story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

كلفة الغياب

ص ص

الغياب، الصمت، الانسحاب، الانزواء، كلها مفاهيم تؤثث النقاشات التي تجري في الظل دون رغبة في إخراجها للعلن. لمصلحة من يتم هذا التنميط والتسطيح والتجريف؟ وهل هناك من يدرك عواقب الفراغ على المدى القصير قبل الحديث عن المدى البعيد؟ هل يراعي أحد قدر المجهود الذي بذل لإقناع فئة من شباب المغرب بجدوى الانخراط في الحياة العامة والممارسة السياسية؟ يحتاج ذلك عقودا من التضحية والعمل والتأطير، لكنه لا يحتاج لهدمه ودفع نفس الشباب إلى اليأس وخيبة الأمل، إلا لقرارات غير محسوبة وغير وطنية تتخذ من طرف عقول ينقصها بعد النظر كما ينقصها الولاء والإخلاص للوطن.

لم يختل التوازن يوما في المغرب كما يحدث اليوم. كانت السلطة السياسية تفعل فعلها كما هي طبيعتها، وكانت السلطات الملحقة بها تقوم بما تعتقد أنه واجبها وفق رؤيتها، لكن الوعي العميق كان متحصلا أن باقي الفاعلين يجب أن يستمروا في أداء أدوارهم، فكانت الساحة الجامعية نشيطة كرافد أساسي للنخبة المغربية وكذلك كانت الأحزاب والنقابات والجمعيات، أما الإعلاميون والمثقفون والكتاب والفنانون، فلم تفرغ ساحتهم يوما من العطاء والإنتاج والتفاعل. لم تكن العلاقات دائما ودية، بل كان يطبعها التوتر الذي يصل في أحيان كثيرة إلى العنف بل والمبالغة في الاستهداف، لكن ميزانا ما ظل حاضرا على الدوام، لا يترك النزوعات الإقصائية تتطرف لدرجة الإخلال بالتوازن المطلوب ولو افتقد في مراحل بعينها، غير أن منطق التسوية العاقلة سرعان ما يستعيد المبادرة لضمان بقاء الجميع في وطن الجميع. وقد عرف المغرب محطات ثبت فيها حاجة الوطن لكل أبنائه لتأمين مختلف الانتقالات التي عاشها، ويمكن الإعتراف إنصافا أن أبناء المغرب لم يخذلوه في أشد اللحظات حرجا رغم الاختلاف ورغم الآلام.

لقد قطع المغرب أشواطا في إرساء الآليات الديمقراطية المعروفة من دورية الانتخابات وتنصيب المؤسسات واعتماد النصوص التشريعية والمساطر التنظيمية والرفع من تمثيلية النساء السياسية، غير أن المفارقة المحزنة تفيد أن هذا التطور لم يواكبه تعميق الوعي بمبادئ الديمقراطية وقيمها، كما لم يعكس القناعة بأولوية المشروعية والمعنى على الشكلانية والاستعراض، لذلك تعجز النخبة المتوارية عن الاحتفاء بالمنجز الرسمي الفاقد للروح والغائية، وفي المقابل يهمس الجميع بكون مطالب الديمقراطية قد تم السطو عليها وتحويلها إلى مجرد آليات مفصولة عن العمق القيمي الذي أفرزها، وبذلك لم تعد تصلح إلا للدعاية التي صارت تشهد فقرا فظيعا في سوق القائمين عليها

ما العمل إذن؟ إنه سؤال تلوكه النخبة المتوارية صباح مساء، تحاول في خضم القلق وتأنيب الضمير الذي يؤرقها أن تنعش الشغف وتحيي المعنى بداخلها لتستأنف أدوارها وهي تشهد انهيار الوعي الجماعي وارتماء الأجيال الشابة في الثقوب السوداء لتكنولوجيا الاتصال المفترسة بدون معالم وبدون هوية. تدرك النخبة المغربية خطر إعدام الفكر والسياسة وسطحية النقاشات العمومية وتولية الأمور لغير أهلها في أغلب المجالات المعنية بالتنشئة الإجتماعية، كما تدرك النخبة الكلفة الباهظة لغيابها حتى لا أقول تغييبها كي لا تنتفي مسؤوليتها، فاليأس والخوف والإحباط ليست مبررات للانسحاب غير أن التفنن في جلد النخبة المتوارية ليس عادلا أيضا، الأمر لا يحتمل التهويل كما لا يحتمل التهوين، لابد في المقابل من إطلاق مبادرات واسعة لاستعادة صوت النخبة الحقيقية القادرة على التأثير الإيجابي، فالشباب المغربي في حاجة إلى رموز ومعالم في عالم يسير بسرعة الضوء إلى تعميق التيه وطمس المعالم

لابد من إعادة الاعتبار لقيم التعدد والاختلاف والجدل والنقاش والتدافع الإيجابي، إذ لا يمكن لبلد بتاريخ المغرب وهويته وحضارته وغناه أن يستمر بمقاربة واحدة أثبتت قصرها ومحدودية أفقها، ولابد للنخبة أن تغادر خلوتها وتتحمل مسؤوليتها التاريخية تجاه هذا الوطن وأبنائه بوعي وعقلانية وأمل