story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

لماذا يستمر بنكيران مخيفا؟

ص ص

غالبا ما أكتب في هذا الركن بعد أيام من الملاحظة، وخصوصا عندما تثار عندي تساؤلات حول وقائع وتفاعلات أحرص على أخذ مسافة منها، قبل محاولة البحث لها عن أجوبة.

ومما شغلني مؤخرا، هو هذا الزخم الإعلامي والاهتمام الذي يواصل حزب العدالة والتنمية الاستئثار به، على “ضعفه” التنظيمي وتراجعه الانتخابي.

فرغم أن في صفوف المعارضة البرلمانية الحالية، حزبان يساريان، واحد اشتراكي والآخر “شيوعي”، وكلاهما يتوفّر على فريق برلماني، وإلى جانبهما حزب الحركة الشعبية، ذي الهوية القروية-الأمازيغية والمقرب من فئة معينة من الأعيان؛ إلا أن الحكومة وأغلبيتها البرلمانية غالبا ما تعمد إلى مخاطبة مكوّن آخر، هو أصغر عناصر هذه المعارضة البرلمانية، أي مجموعة العدالة والتنمية.

رئيس الحكومة عزيز أخنوش نفسه، غالبا ما يبني خطابه “الهجومي” على استهداف حزب المصباح. وجلّ الوزراء يكادون يختزلون المعارضة في حزب العدالة والتنمية، بل ولا يجدون أدنى حرج في استباقه نحو دور المساءلة والحساب، كما كان الحال مع وزير التشغيل يونس السكوري في القناة الثانية مؤخرا، حين قلب الأدوار مع ممثل شبيبة العدالة والتنمية، وطالبه بتقديم الحساب والخضوع للمساءلة عن فترة عشر سنوات التي قضاها حزبه في التدبير سابقا.

ومن أصغر مكوّنات هذا الحزب، سنا إلى أكبرهم، يستمر عبد الإله بنكيران، الأمين العام القديم الجديد للحزب، ورئيس الحكومة السابق، هدفا مفضّلا لكثير ممن نذروا أنفسهم ومسارهم المهني، للهجوم والاتهام والطعن في مصداقيته، لدرجة قيام البعض بالتحذير من “انقلاب” يمكن أن يقوم به إخوانه، داعيا الدولة إلى الحذر منهم بكل ما يعنيه ذلك من قمع وتضييق وسلطوية…

لا أحد من المراقبين النزهاء أو الملاحظين الحصفاء يتوقّع تكرار حزب العدالة والتنمية نجاحات 2011 و2015 و2016، وحججهم في ذلك عديدة، أقلها غياب النسق الذي يسمح بتكرار ذلك النجاح انتخابيا، بفعل النفور العام من السياسة، واستفراد “محترفي” الانتخابات بالمواطنين، ثم الآثار الطبيعية لتجربة الحزب في التدبير، وأخطائها وانكساراتها.

لكن ورغم ذلك، ما زالت تصريحات بنكيران تثير موجات من ردود الأفعال والتعبيرات الحادة، وما زال المشهد يبدو كما لو أن الزمن المغربي توقف بعد دستور 2011 عند لحظة العدالة والتنمية، أو كأننا ورغم تجاوز هذه اللحظة الحزبية، لم ننتج بديلا يمكن بناء النقاش السياسي حوله…

أعتقد أن الخوف من ابن كيران سببه أنه ما زال يمثل المعنى السياسي الذي لم تستطع الدولة ولا خصومه إنتاج بديل مقنع له. الرجل لا يُرعب بعدد مقاعده الحالية، بل بقدرته على إعادة إحياء مفاهيم مثل محاربة “الفساد”، ومواجهة “التحكم”، والتناقض بين الإرادة الشعبية وهندسة الحقل السياسي، والهوة بين الخطاب الرسمي والمعيش اليومي…

هذا ما التقطه إدريس المغراوي في دراسة له نشرت عام 2018، حين كتب أن شعبية بنكيران وأسلوبه المفتوح وقدرته الضمنية على كشف تناقضات النظام السياسي جعلته أكثر حضورا عند الناس، لكنها جعلته أيضا يُنظر إليه ك”مزعج” بالنسبة إلى النظام، وهو ما أدى إلى إبعاده من رئاسة الحكومة.

بنكيران مخيف لأنه يُذكِّر، وما أصعب التذكير عند من يحاول أن ينسى ويُنسي. يذكّر بلحظة 2011، حين بدا، ولو لوقت قصير، أن الصندوق الانتخابي قد يفتح سؤال السلطة وتوزيعها. ويذكّر أيضا بأن العدالة والتنمية لم يسقط فقط بسبب أخطائه، بل أيضا لأن صعوده كشف حدود ما يمكن أن تسمح به البنية السياسية المغربية لحزب يملك قاعدة شعبية وخطابا تعبويا وهوية واضحة.

لهذا تبدو عودته المستمرة في الخطاب شبه الرسمي، اعترافا غير مباشر بأنه ما يزال يمثل عقدة لم تُحل، حتى بعد هزيمة حزبه القاسية في 2021، حين انهار من 125 مقعدا إلى 13 فقط.

ثم إن بنكيران لا يخيف بما يمثله فقط، بل بالطريقة التي يتكلم بها. الأدبيات التي تناولت خطاب ه السياسي، تنظر إليه باعتباره صاحب كاريزما خطابية استثنائية داخل المشهد المغربي.

رجل يتكلم دارجة مفهومة (أكثر من اللازم)، يختزل التعقيد في صورة شعبية، ويستعمل السخرية، والحدة، والحميمية، في آن واحد.

في دراسة للصديق عبد الرحمان علال حول نتائج انتخابات 2021، وُصف بنكيران بأنه شخصية كاريزمية تملك مهارات تواصل وخطابة وقدرة على التعبئة والإلهام عبر “استراتيجية القرب”، وأن إبعاده سنة 2017 ترك أثرا نفسيا وتنظيميا عميقا على الحزب.

أي أن ما تخشاه السلطة أو خصومه ليس فقط برنامجه، بل سلاحه اللغوي، والقدرة على إعادة تسييس جمهور متعب وغاضب.

كما أن الرجل لا يعود من فراغ. فبعد هزيمة 2021، كان يمكن أن ينتهي العدالة والتنمية إلى مجرد حنين تنظيمي. لكن ما حدث هو العكس جزئيا. أعاد الحزب انتخاب بنكيران أمينا عاما في مؤتمره التاسع سنة 2025 على أساس وعد بإحياء الجاذبية الانتخابية للحزب، عبر إحياء هوية أخلاقية وخطاب تعبوي مؤيد لفلسطين.

شرع بنكيران مؤخرا في تقديم مرشحيه للانتخابات المقبلة، معتمدا على الوجوه “الموثوق بها” (الأزمي) والأصوات “المتمرسة” (البوقرعي). ولا يعني هذا أن الحزب استعاد عافيته كاملة، لكنه يعني أنه لم يمت، وأن بنكيران ما يزال بالنسبة إلى قواعده، أداة إحياء لا مجرد ذكرى أو رمز.

فرغم انهيار الحزب، ظل بنكيران أوضح معارض في المشهد المغربي، في سياق تعاني فيه المعارضة كلها من أزمة معنى. والنتيجة أن الحكومة خدمت حزب المصباح من حيث قصدت إضعافه، بما أنها لا تتصرف كما لو أن خصمها هو مجموع فرق المعارضة، بل كما لو أن الخصم الحقيقي هو بنكيران وحزبه تحديدا.

بنكيران مخيف أيضا لأنه يُربك ثنائية مريحة للبعض، تختزل الإسلاميين في “من انتهى زمنهم” أو “يجب الحذر منهم”. فهو يرفض أن يختفي تماما، ويرفض أيضا أن يتحول إلى مجرد شيخ مهزوم داخل اللعبة.

هو حاضر بما يكفي لإزعاج الحكومة، لكن ليس بما يكفي لتبرير قمع يفتك بحزبه. قريب من الشارع الرمزي، لكن يتحدث من داخل النظام وليس من خارجه. محافظ بما يكفي ليدافع على هويته، وبراغماتي بما يكفي أيضا، كي لا يقطع الخيط مع المؤسسة الملكية.

هذا التموقع “الوسطي” هو مصدر قوته ومصدر الخوف منه معا. لا يمكن عزله بسهولة بوصفه “راديكاليا”، ولا يمكن ابتلاعه بسهولة بوصفه مجرد حزب إداري.

وفوق كل هذا، يستفيد الرجل من ضعف خصومه أكثر مما يستفيد من قوته. فحكومة عزيز أخنوش جاءت على قاعدة “الكفاءة” و”الإنجاز” وتحقيق “الدولة الاجتماعية”، لكن جزءا مهما من النقاش العمومي خلال ولايتها ظل يدور حول القدرة الشرائية، وتضارب المصالح، وغلاء المعيشة، والاحتجاجات الاجتماعية.

لهذا كله، يمكن القول إن بنكيران لا “يخيف” لأنه مرشح لاكتساح انتخابي جديد، بل لأنه شاهد حي على حدود اللعبة، وفاعل يملك لغة شعبية وكاريزما سياسية، وتحت يده حزب لم يمت، ومعارضة لا يزال خصومه أنفسهم يمنحونه حجمًا أكبر من حجمه العددي فيها.

الخوف من بنكيران اليوم معناه الخوف من أن ينجح، مرة أخرى، في تسييس ما يراد له أن يبقى مجرد تذمر اجتماعي بلا عنوان سياسي.

وفي السياقات التي تفضل التدبير البارد على السياسة الساخنة، هذا النوع من الكائنات يظل مزعجا، حتى بعد الهزيمة.