محمد البوساتي.. أسطورة الهدافين المغاربة
انتعاش الدوري المغربي لكرة القدم خلال الأسابيع الأخيرة، وتصاعد عدد الأهداف المسجلة في كل المباريات، وبروز هداف نادي المغرب الفاسي سفيان بنجديدة الذي يتصدر قائمة الهدافين ب 12 هدفا في الشطر الأول للموسم ، يذهب بالمتتبعين إلى تذكر لاعب النادي القنيطري محمد البوساتي الهداف التاريخي للبطولة الوطنية، الذي لازال رقمه القياسي مستعصيا إلى اليوم على جميع أجيال الهدافين الذين جاؤوا بعده منذ 1981-1982 وهو الموسم الذي كان قد سجل فيه 25 هدفا.
حاول بعده العديد من المهاجمين الاقتراب من هذا الرقم، لكن دون جدوى. فعبد السلام لغريسي، هداف الجيش الملكي، تمكن من تسجيل 22 هدفا خلال الفترة الممتدة بين 1989 و1991، وهو نفس الرقم الذي حققه حسن بوشعيب في موسم 1956-1957 بقميص الدفاع الحسني الجديدي. أما محسن ياجور، فقد وصل إلى 19 هدفا مع الرجاء الرياضي في موسم 2018-2019، فيما سجل أيوب الكعبي 18 هدفا مع الوداد الرياضي خلال موسم 2020-2021.
محمد البوساتي قد تكون معظم جماهير الأندية المغربية اليوم لم تشاهده وهو يهز شباك الخصوم مع “الكاك” ومع المنتخب الوطني أيضا، ولكن الذين عاصروا فترته الذهبية تلك، لازالوا ينقلون صورة أسطورية عنه في حقبة كروية كانت تعج بالنجوم والمواهب الخارقة محليا وقاريا وعالميا.. يحكون عن البوساتي أنه كان بدون أدنى مبالغة فلتة نادرة من الهدافين، كان مهاجما متكاملا بقامة فارهة وجسد متناسق يجيد اللعب بكلتا القدمين، ويتقن الضربات الرأسية بفعل قدرته المميزة في الإرتقاء، بالإضافة إلى حاسته الرفيعة في التهديف التي جعلته يبرع في كيفية التموقع في مربع عمليات الخصوم، وإنهاء التمريرات التي كانت تصله في الشباك بنجاح.
قصة محمد البوساتي مع كرة القدم تقترن بمسار جيل ذهبي كامل أنجبته مدينة القنيطرة في بداية سبعينيات القرن الماضي، فقد برز منذ طفولته في ملاعب المدينة كموهبة واعدة في صفوف فريق الحياة الصغيرة، ففي إحدى المباريات الودية التي جمعت فريقه الصغير بفريق الشبان للنادي القنيطري كانت نقطة التحول الأولى في مساره الكروي.
في تلك المواجهة تألق محمد البوساتي بشكل لافت، ونجح في تسجيل ثلاثة أهداف، ليخطف الأنظار ويثير إعجاب الحاضرين. كانت المفارقة أن الفريق الذي سجل في مرماه تلك الثلاثية سيصبح بعد سنوات قليلة ناديه الوحيد الذي سيدافع عن ألوانه طوال مسيرته. فكان بمثابة العصفور الناذر الذي تبحث عنه كرة القدم المغربية، فانضم لفئات الكاك سنة 1969، وبعدها وبالضبط سنة 1973 سيتم تصعيده للفريق الأول الذي كان يدربه ٱنداك رمز المؤطرين والمدربين القنيطريين محمد الصويري.
وهو لا يزال شابا في بداية الطريق، خاض محمد البوساتي أول مباراة له مع الفريق الأول للنادي القنيطري في مواجهة الوداد البيضاوي. ومنذ تلك المباراة بدأ اسم مهاجم جديد يفرض نفسه تدريجيا داخل البطولة المغربية. بفضل حركاته اللافتة داخل منطقة الجزاء، وقدرته الكبيرة على التمركز واستغلال الفرص، تحول بسرعة إلى أحد أبرز المهاجمين في الفريق، قبل أن يصبح مع مرور السنوات معشوق جماهير النادي القنيطري وأحد أعمدته الأساسية.
ما ميز مسيرة البوساتي في ملاعب كرة القدم، هو وفاؤه النادر لفريق مدينته . ففي زمن كانت فيه الانتقالات محدودة والاحتراف في بداياته، ظل مرتبطاً بالنادي القنيطري من سنة 1972 إلى غاية اعتزاله سنة 1991، قاطعا مسيرة كاملة بقميص واحد. خلال تلك السنوات الطويلة تحول إلى رمز حقيقي للنادي، وإلى واحد من أكبر المهاجمين في البطولة الوطنية.
بلغ البوساتي قمة عطائه في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، فقد توج هدافا للبطولة في عدة مناسبات، أبرزها في مواسم 1977 و1981، قبل أن يحقق إنجازا سيظل محفورا في تاريخ الكرة المغربية إلى اليوم. ففي موسم 1981–1982 تمكن من تسجيل 25 هدفا وهو الرقم القياسي الذي لازال صامدا رغم مرور 45 سنة على تحقيقه، والمثير في إنجاز البوساتي هو غيابه عن ثماني مباريات كاملة ذلك الموسم بسبب الإصابة، مما يؤكد أنه كان هدافا متفردا لم تعرف الملاعب المغربية مثيلا له.
كانت هذه الأرقام والإنجازات، داعيا لعدد من الأندية المغربية والأجنبية من أجل السعي لانتذابه، غير أن انتقاله لم يتحقق في الكثير من المناسبات. وفسر البوساتي ذلك في حوارات صحفية، بأن مسؤولي النادي القنيطري كانوا يفضلون الاحتفاظ به داخل الفريق الذي كان وقتها الأبرز في البطولة الوطنية وكان يخوض المسابقات الإفريقية كذلك.
إلى جانب مسيرته مع النادي القنيطري، حمل محمد البوساتي قميص المنتخب الوطني المغربي في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات. فقد خاض أكثر من عشرين مباراة دولية بين 1977 و1982، سجل خلالها عشرة أهداف، وشارك في عدد من المباريات المهمة سواء في تصفيات كأس العالم أو في المنافسات الإفريقية، إضافة إلى مباريات ودية ضد منتخبات عربية وإفريقية بارزة.
وعندما وضع حدا لمسيرته الكروية مطلع التسعينيات، اختار البوساتي الابتعاد عن الأضواء والعودة إلى حياة أكثر بساطة. فقد اشتغل في قطاع الماء والكهرباء بمدينة القنيطرة، كما ساهم لفترة في تأطير الفئات الصغرى داخل النادي القنيطري، في محاولة لنقل تجربته إلى الجيل الجديد من اللاعبين. وفي أحد تصريحاته الصحفية سنة 2012 تحدث بصراحة عن تلك المرحلة، موضحاً أنه عاد إلى عمله السابق بعدما بدأت مشاكل النادي تتفاقم، وبدأت مرحلة انحدار إلى الإقسام السفلى لازال لم يتخلص منها إلى اليوم.