story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

ما وراء صراع “أحزاب الأعيان”

ص ص

إذا كانت الانتخابات تمثل، في الأنظمة الديمقراطية، لحظة للتنافس بين الأحزاب السياسية حول البرامج والسياسات العمومية، فإنها تشكل، في الوقت نفسه، مناسبة لإعادة تشكيل النخب وإعادة توزيع موازين القوة داخل الحقل السياسي. لذلك فإن قراءة الاستحقاقات الانتخابية لا تقتصر على معرفة الحزب السياسي الذي سيفوز أو الأغلبية الحكومية التي ستتشكل، وإنما تمتد إلى تحليل طبيعة القوى المتنافسة، والتحولات التي تكشفها في بنية النظام السياسي. ومن هذا المنطلق، تبدو الانتخابات التشريعية لسنة 2026 مختلفة عن سابقاتها، ليس لأنها قد تفرز فائزا جديدا، وإنما لكونها قد تؤشر على تحول بنيوي في طبيعة المنافسة السياسية نفسها. فما يبدو على السطح صراعا بين “أحزاب الأعيان” قد يخفي وراءه إعادة تشكيل للنخب، وإعادة ترتيب لمراكز النفوذ، وتحولا في وظيفة الانتخابات والأحزاب داخل النظام السياسي.

لقد عرف المغرب، منذ أول انتخابات بعد الاستقلال، نمطا من المنافسة قام، في جزء كبير منه، على ثنائية المناضلين والأعيان. فقد اعتمدت أحزاب الحركة الوطنية، على التنظيم الحزبي والشرعية النضالية والتأطير الإيديولوجي، بينما استندت أحزاب أخرى، بدرجات متفاوتة، إلى نفوذ الأعيان والمنتخبين المحليين والفاعلين الاقتصاديين القادرين على تعبئة الكتلة الناخبة. ولم يكن هذا التقابل مجرد اختلاف في تقنيات الفوز بالمقاعد، بل كان يعكس تصورين مختلفين للعمل السياسي: أحدهما يجعل الحزب السياسي مؤسسة لإنتاج النخب وتأطير المجتمع، وأداة للبناء الديمقراطي والآخر ينظر إلى الانتخابات باعتبارها رهانا على النفوذ المحلي وشبكات الوساطة، بما يكرس صورة “الحزب المدافع عن العرش”.

ورغم التحولات التي عرفها المشهد الحزبي، استمرت هذه الثنائية لعقود. وحتى مع صعود حزب العدالة والتنمية، أعيد إنتاجها في صيغة جديدة، حيث مثل هذا الحزب آخر قوة انتخابية كبرى تعتمد أساسا على التنظيم الداخلي والتدرج الحزبي، في مقابل أحزاب سياسية وسعت حضور الأعيان داخل هياكلها. ولهذا ظلت الانتخابات، إلى حدود سنة 2021، تعكس مواجهة بين منطق التنظيم ومنطق النفوذ، بين الحزب الذي يستمد شرعيته من بنيته التنظيمية ومن اختياراته الإيديولوجية، والحزب الذي يستمد قوته من شبكات المنتخبين والأعيان.

غير أن انتخابات 2021 دشنت تحولا نوعيا. فبعد التراجع المثير الذي عرفه حزب العدالة والتنمية، اختفى آخر منافس انتخابي كبير يجسد نموذج الحزب الجماهيري، بالمعنى الذي صاغه موريس ديفرجيه، وأصبحت الأحزاب السياسية الأكثر قدرة على المنافسة تتقارب في بنيتها الاجتماعية وآليات اشتغالها، وتعتمد جميعها، وإن بدرجات متفاوتة، على استقطاب الأعيان والمنتخبين المحليين والفاعلين الاقتصاديين. وبهذا المعنى، فإن انتخابات 2026 تمثل أول استحقاق انتخابي منذ الاستقلال يدور فيه التنافس، بصورة تكاد تكون كاملة، بين حزبين يستندان إلى المنطق نفسه، بعد أن انهارت الثنائية التي طبعت الحياة الحزبية المغربية لعقود.

غير أن خصوصية هذا التحول لا تكمن فقط في انتقال المنافسة من مواجهة بين “أحزاب التنظيم” و”أحزاب الأعيان” إلى منافسة بين “أحزاب الأعيان” نفسها، وإنما أيضا في طبيعة الأطراف المتنافسة. فالحزبان اللذان يتصدران المشهد السياسي ما قبل الانتخابات لا ينتميان إلى تقاليد المعارضة التاريخية، ولم يتشكلا في مواجهة المؤسسة الملكية أو خارج النسق السياسي القائم، بل نشآ في سياقات ارتبطت بإعادة هيكلة المشهد الحزبي من داخل الدولة.

فقد تأسس التجمع الوطني للأحرار سنة 1978 بمبادرة من أحمد عصمان، الوزير الأول آنذاك، في سياق إعادة بناء الأغلبية البرلمانية، قبل أن يتولى رئاسته، منذ سنة 2016، عزيز أخنوش في سياق ترتيبات محاصرة التمدد الانتخابي والسياسي لحزب العدالة والتنمية. أما حزب الأصالة والمعاصرة، فقد تأسس سنة 2008 بمبادرة من فؤاد عالي الهمة، الوزير المنتدب بالداخلية وقتها، الذي أصبح لاحقا مستشارا ملكيا، في سياق اتسم بانشغال الدولة بإعادة ترتيب الحقل الحزبي والبحث عن قوى سياسية قادرة على الحد من تنامي نفوذ الحركات الإسلامية، ولا سيما في ظل حالة من الإرهاق السياسي والتنظيمي التي أصابت “أحزاب الحركة الوطنية” وتراجع قدرتها على تجديد نخبها وخطابها واستعادة موقعها المركزي في التأطير السياسي.

ومنذ نشأتهما، قدم الحزبان نفسيهما باعتبارهما جزءا من القوى السياسية المنخرطة في دعم استقرار النظام السياسي والدفاع عن ثوابته ومرجعياته، وهو ما جعل التنافس بينهما يختلف، في طبيعته وحدوده، عن الصراعات التي طبعت مراحل سابقة من الحياة الحزبية المغربية، حين كان جانب أساسي من التنافس يقوم على التمايز بين أحزاب سياسية ارتبطت بالدولة ومؤسساتها، وأحزاب سياسية أخرى استندت إلى رصيد نضالي أو إلى موقع معارض للنظام.

ومن هنا، فإن صراع “أحزاب الأعيان” لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مجرد تنافس انتخابي بين “حزبين كبيرين”، وإنما بوصفه مؤشرا على انتقال المنافسة من مستوى الاختلاف بين مشاريع سياسية كانت تبدو متعارضة إلى مستوى إعادة توزيع مواقع القيادة داخل الفضاء السياسي نفسه، بحيث يميل التنافس بين أحزاب الأعيان إلى أن يدور أساسا حول الأشخاص ومواقع النفوذ وشبكات المصالح والقدرة على استقطاب النخب المحلية والموارد الانتخابية، أكثر مما يدور حول اختلاف جوهري في التصورات والمشاريع السياسية. وبالتالي، فإن السؤال لم يعد يتعلق بمن يمثل الدولة ومن يعارضها، وإنما بمن يمتلك القدرة الأكبر على تصدر المشهد خلال المرحلة المقبلة، واستقطاب النخب الأكثر تأثيرا، وبناء التحالفات الأوسع داخل الإطار السياسي والمؤسساتي القائم.

غير أن هذه الملاحظة، على أهميتها، لا تكفي لفهم دلالة المرحلة. فصراع “أحزاب الأعيان” على ما يبدو ليس سوى الوجه الظاهر لتحولات أعمق تمس بنية النظام الحزبي ووظائفه، وتمتد آثارها إلى آليات إنتاج النخب وتوزيع النفوذ داخل النظام السياسي. ومن ثم، قد لا تكون الانتخابات مجرد آلية لإعادة تشكيل الأغلبية الحكومية، بل أيضا مناسبة لإعادة ترتيب مواقع الفاعلين وموازين القوة بينهم، وإعادة تشكيل النخب القادرة على الاضطلاع بأدوار متقدمة في تدبير المرحلة القادمة. وبذلك، فإن ما يجري داخل الحقل الحزبي لا يمكن فصله عن تحولات أوسع في طريقة اشتغال النظام السياسي وآليات إنتاج النخب وتجديدها، وعن الحاجة إلى ضمان استمرارية التوازنات السياسية والمؤسساتية في مرحلة تبدو انتقالية ومفتوحة على تحولات مهمة.

وتزداد أهمية هذه القراءة إذا أخذنا بعين الاعتبار المناخ السياسي والإعلامي الذي يسبق انتخابات 2026. فقد عرفت الأشهر الأخيرة تصاعدا في الحملات الإعلامية، بالتوازي مع بروز احتجاجات “جيل زيد”، التي اتسمت في بعض مراحلها بأشكال من التصعيد، وأثارت نقاشا واسعا حول طبيعتها والجهات التي تقف وراءها. كما احتدم الصراع بين عدد من المنصات الرقمية المجهولة الهوية، قبل أن تعود إلى الواجهة ملفات سبق أن أثارت جدلا واسعا، وفي مقدمتها قضية “بيغاسوس”.

وفي الوقت نفسه، عرف المشهد الحزبي تطورات لافتة، حيث أعلن عزيز أخنوش مغادرته رئاسة الحزب وعدم ترشحه لانتخابات المقبلة، وهو الذي كانت كل المعطيات تؤشر على فوز حزبه المؤكد في الاستحقاق الانتخابي القادم، كما التحق فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، بحزب الأصالة والمعاصرة، وأصبح في نفس يوم التحاقه قياديا بالحزب، بل وتحول إلى “زعيم” يقود حملته الانتخابية في أكثر من منطقة. وهي كلها تطورات أضفت على مرحلة ما قبل الانتخابات زخما سياسيا مثيرا، وطرحت تساؤلات حول طبيعة التحولات التي تعرفها النخب السياسية والإدارية، ويعرفها النظام السياسي ككل.

وبغض النظر عن الكيفية التي يمكن بها تفسير كل واحدة من هذه الوقائع، فإن اجتماعها في فترة زمنية قصيرة يجعل من الصعب النظر إليها باعتبارها أحداثا منفصلة أو مجرد تزامن عابر. ولا يعني ذلك الجزم بوجود صراع خفي أو تبني بعض التأويلات المتداولة في الفضاء الرقمي، لأن مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى معطيات تتجاوز ما هو متاح للرأي العام. غير أن التحليل السياسي لا ينشغل فقط بما يحدث، بل بما تكشفه الوقائع، عند قراءتها في سياق واحد، من تحولات أعمق قد تطال طبيعة التنافس السياسي وآليات إعادة تشكيل النخب ومراكز النفوذ.

ومن هذه الزاوية، تبدو الانتخابات التشريعية القادمة أكثر من مجرد منافسة على تشكيل الحكومة. إنها لحظة يعاد فيها ترتيب موازين القوة بين النخب السياسية والاقتصادية والإدارية والإعلامية، وإعادة توزيع مواقع النفوذ داخل النسق السياسي. ولذلك فإن ما يجري خارج صناديق الاقتراع قد يكون، أحيانا، أكثر دلالة مما يجري داخلها، لأن الانتخابات لا تعكس فقط موازين القوى القائمة، بل تسهم أيضا في إعادة إنتاجها.

ومن ثم، فإن صراع “أحزاب الأعيان” ينبغي أن يقرأ باعتباره مؤشرا على تنافس أوسع حول قيادة المرحلة المقبلة، وعلى طبيعة النخب التي ستتولى تدبير الشأن العام، وحدود الأدوار التي ستضطلع بها الأحزاب في علاقتها بالإدارة والفاعلين الاقتصاديين والمجال الترابي ووسائل الإعلام. ولهذا فإن أهمية هذه الانتخابات لا تتوقف عند تحديد الحزب المتصدر أو الأغلبية التي ستشكل الحكومة، بل تمتد إلى ما يمكن أن تكشفه عن التحولات التي تطال بنية النظام الحزبي، وآليات إنتاج النخب السياسية، ومصادر النفوذ وأشكال توزيعه داخل النظام السياسي المغربي

وعلى هذا الأساس، فإن السؤال الذي سيطرح نفسه بعد إعلان النتائج لن يتعلق فقط بمن فاز بالانتخابات، وإنما أيضا بما كشفته هذه الانتخابات عن طبيعة التحولات الجارية داخل النظام السياسي والحزبي. وهل نحن أمام مجرد إعادة ترتيب لموازين القوى بين الأحزاب السياسية، أم أمام تحول أعمق في طبيعة النخب وأدوات إنتاج النفوذ السياسي؟ وبعبارة أخرى، ما الذي يختبئ حقا خلف صراع “أحزاب الأعيان”؟.