من أجل ولاية حكومية وحيدة
مع اقتراب موعد الانتخابات، أصبحت دوائر السلطة تسمح، تدريجيا، بتوجيه الانتقادات بل وحتى الضربات أحيانا، الى حزب الأحرار من أجل فتح اللعبة السياسية أكثر، والتخلص تدريجيا من إرث رئيس الحكومة عزيز أخنوش لضمان انتقال – استقرار سياسي وحكومي. وفي انتظار اتضاح البديل الحكومي، يتم الترويج، بذكاء، لعدد من الشخصيات والقيادات السياسية لتسيير الحكومة المقبلة: آخرها الوزير فوزي لقجع، الوجه الصاعد في حزب الأصالة والمعاصرة، وذلك بعد أن كان الوزير نزار بركة، والوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري هي الشخصيات التي يتم ترشيحها للمنصب بقوة خلال الأشهر السابقة.
قبل بضعة شهور، كانت صورة فاطمة الزهراء المنصوري تحتل واجهة الماركيتينغ السياسي، إلا أن رياح السلطة تحولت بسرعة وتمت المراهنة، لفترة قصيرة، على الوزير نزار بركة وحزب الاستقلال، ثم جاء فوزي لقجع ليخلط الأوراق من جديد، ولتعود سردية “حكومة المونديال” إلى الواجهة، ولتستمر لعبة السلطة في الترشيحات بتحولاتها وتقلباتها المبنية على الشخصيات أكثر من البرامج.
يتم الترويج لانفتاح أكبر للعبة السياسية من خلال فتح نقاشات حول عدد من الملفات التي أفرزها سوء التدبير الحكومي مثل الدعم المالي المعروف باسم ملف “الفراقشية” والذي تولى تدبيره بشكل أساسي وزارة الفلاحة التابعة لحزب الاحرار. فقد كان واضحا أن هذه الأزمة موجهةٌ سياسيا من خلال الترويج لفكرة لجنة تحقيق برلمانية، وصحفيا (مجلة “ملفات” قامت، مثلا، بإصدار تحقيق صحفي حول “الفراقشية” تمت المبالغة في الاشهار له والترويج له) بدون ان يعني ذلك انه لم يكن هناك تلاعب في الدعم المالي في هذا الملف، وفي غيره حسب ما كشفه عدد من أحزاب المعارضة ومن الجمعيات.
إن استهداف حزب الأحرار، بغض النظر عن شعبيته، ليس استهدافاً منهجياً ومتواصلا، بل هو جزء من لعبة دقيقة في التخطيط وفي توزيع الأدوار. ولهذا نرى أن صحافة السلطة السياسية والاقتصادية ما زالت تجتهد من اجل إعطاء هذا الحزب، إلى جانب الأصالة والمعاصرة، الكلمة أكثر من أحزاب المعارضة (العدالة والتنمية – التقدم الاشتراكية – فدرالية اليسار …)
التحول الكبير في اللحظة السياسية الراهنة كان هو استقالة عزيز أخنوش التي شكلت صفارة الانطلاقة الحقيقية للحملة الانتخابية بغض النظر عن التساؤلات حظوظ كل حزب لغياب قانون لاستطلاع الرأي في المغرب، وحول نسبة المشاركة المنتظرة التي قد تجعلنا نعود إلى سيناريو انتخابات 2007. كيف استقال عزيز أخنوش؟ ولماذا؟ مازالت هذه الأسئلة مطروحة لأن المعطيات القليلة التي خرجت إلى الآن لا تشفي الغليل كما هو الحال في الشأن السياسي المغربي الذي يهيمن عليه الصمت والتكتم. لكن لحظة الاستقالة – الإقالة، حسب عدد من المحللين، هاته هي تأكيد لبنية سياسية ثابتة ترسخت خلال السنوات الماضية، ربما منذ 2011، وتقوم على ضرورة الحفاظ على الاستقرار الحكومي بجميع الوسائل، ومهما كان الثمن. ويمكن للملاحظ أن يرى كيف أن جميع الأزمات التي عاشتها مثلا هذه الحكومة (مقاطعة شركات كبرى – حراك الريف – مظاهرات فكيك – إضراب الأساتذة – حركة جيل زيد – أزمة الهجرة الكبيرة إلى سبتة المحتلة…) لم تؤدي إلى أية استقالة أو إقالة رغم ما يتيحه الدستور من إمكانيات في هذا الصدد، ورغم مطالب الشارع وبعض قادة الأحزاب. خلال ولاية هذه الحكومة، كان هناك تعديل وزاري وحيد في منتصف الولاية الحكومية جاء ليؤكد أن هناك تقليد راسخ هو: تعديل منتصف الولاية الذي تم ابتداعه لأول مرة مع حكومة التناوب في 1998.
الإصرار على الاستقرار الحكومي يوازيه حرص على ضمان اجراء الانتخابات بشكل منتظم كل 5 سنوات، وعدم المغامرة بتنظيم انتخابات سابقة لأوانها عند وقوع تعثرات أو أخطاء حكومية (الاستثناء الوحيد كان هو تنظيم انتخابات سابقة لأوانها في 2011 أدت إلى سقوط حكومة عباس الفاسي بعد احتجاجات حركة 20 فبراير). إن الاستقرار الحكومي وانتظام الانتخابات هو مطلب أساسي لترسيخ الشرعية الداخلية، وللاستهلاك الخارجي لان محاسبة وترتيب الدول على سلم الدمقراطية يُقاس على المستوى الدولي بمعيار دورية الانتخابات وتنظيمها في مواعيدها الدستورية. لكن هذه المعايير لا تمنع من القيام بتعديلات حكومية. ينضاف الى ذلك، رهانات تتعلق بالسياسة الخارجية المغربية، والحرص على ضمان استقرار يسمح بمواجهة متطلبات الدفاع عن قضية الوحدة الترابية كإحدى اركان الشرعية السياسية ومواجهة التقلبات الجيوسياسية.
من بين ثوابت الحقل السياسي المغربي أيضا محاولة ترسيخ تقليد تدافع عنه أوساط في السلطة يقول إن رئيس الحكومة له الحق في ولاية واحدة فقط في ظل دستور 2011. وهو ما تم فعلا على عهد جميع رؤساء الحكومات بمن فيهم عبد الرحمان اليوسفي الذي لم يتم تجديد ولايته بسبب “عدم احترام المنهجية” الدمقراطية”، وعبد الإله ابن كيران نتيجة أزمة “البلوكاج”. هذه الأوساط تراهن، في الحقيقة، على تعديل الفصل 47 من الدستور، أحد أهم محاور إعادة ترتيب السلط وتنظيمها، وكأنها نادمة على هذا الفصل، وترى فيه عرقلة لرؤيتها المعارضة للخيار الدمقراطي، ولتطوير النسق السياسي بشكل عام. وهو رهان لم ينجح في التحقق حتى الآن على الأقل لعدم وضوح رغبة المروجين له في فتح نقاش، غير محمود العواقب، حول تعديل الدستور.
قد يكون الابداع الجديد لهذه الولاية الحكومية هي ذهاب الزعيم/الرئيس عزيز أخنوش بدون محاسبة مباشرة وشخصية خلال هذه الانتخابات، وهو اجتهاد لم يحصل منذ تجربة التناوب في 1998. ذلك أن جميع رؤساء الحكومات قدموا الحساب عند نهاية ولايتهم. لكننا في 23 شتنبر المقبل، سنقف امام حصيلة فريدة من نوعها لحكومة قادتها ثلاثة أحزاب. هل سيدافع عنها عزيز اخنوش من داخل حزبه بعد أن قرر البقاء في الحزب دون الاستقالة من السياسة؟ أم انه سيترك هذه المهمة للأخرين (الطالبي العلمي – مصطفى بايتاس…) في الوقت الذي يبدو واضحا أن الاستقلال والاصالة والمعاصرة لا يريدان الدفاع عن هذه الحصيلة.
لماذا هذا التحول؟ من سيحاسب من إذن؟
الجواب على هذه الأسئلة يكمن في أن أحد أهم الإشكاليات التي يطرحها تفعيل الدستور عموما، ليس فقط خلال لحظة الانتخابات، هو عدم تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. ويمكن القول بدون مبالغة إن هذه الاستقالة/الإقالة لرئيس الحكومة تخلط الأوراق السياسية بذكاء، لكنها تفرغ مجددا جوهر هذا المبدأ الدستوري الأساسي من مضمونه. وهي تكشف مرة أخرى ان النص الدستوري يمكن دائما تجاوزه عند الممارسة، وهو ما يتفادى الحديث عنه بعض المحللين، وعلماء السياسة الشكلانيين أكثر من اللازم.