي أصدرها مرصد “ميغرابريس” (Migrapress) والمعنونة “من الاستقطاب إلى التطبيع: خريطة المنظومة الرقمية المعادية للمهاجرين في المغرب”، بأن 76.4 في المائة من المحتويات التي جرى تحليلها تتضمن مضامين تندرج ضمن الكراهية أو الوصم أو التمييز أو التحريض على العنف، فيما بلغت نسبة المحتويات ذات الحدة المتوسطة أو القوية 72.4 في المائة.
كما أظهر التقرير أن 65.1 في المائة من هذه المنشورات تضمنت معلومات كاذبة أو غير موثقة، معتبراً أن التضليل الرقمي أصبح أحد المحركات الأساسية لإنتاج الصور النمطية السلبية تجاه المهاجرين.
وأشار معدو التقرير إلى أن أكثر المضامين تطرفاً هي أيضاً الأكثر انتشاراً وتفاعلاً، موضحين أن عامل الانتشار لا يرتبط فقط بصحة المعلومات، بل يرتبط أساساً بالشحنة العاطفية التي تحملها المنشورات، والتي تقوم على إثارة الخوف والغضب والدعوة إلى التشدد.
وبحسب التقرير، تمثل المواضيع المرتبطة بالأمن والجريمة نحو 40 في المائة من مجموع المحتويات التي خضعت للتحليل، وهو ما يعكس هيمنة الربط بين الهجرة والجريمة داخل الخطاب الرقمي المتداول.
وسجل التقرير أيضاً تطوراً مقارنة بالنسخة الأولى، التي همت الربع الأول من سنة 2026، معتبراً أن الفضاء الرقمي انتقل من مجرد تسجيل ارتفاع في خطاب الكراهية إلى بروز مجتمعات رقمية متخصصة في إنتاج وترويج الروايات المعادية للمهاجرين.
واعتمدت الدراسة على رصد محتويات منشورة عبر عدة منصات رقمية، استناداً إلى الكلمات المفتاحية والأحداث المرتبطة بملف الهجرة، بهدف تتبع المحتويات الأصلية وآليات إعادة نشرها وانتشارها.
وفي المقابل، خلص التقرير إلى أن الخطابات المضادة للكراهية ما تزال ضعيفة الحضور، وغير قادرة على منافسة الروايات السلبية، وهو ما يساهم، بحسب معديه، في تطبيع الخطابات التمييزية وتحويلها تدريجياً إلى جزء من النقاش العمومي.
وفي شرحه لهذه النتائج، اعتبر حسن بنطالب، الباحث في قضايا الهجرة ومدير مشروع “ميغرابريس”، أن تصاعد خطاب الكراهية ضد المهاجرين في المغرب لم يعد ظاهرة ظرفية مرتبطة بأحداث معزولة، بل تحول إلى خطاب رقمي دائم يتوسع تدريجياً خارج سياق الأحداث الاستثنائية.
وقال بنطالب، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن هذا الموضوع ظل غائباً عن النقاش العمومي، موضحاً أن بدايات الخطاب المعادي للمهاجرين “تعود إلى سنة 2013، مع إطلاق السياسة الوطنية الجديدة للهجرة، حيث كانت الانتقادات محدودة ولم تكن تحظى بانتشار واسع”.
وأضاف أن الوضع تغير ابتداء من سنة 2017، مع عودة المقاربة الأمنية في تدبير ملف الهجرة، إذ بدأت تظهر خطابات كراهية كانت ترتبط في البداية بأحداث معينة، مثل وقوع جرائم أو مواجهات محلية، قبل أن تتطور لاحقاً إلى خطاب أكثر انتشاراً واستمرارية.
وأشار إلى أن أحداثاً شهدتها مدن مثل طنجة والدار البيضاء كانت تشكل في السابق “محفزات” لخروج هذا الخطاب إلى العلن، غير أن المرحلة الحالية تختلف، لأن خطاب الكراهية أصبح، بحسب تعبيره، “كثيفاً وروتينياً، ولم يعد مرتبطاً فقط بالأحداث الطارئة”.
وأوضح الباحث أن جزءاً من هذا التحول تأثر أيضاً بالخطابات الإقليمية والدولية، مستحضراً الخطاب الذي ألقاه الرئيس التونسي قيس سعيّد سنة 2023 حول المهاجرين، معتبراً أن هذه السرديات انتقلت إلى المغرب عبر منصات مثل فايسبوك وتيك توك ويوتيوب، حيث انتشرت دعوات إلى ترحيل المهاجرين أو مقاطعتهم ورفض التعامل معهم أو تأجيرهم المساكن.
وأضاف أن التحليل الذي أنجزه “ميغرابريس” أظهر أيضاً استعارة عدد من المضامين المتداولة في المغرب لمفاهيم وخطابات اليمين المتطرف الأوروبي، من بينها الحديث عن “الاستبدال الكبير”، وانتقاد زواج المغربيات من مهاجرين أفارقة، إلى جانب اتهام الدولة بالتساهل مع الهجرة أو العجز عن تدبيرها.
وفي المقابل، شدد بنطالب على ضرورة التمييز بين الفضاء الرقمي والواقع اليومي، موضحاً أن مناطق مغربية “تعرف حضوراً كبيراً للمهاجرين، مثل بعض أحياء الدار البيضاء والقليعة، تشهد أشكالاً من التعايش، في حين تبدو منصات التواصل الاجتماعي فضاء أكثر حدة في إنتاج وترويج الخطابات العنصرية”.
وحذر الباحث من أن أخطر ما في هذه الخطابات هو أنها “تشرعن العنف وتخلق مناخاً قد يسهل استهداف المهاجرين”، مستحضراً قضية المواطن المغربي عبد الرحيم فقير الذي قتل خلال تدخل أمني بإيطاليا، معتبراً أنها “تعكس نتائج تصاعد الخطابات المعادية للمهاجرين في عدد من الدول الأوروبية”، ومبدياً تخوفه من انتقال مظاهر مشابهة إلى المغرب إذا استمر تطبيع هذا النوع من الخطاب دون مواجهة.