لماذا أصبحت المنتخبات الصغيرة أكثر إزعاجا للكبار في كأس العالم؟
عندما افتتحت هايتي التسجيل في مرمى المنتخب المغربي خلال الجولة الثالثة من دور المجموعات لكأس العالم 2026، تسلل القلق إلى الجماهير المغربية التي كانت تنتظر أمسية هادئة أمام منتخب يحتل مرتبة متأخرة في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم. فخلال دقائق قليلة، وجد “أسود الأطلس” أنفسهم متأخرين في النتيجة أمام منافس لا يقارن بهم من حيث القيمة السوقية أو عدد اللاعبين الممارسين في الدوريات الكبرى.
وقبل هايتي، وجدت منتخبات أخرى مصنفة خارج دائرة القوى التقليدية نفسها قادرة على فرض صعوبات كبيرة على منافسين أكثر قوة منها ، فالرأس الأخضر، التي لا يتجاوز عدد سكانها 600 ألف نسمة، أحرجت إسبانيا بطلة العالم السابقة، فيما انتزعت مصر تعادلا من بلجيكا، ونجحت الكونغو الديمقراطية في الوقوف ندا أمام البرتغال في واحدة من أبرز مفاجآت.
ولم تمر هذه النتائج دون أن تثير انتباه وسائل الإعلام الدولية،فقد لاحظت وكالة رويترز في تقرير حديث أن المنتخبات التي كانت توصف في السابق بـ”الصغيرة” لم تعد تدخل كأس العالم بهدف تفادي الهزائم الثقيلة، بل أصبحت تنافس على النقاط وتفرض على الكبار خوض مباريات معقدة حتى الدقائق الأخيرة.
وبينما كانت المنتخبات الكبرى تستفيد لعقود من تفوق واضح في التكوين والاحتراف والخبرة، يبدو أن التحولات التي عرفتها كرة القدم العالمية خلال السنوات الأخيرة بدأت تعيد توزيع موازين القوة داخل اللعبة، وتقلص تدريجيا الفوارق التي كانت تفصل بين قمة الهرم الكروي وقاعدته.
ملاعب باريس وأمستردام
وإذا كان هناك تحول واحد غير وجه كرة القدم الدولية خلال العقدين الأخيرين، فهو انتقال المواهب المكونة في أوروبا إلى تمثيل منتخبات بلدانها الأصلية.
فعلى امتداد سنوات طويلة، كانت المنتخبات الأوروبية الكبرى تستفيد بشكل شبه حصري من اللاعبين الذين تكونوا داخل أكاديمياتها ومراكزها الرياضية، أما اليوم فقد أصبحت هذه المواهب موزعة على عشرات المنتخبات عبر العالم.
ويبرز المغرب كواحد من أكثر الأمثلة وضوحا على هذه الظاهرة. فمعظم ركائز المنتخب الوطني تلقوا تكوينهم في فرنسا أو بلجيكا أو هولندا أو إسبانيا، وهو النموذج نفسه الذي استفادت منه منتخبات إفريقية وأمريكية شمالية أخرى.
ولا يقتصر الأمر على المنتخبات الكبيرة نسبيا، إذ أصبحت دول مثل الرأس الأخضر وكوراساو وهايتي قادرة بدورها على استقطاب لاعبين ولدوا أو نشؤوا في أوروبا وأمريكا الشمالية، واكتسبوا خبراتهم داخل بيئات احترافية متقدمة.
وبفضل هذا التحول، لم تعد المنتخبات الصغيرة مضطرة إلى الاعتماد فقط على إمكانياتها المحلية المحدودة، حيث باتت تستفيد من تكوين رياضي عالي المستوى دون أن تتحمل تكلفته المالية.
وقد أدى ذلك إلى رفع المستوى التقني لهذه المنتخبات بشكل لافت، وجعل الفوارق الفردية بينها وبين المنتخبات الكبرى أقل وضوحا مما كانت عليه قبل عشرين أو ثلاثين سنة.
الاحتراف الأوروبي أنهى الفوارق
في مونديال 1998، كان عدد من لاعبي المنتخبات الأقل تصنيفا يصلون إلى كأس العالم قادمين من بطولات محلية محدودة التنافسية، بينما كانت الدوريات الأوروبية الكبرى شبه محتكرة من طرف لاعبي البرازيل وألمانيا وإيطاليا وفرنسا والأرجنتين. أما اليوم، فقد أصبحت الصورة مختلفة تماما.
ويظهر ذلك بوضوح في منتخب هايتي الذي واجه المغرب في الجولة الثالثة من دور المجموعات، فالتشكيلة الأساسية ضمت لاعبين مثل جان كيفن دوفيرن، وهانس ديلكروا، وجان ريكنر بيليغارد، وويلسون إيزيدور، وهم لاعبون راكموا تجارب احترافية في فرنسا وبلجيكا وإنجلترا، وخاض بعضهم مئات المباريات في بطولات أوروبية مختلفة.
ولم يكن الأمر يتعلق بأسماء مغمورة تكتشف المستوى العالي لأول مرة، و إنما بلاعبين اعتادوا طوال الموسم مواجهة منافسين من مدارس كروية متقدمة، فبيليغارد سبق له اللعب في الدوري الإنجليزي الممتاز، بينما بنى دوفيرن مساره الاحترافي في فرنسا، وتلقى ديلكروا تكوينه في بلجيكا قبل أن يخوض تجارب في مستويات تنافسية مرتفعة.
وهذا التحول غير طبيعة المواجهات الدولية بشكل جذري. فاللاعب الذي يواجه أسبوعيا مهاجمين من المستوى الأوروبي لم يعد يدخل مباريات كأس العالم بعقدة النقص نفسها التي كانت تلازم كثيرا من لاعبي المنتخبات الصغيرة في الماضي، كما أصبح أكثر قدرة على استيعاب الجوانب التكتيكية والبدنية التي تتطلبها المباريات الكبرى.
ولم يمنح الاحتراف الخارجي هذه المنتخبات لاعبين أكثر خبرة فقط، بل نقل إليها أيضا ثقافة كاملة من الانضباط والإعداد البدني والعمل التكتيكي، لذلك لم تعد منتخبات مثل هايتي أو الرأس الأخضر أو كوراساو تعتمد حصريا على الدفاع وانتظار أخطاء المنافس،و لكن أصبحت قادرة على الضغط وصناعة الفرص وفرض إيقاعها خلال فترات من المباريات، حتى أمام منتخبات تفوقها من حيث التاريخ والقيمة السوقية.
مونديال 2026 يضيق الفجوة
قد لا تكون المنتخبات الصغيرة قد وصلت بعد إلى مستوى المنافسة المنتظمة على اللقب، لكن نتائج النسخ الأخيرة من كأس العالم تشير إلى أن الفوارق التي كانت تفصلها عن الكبار لم تعد بالحجم نفسه الذي عرفته اللعبة في العقود الماضية.
ففي مونديال 2002 بلغت السنغال ربع النهائي في أول مشاركة لها، وفي 2022 أصبح المغرب أول منتخب إفريقي وعربي يبلغ نصف النهائي، بينما جاءت نسخة 2026 لتؤكد أن عددا متزايدا من المنتخبات بات قادرا على إحراج القوى التقليدية وحرمانها من الانتصارات السهلة.
ولذلك لم تعد نتائج مثل تقدم هايتي على المغرب، أو تعادل الرأس الأخضر مع إسبانيا، أو صمود الكونغو الديمقراطية أمام البرتغال، أحداثا معزولة يمكن تفسيرها بالحظ أو الصدفة فقط.
بل تبدو هذه النتائج انعكاسا لتحول أعمق تعيشه كرة القدم العالمية منذ سنوات، حيث انتشرت المواهب والخبرات والاحتراف خارج المراكز التقليدية للعبة، وأصبح الوصول إلى أعلى المستويات ممكنا أمام عدد أكبر من الدول.