لتجاوز التعقيدات الإدارية.. مطالب باعتماد رخص سكن جزئية
عادت قضية تبسيط المساطر الإدارية المرتبطة بقطاع التعمير والسكن إلى واجهة النقاش العمومي، في ظل استمرار الإكراهات التي تواجه عددا من المواطنين عند سعيهم إلى الحصول على رخص السكن، وهو ما يعكس، بحسب متتبعين، الحاجة إلى مراجعة بعض الإجراءات بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها مختلف جهات المملكة، خاصة في العالم القروي والمجالات الحضرية الناشئة.
وفي هذا الإطار، سائل فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب حول إشكالية الولوج إلى رخص السكن، من زاوية الصعوبات التي تعترض الأسر محدودة الدخل في استكمال مشاريعها السكنية وفق الشروط التقنية والإدارية المعمول بها، معتبرا أن عددا من المواطنين، بفعل محدودية الإمكانيات المالية، يضطرون إلى اعتماد نمط تدريجي في البناء، يتمثل في إنجاز جزء أولي من المسكن، غالبا الطابق الأرضي، من أجل تأمين حاجتهم الفورية إلى السكن، على أن تستكمل باقي الأشغال في مراحل لاحقة.
وأوضح الفريق في سؤال وجهه إلى الوزارة الوصية، أن هذا التدرج في البناء، رغم كونه استجابة واقعية للقدرة المالية للأسر، يصطدم في كثير من الحالات بالمساطر الحالية المتعلقة برخص السكن، والتي تشترط في الغالب اكتمال المشروع السكني وفق تصور نهائي ومعايير تقنية وجمالية محددة، ما يؤدي إلى تعثر استفادة هذه الفئات من رخصة السكن، وبالتالي وضعيات إدارية غير مكتملة، تنعكس بشكل مباشر على إمكانية ربط هذه المساكن بشبكات الماء والكهرباء والخدمات الأساسية.
ويبرز السؤال أن هذا الوضع يطرح إشكالا يتجاوز البعد التقني والإداري، ليأخذ طابعا اجتماعيا يرتبط بالحق في السكن اللائق، وبمدى قدرة المنظومة الحالية على التفاعل مع الواقع المعيشي لفئات واسعة من المواطنين، خصوصاً في المناطق التي لا تحظى فيها الاعتبارات الجمالية والمعمارية بنفس الثقل الذي تحظى به في المدن الكبرى، مقارنة مع أولوية توفير السكن في حد ذاته.
وانطلاقا من هذا التشخيص، دعا الفريق النيابي إلى التفكير في صيغ بديلة أكثر مرونة في تدبير هذا الملف، من خلال تبسيط الإجراءات وتقليص التعقيدات المرتبطة بالحصول على رخص السكن، بما يسمح بالاعتراف بالأجزاء المنجزة من البناء عندما تكون مطابقة للمعايير القانونية الأساسية، مع إمكانية الاستفادة منها بشكل جزئي دون انتظار اكتمال المشروع في شكله النهائي.
وفي هذا السياق، يطرح الفريق مقترح إحداث رخص سكن جزئية ومؤقتة كأحد التصورات الممكنة لتجاوز هذه الإشكالات، حيث يمكن أن تمنح هذه الرخص للمساكن المكتملة جزئيا، لمدة محددة، بما يتيح ربطها بشبكات الماء والكهرباء، ويضمن الحد الأدنى من شروط العيش الكريم، في انتظار استكمال البناء بشكل نهائي وفق الإمكانيات المتاحة.
كما يرتبط هذا التوجه، بحسب مضمون السؤال، بضرورة تعزيز فعالية السياسات العمومية في مجال السكن، عبر الانتقال من منطق صارم في التطبيق إلى مقاربة أكثر واقعية ومرونة، تراعي الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتوازن بين متطلبات التنظيم العمراني من جهة، والحاجيات الملحة للمواطنين من جهة أخرى.
ويعيد هذا النقاش فتح ملف العلاقة بين الإدارة والمواطن في قطاع حساس كالسكن والتعمير، حيث يظل التحدي المطروح هو إيجاد صيغة تضمن احترام القانون دون أن تتحول المساطر إلى عائق أمام الولوج إلى السكن، بما يعزز في نهاية المطاف أهداف العدالة الاجتماعية وتحسين ظروف العيش.