مؤشر الازدهار.. المجتمع والأسرة يرتقيان بالمغرب والتنمية والحريات في تأخر
يبدو المغرب في مؤشر الازدهار لعام 2026 بلداً تسنده قوة مجتمعية لافتة، لكنها لا تنعكس بالقدر نفسه على مؤشرات التنمية والحريات. ففي الوقت الذي يحتل فيه موقعاً متقدماً نسبياً في تماسك الأسرة والمجتمع، يتراجع تصنيفه بشكل واضح في التعليم ومستوى المعيشة وحرية المعارضة، ما يكشف عن تفاوت بنيوي بين قوة النسيج الاجتماعي وبطء الرافعات التنموية والحقوقية.
ويحتل المغرب المرتبة 76 عالمياً من أصل 161 دولة، في ترتيب يخفي وراءه تفاوتاً كبيراً بين المجالات المكونة للثراء والازدهار. ففي “المجتمع” جاء في المرتبة 60 عالمياً، مقابل المرتبة 84 في “الحرية” و103 في “التنمية”، بما يرسم صورة لبلد تبدو فيه الروابط الاجتماعية والأسرة من أبرز عناصر القوة، بينما تظل التنمية والحريات من أكثر نقاط الضعف التي تضغط على ترتيبه العام.
وتستند هذه المعطيات إلى النسخة السابعة عشرة من مؤشر الازدهار 2026، الصادرة عن معهد الازدهار التابع لمؤسسة “ليغاتوم”، والتي شملت 161 دولة تغطي نحو 98 في المائة من سكان العالم، واعتمدت 130 مؤشراً موزعة على عشرة ركائز وثلاثة مجالات رئيسية هي التنمية والحرية والمجتمع.
وتكتسب نتائج المغرب أهمية إضافية بالنظر إلى المنهجية الجديدة التي اعتمدها المؤشر في نسخة 2026، والتي لم تعد تسمح بسهولة بتعويض الضعف في أحد المجالات بقوة استثنائية في مجال آخر. فقد اعتمد المؤشر آلية “p-averaging”*، التي تجعل الاختلالات البنيوية أكثر تأثيراً في النتيجة النهائية، انطلاقاً من فكرة أن الازدهار لا يقوم على جانب واحد، وإنما على تماسك مجموعة من الأسس الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
المجتمع.. حين تصبح الأسرة نقطة قوة
في المجال الذي حقق فيه المغرب أفضل نتائجه، أي “المجتمع”، حلّ المغرب في المرتبة 60 عالمياً. وتبرز الأسرة بشكل خاص كأحد أهم عناصر القوة، إذ احتل المغرب المرتبة 36 عالمياً في ركيزة “نزاهة العائلات”، وهي أفضل نتيجة يسجلها ضمن الركائز العشر.
وتكشف هذه المرتبة عن الوزن الذي تحتله الروابط الأسرية في بنية المجتمع المغربي، باعتبارها شبكة دعم واحتواء للفرد، كما تعكس قوة العلاقات العائلية مقارنة بمجالات أخرى تشكل الازدهار.
وإلى جانب ذلك، جاء المغرب في المرتبة 56 في “نزاهة المجتمع”، ويتعلق هذا المؤشر بغياب الانقسامات الاجتماعية والفئوية الحادة، بينما حل في المرتبة 94 في “نزاهة المجتمعات المحلية”، وهي مستويات متدنية نسبياً في مؤشر الثقة المحلية والشعور بالأمان الفردي
أما “نزاهة الدولة”، فجاء فيها المغرب في المرتبة 75 عالمياً، وهي نتيجة تضع هذا المؤشر في منطقة وسطى مقارنة ببقية عناصر الأداء المغربي، وهي مرتبة تقيس الثقة في العملية السياسية ومكافحة الفساد والسيادة الأمنية على الحدود.
ويظهر من مجموع هذه الأرقام أن المجتمع يشكل أحد أهم مصادر القوة التي يستند إليها المغرب في مؤشر الازدهار، لكن هذا التفوق لا يمتد بالدرجة نفسها إلى جميع مستويات العلاقات الاجتماعية، وإلى علاقة المجتمع بالدولة ونزاهتها.
التنمية.. الحلقة الأضعف في الازدهار المغربي
في الجهة المقابلة، تأتي التنمية باعتبارها الحلقة الأضعف في الصورة المغربية، بعدما حل المغرب في المرتبة 103 عالمياً ضمن هذا المجال.
ويبرز التعليم باعتباره نقطة الضعف الأكثر حدة، إذ جاء المغرب في المرتبة 122 عالمياً، وهي أدنى مرتبة يسجلها في الركائز العشر. ويضع هذا التصنيف التعليم في قلب الفجوة التنموية، بالنظر إلى ارتباطه بتكوين رأس المال البشري، وتحسين الإنتاجية، ورفع فرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.
ولا تبدو الصورة أفضل كثيراً في “مستوى المعيشة”، حيث احتل المغرب المرتبة 104 عالمياً، في حين جاءت “الصحة” في المرتبة 80. وهكذا، فإن المجالات المرتبطة مباشرة بجودة الحياة والقدرات البشرية لا تزال تسجل نتائج أقل بكثير من تلك التي يحققها المغرب في مجال المجتمع.
وتعني هذه الأرقام أن قوة النسيج الاجتماعي لا تجد بعدُ ترجمة مماثلة على مستوى الخدمات والفرص والقدرات التي يفترض أن تدعم ازدهار الأفراد.
الحريات.. فجوة بين الحرية الإقتصادية والحرية السياسية
في مجال “الحرية”، يحتل المغرب المرتبة 84 عالمياً. ويكشف تفكيك هذا التصنيف عن تفاوت لافت بين الأداء الاقتصادي وهوامش حرية المعارضة والاختلاف.
ففي “الحرية الاقتصادية”، جاء المغرب في المرتبة 54 عالمياً، وهي من بين أفضل نتائجه على مستوى الركائز العشر. لكن الصورة تختلف بشكل واضح عند الانتقال إلى “حرية المعارضة”، حيث يتراجع إلى المرتبة 108 عالمياً.
وبين الموقعين، تظهر فجوة تعكس اختلاف أداء المغرب بحسب نوع الحرية المقاسة: انفتاح اقتصادي نسبي في مقابل نتيجة أكثر تأخراً عندما يتعلق الأمر بحرية التعبير والاختلاف والمشاركة المدنية.
أما في “السلم الأهلي” فجاء المغرب في المرتبة 86 عالمياً، ما يضع هذا الجانب أيضاً في المنطقة المتوسطة، بعيداً عن قوة ترتيب الأسرة والمجتمع.
* تعتمد آلية “p-averaging” (متوسط القوى) على نموذج رياضي صارم يعاقب نقاط الضعف البنيوية للدول بدلاً من مجرد مكافأة نقاط قوتها. فبينما يمثل المتوسط الحسابي التقليدي القيمة العادية عندما تكون قيمة المتغير الرياضي (p) تساوي 1، فإن اعتماد قيمة (p) أقل من 1 يمنع الدول نهائياً من “مقايضة” أو تعويض الإخفاقات العميقة في مجالات حيوية مثل الحريات أو التماسك الاجتماعي بنجاحات مادية أو نمو اقتصادي جاف.
وبموجب هذه التقنية الرياضية، يتم سحب الدرجة العامة للازدهار نحو الأسفل بفعل المجالات الأكثر ضعفاً، تماشياً مع فلسفة المؤشر بأن أسس الازدهار متكاملة ولا يمكن لبعضها أن يحل محل الآخر؛ وهو ما يجعل تحقيق درجة متوازنة بنسبة 50% في مجالات التنمية والحرية معاً أفضل حسابياً في الترتيب العام للدولة من الحصول على نسبة 70% في مجال مقابل تراجع حاد يبلغ 30% في مجال آخر.
مؤشر الازدهار 2026.. معادلة مغربية غير متوازنة
تسمح هذه النتائج مجتمعة برسم صورة أكثر وضوحاً للمغرب داخل مؤشر الازدهار 2026. فالمملكة تتقدم عندما يتعلق الأمر بالروابط الأسرية والاجتماعية، لكنها تتراجع كلما انتقل القياس إلى القدرات التنموية ومستوى المعيشة أو بعض جوانب الحريات.
ويكفي النظر إلى ترتيب أبرز الركائز لإدراك حجم التفاوت: المغرب في المرتبة 36 في “نزاهة العائلات”، و54 في “الحرية الاقتصادية”، و56 في “نزاهة المجتمع”، مقابل المرتبة 104 في “مستوى المعيشة”، و108 في “حرية المعارضة”، و122 في “التعليم”.
وهكذا، لا تعكس المرتبة 76 عالمياً مجرد ترتيب عام للمغرب، بقدر ما تكشف عن نموذج غير متوازن: رصيد اجتماعي مهم تؤكده قوة الأسرة والمجتمع، يقابله تأخر في بعض أهم روافع الارتقاء طويل المدى، وعلى رأسها التعليم وتحسين مستوى المعيشة وتوسيع هوامش الحريات.
خريطة الازدهار عربياً
وتتصدر دولة الكويت المرتبة الأولى عربياً في مؤشر الازدهار 2026 (المرتبة 50 عالمياً)، تليها مباشرة دولة الإمارات العربية المتحدة (المرتبة 51 عالمياً)، ثم سلطنة عمان (المرتبة 54 عالمياً)؛ لتشكل هذه الدول الثلاث طليعة نادي الازدهار العربي بفضل توازن نسبي مقبول في ركائز التنمية والمجتمع.
بالمقابل، يستقر الأردن في المرتبة 67 عالمياً، يليه تونس (75)، ثم المغرب (76)، وقطر (78)، والبحرين (80)، والجزائر (83)، والمملكة العربية السعودية (97)، ولبنان (99). بينما تقبع دول الأزمات والنزاعات في تذييل القائمة العالمية، حيث يحل اليمن في المرتبة 147، والسودان في المرتبة 152، والصومال في المرتبة 156 عالمياً.
التنمية
في مجال التنمية، تتربع دولة قطر في المرتبة 8 عالمياً، وتحل في المرتبة 4 عالمياً في ركيزة مستوى المعيشة، والمرتبة 31 في الصحة، في مقابل المرتبة 81 عالمياً في مجال الحرية. أما الإمارات العربية المتحدة فتحتل المرتبة 13 عالمياً في التنمية والمرتبة 11 في مستوى المعيشة و14 في التعليم، في مقابل المرتبة 90 عالمياً في مجال الحرية.
وتسجل المملكة العربية السعودية المرتبة 31 عالمياً في مجال التنمية، والمرتبة 26 في مستوى المعيشة و45 في التعليم،. لكن ركيزة الحرية تهبط بها إلى المرتبة 136 عالمياً، وتستقر في ركيزة حرية المعارضة والتعبير في المرتبة 152 عالمياً، وهي من بين المراتب الأضعف في العالم.
فجوة التعليم والصحة
تظهر المقارنة البينية هوية الفجوة التنموية؛ فبينما تقترب دول الخليج من المعدلات الأوروبية في جودة التعليم والصحة، تعاني بقية الدول العربية من “ثقوب سوداء” في سياساتها العمومية.
ففي التعليم تتبوأ الإمارات المرتبة 14 عالمياً، وعُمان المرتبة 41، والسعودية المرتبة 45. بالمقابل، تتدحرج مصر للمرتبة 80، وتونس للمرتبة 107، والجزائر للمرتبة 112، ويستقر المغرب في مؤشر مقلق بالمرتبة 122 عالمياً.
وفي الصحة تتصدر الإمارات المرتبة 21 عالمياً، تليها قطر في المرتبة 31، والكويت في المرتبة 37، والبحرين في المرتبة 38، بينما يحل المغرب في المرتبة 80، ومصر في المرتبة 92، والعراق في المرتبة 97، واليمن في المرتبة 119.
درع شمال إفريقيا والشام
على النقيض من فجوات التنمية المادية، تبرز دول شمال إفريقيا ومنطقة الشام كقوى اجتماعية متماسكة قادرة على صون الروابط العائلية والأهلية؛ وهي الركائز التي يعاملها المؤشر كأهم موجه ومتنبئ بالازدهار العام.
ويحتل لبنان المرتبة 33 عالمياً، ويليه المغرب في المرتبة 36 عالمياً في ركيزة تماسك العائلات. ويعزى هذا الأداء المتقدم إلى متانة البنية الأسرية، ودورها الحمائي للأفراد على مستوى الأمن العاطفي والاجتماعي.
وعلى الرغم من الثراء المادي، تسجل بعض دول الخليج تراجعاً واضحاً في ركيزة الأسرة؛ حيث تحل الإمارات في المرتبة 86، والبحرين في المرتبة 98، والسعودية في المرتبة 108، بينما تهبط قطر إلى المرتبة 136 عالمياً في تماسك الأسرة نتيجة تغيرات نمط العيش ونسب الولادات.
أما دول الأزمات فتسجل مستويات خطيرة؛ إذ يحل اليمن في المرتبة 156، والصومال في المرتبة 161 عالمياً (الأسوأ على الإطلاق) في ركيزة تماسك العائلات، ما يبرز انهياراً الروابط المجتمعية.