لا تبيعوا المغرب للفيفا
لسوء حظ الذين يريدون تحويل مونديال 2030 إلى ديانة وطنية جديدة، جاء مونديال أمريكا، مباشرة قبل دورتنا، ليقدم لنا درسا مجانيا في السياسة والسيادة، وفي الفرق بين تنظيم حدث عالمي، وبين الانحناء أمامه حتى نكسر ظهورنا.
يتحدث البعض، منذ أيام، عن برودة الاستقبال في الولايات المتحدة، وعن غياب تلك الحماسة الطقوسية التي رأيناها في قطر، وعن ارتباكات تنظيمية هنا وهناك، وعن منتخب يغيّر ملعب تدريبه بسبب رداءة الأرضية، وعن منتخب آخر (إيران) يضطر إلى اتخاذ المكسيك قاعدة له بسبب مشاكل التأشيرات، وعن حكم إفريقي يتم منعه من دخول البلد الذي يفترض أن يحتضن جزءا من البطولة، وعن أفاعٍ سامة قرب معسكرات بعض المنتخبات… وقد يرى البعض في كل ذلك مؤشرات على فشل أو استهتار أو استخفاف أمريكي بالمونديال.
لكنني أظن أن أمريكا تفعل ما تفعله دائما، فهي تستقبل العالم بشروطها، لا بشروط العالم. لا تتخلى عن قوانينها من أجل “رونالدو ورفيقته”، كما قال وزير العدل عبد اللطيف وهبي، ولا تعيد كتابة وشم جلدها، ولا تفتح حدودها كما لو أن الفيفا صارت مجلس أمن دولي، ولا تتحول إلى نسخة ماسخة من نفسها كي ترضي مزاج جمهور عالمي سيأتي ليصور، ويستهلك، ثم يرحل.
الولايات المتحدة، لمن نسي، ليست دولة تبحث عن الاعتراف من خلال كرة القدم، ولا عن اكتساب القوة الناعمة عبر تظاهرة عابرة. هي الأم البيولوجية للقوة الخشنة، بل هي القوة الخشنة نفسها حين ترتدي قميصا وتضع شعار البطولة على صدرها.
لذلك لا تنتظروا منها أن تبني شرعيتها من خلال المونديال، أو أن تتعامل معه كما تعاملت قطر مع نسخة 2022، حين جعلت من البطولة مسألة حياة أو موت، ووضعتها في قلب نموذج كامل يقوم على القوة الناعمة، وكسر الصورة النمطية.
قطر كانت تحتاج إلى المونديال كي تقول للعالم إنها موجودة. بينما أمريكا لا تحتاج إلى أحد كي يقول لها إنها موجودة. لكن الأهم، بالنسبة إلينا، أن النموذجين المتناقضين معا، القطري والأمريكي، يلتقيان في نقطة واحدة: لا أحد منهما تخلى عن قوانينه وثوابته وهويته كي يرضي الفيفا.
قطر نظمت المونديال وفق شروطها الثقافية والسيادية، رغم كل الضغط الغربي الذي سبق البطولة ورافقها. وأمريكا تنظمه اليوم وفق شروطها الأمنية والقانونية والسياسية، حتى لو أغضبت منتخبا، أو منعت حكما، أو أحرجت الفيفا نفسها.
هنا تحديدا يوجد سوء حظ السيد وهبي. لأن النقاش الذي فتحه بعبارته الشهيرة عن “رونالدو ورفيقته” لم يعد يجد له سندا سواء في نموذج قطر، أو في نموذج أمريكا. لا هذه انسلخت من جلدها لإرضاء الضيوف، ولا تلك علقت قوانينها على باب الملعب.
لماذا يراد للمغرب وحده أن يقتنع بأن الطريق إلى تنظيم مونديال ناجح تمر حتما عبر بيع جزء من نفسه، أو تعليق نقاشاته الداخلية، أو إقناع الناس بأن العالم لن يزورنا إلا إذا تصرفنا كأننا لسنا نحن؟
نعم، تنظيم كأس العالم مهم جدا للمغرب. لا حاجة للمزايدة في ذلك. نحن بلد يحتاج إلى حدث بهذا الحجم كي يعزز حضوره الدولي، ويطور بنياته، ويقوي صورته السياحية، ويفتح فرصا اقتصادية، ويقول إنه ليس بلدا على هامش الخرائط، بل بلد قادر على استقبال العالم وتنظيم واحد من أكبر أحداثه…
لكن بين أن نستثمر المونديال، وأن نُستثمر نحن من طرفه، هناك فرق شاسع. وما يحدث اليوم في مونديال 2026 يفيدنا في هذا النقاش أكثر من كل الندوات والبلاغات.
البطولة التي ستقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك هي الأكبر في تاريخ كأس العالم، بأول نسخة تضم 48 منتخبا وثلاث دول مضيفة. ومع ذلك، لم تتحول هذه الضخامة إلى سبب كي تتنازل أمريكا عن قواعدها. لاعبو منتخب إيران حصلوا على التأشيرات قبل أيام قليلة من الافتتاح، فيما ظل بعض أفراد الطاقم في انتظار التأشيرات، واضطر المنتخب إلى نقل قاعدته إلى المكسيك وسط هذه التعقيدات.
والمنتخب الياباني، بجلال قدره، اضطر إلى تغيير ملاعب التدريب في المكسيك بسبب سوء حالة الأرضيات. وفي سان دييغو، تحدثت تقارير إعلامية عن تحذيرات تخص وجود أفاعٍ سامة قرب معسكر المنتخب السويسري، فيما أشارت تقارير أخرى إلى مخاوف مشابهة في معسكر النرويج في كارولاينا الشمالية.
قد تبدو هذه الأخبار طريفة، لكنها تكسر تلك الصورة الأسطورية عن كأس العالم بوصفه لحظة كمال تنظيمي تنزل من السماء. لا شيء كامل. سواء في أمريكا، أو في قطر، أو في المغرب مستقبلا. كل مونديال له عيوبه، وتوتراته، وأخباره العبثية، وأخطاؤه الصغيرة.
لذلك، الخلاصة الجادة، (بلا ملاغة)، هي أن المغرب يحتاج إلى مونديال 2030، لكنه لا يحتاج إلى أن يبيع نفسه للمونديال. يحتاج إلى أن يبني ملاعب جيدة، لا إلى أن يبني وهما جماعيا. يحتاج إلى تطوير النقل والصحة والفنادق والطرق، لا إلى أن يقنع المواطن بأن كل سؤال حول الكلفة خيانة للفرح.
لا حجة بعد اليوم للذين يقولون لنا، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: اصمتوا فالعالم قادم عندنا. لا تسألوا عن الديون، ولا عن الأولويات، ولا عن الصحة والتعليم والسكن. لا تسألوا عمّن سيستفيد من الصفقات، ولا عن المدن التي ستستفيد وتلك التي ستبقى كما هي، وتسألوا عن العمال، وعن نزع الملكية، وعن كلفة البنيات، وعما سيبقى بعد أن ينتهي الحفل.
من يذهب إلى بلد معيّن، يزوره كما هو، لا كما يريد أن يتخيله. أمريكا تفعل ذلك بوضوح فج. قطر فعلته بطريقتها. فلماذا يريد البعض من المغرب أن يكون أكثر تواضعا من الجميع أمام الفيفا؟ لماذا يريدونه أن يتصرف كما لو أن البطولة امتحان قبول في نادي الحضارة، لا حدثا رياضيا عابرا، مهما كان عظيما، سينتهي بعد أسابيع، وتبقى بعده البلاد وحدها مع فواتيرها؟
سيأتي رونالدو أو لن يأتي. ستأتي رفيقته أو لا تأتي. سيأتي المشجعون، والصحافيون، والمستثمرون، والسكارى، والعائلات، والفضوليون، ومن يحبون المغرب، ومن لا يعرفون عنه شيئا. سنستقبلهم جميعا بكرم، وبعقل، وبقانون، وبنظام. لكن ليس مطلوبا منا أن نرهن بلادنا لأمزجة عابرة. وليس مطلوبا أن نحول كل نقاش حول الأخلاق العامة أو القانون أو الكلفة إلى دليل على التخلف.
كأس العالم فرصة، نعم. لكنه ليس وحيا كرويا، ولا سببا لتعليق النقاش العمومي. هو مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي ضخم، ومن حق الناس أن يعرفوا ما الذي سيدفعونه، وما الذي سيربحونه، ومن الذي سيستفيد، ومن الذي سيبقى متفرجا أمام الشاشة.
لننظم كأس العالم، إذن. ولنفرح به. ولنستثمره. لكن لنحتفظ بالمفاتيح في جيوبنا. فالضيوف، والفيفا، والنجوم، الكل سيغادر، وسيبقى المغرب للمغاربة.
حين ينتهي كل شيء، لن يسألنا أحد عن عدد الابتسامات، والزغاريد، وكؤوس الشاي، وحبات كعب غزال التي وزعناها على المشجعين، بل سنسأل نحن أنفسنا: ماذا بقي للمغرب؟ وماذا بقي من المغرب؟