كشّ ترامب
كانت الشطرنج في لحظة ما من لحظات التاريخ، مجرد لعبة لتسلية الملوك. رقعة صغيرة من أربعة وستين مربعا، تتحرك فوقها جيوش خشبية في صمت، بينما كان الملوك يتعلمون، دون دم ولا أشلاء، كيف تُدار الحروب.
لم يكن الأمر مجرد تسلية، بل هو في العمق تدريب على التفكير في السلطة، وفي تحقيق التوازن، وفي تماسك الصفوف والجبهات الداخلية، وفي تلك اللحظة الدقيقة التي يجب فيها التضحية بقطعة ما لإنقاذ الملك.
هكذا وُلدت لعبة الشطرنج في بلاد فارس، وانتقلت مع الفتوحات الإسلامية إلى العرب، الذين أعادوا تشكيلها وفق تصورهم للعالم، فجعلوا أقوى قطعة فيها “وزيرا” لا “ملكة”، قبل أن تصل إلى أوروبا فتتغير قواعدها مرة أخرى، ويصبح ما كان مستشارا إلى جانب الملك، ملكة تتسيّد الرقعة وتتحكم في مجريات اللعب.
لكنها لم تكن يوما مجرد لعبة. بل كانت دائما محاكاة للواقع. كل حضارة مرّت بها أعادت صياغتها بطريقتها. من بلاط كسرى إلى مجالس هارون الرشيد، إلى قصور إيزابيلا، ثم إلى ساحات الحرب الباردة بين بوبي فيشر وبوريس سباسكي… ظلّت الرقعة نفسها دائما، لكن القواعد تتغير، والرموز تتبدل، والرهانات تكبر.
قطعة واحدة يمكن أن تتحول من “بيدق” إلى مركز القوة، وملك محاط بالهيبة يمكن أن يصبح أضعف من أن يتحرك إلا خطوة واحدة في كل مرة.
واليوم ونحن نتابع فصول الحرب الدائرة بين “روم” هذا الزمان وفُرسه، لا تُلعب الشطرنج على رقعة خشبية، بل فوق خرائط الشرق الأوسط. والفرق أن القطع لم تعد خشبية، ولا يمكن إعادتها إلى الصندوق بعد نهاية المباراة.
هنا، البيادق بشر، والأهداف التي تُقصف ليست مجرد مربعات، بل جسور، ومدن، وأسماء، وذاكرة. الحرب الدائرة اليوم ليست سوى نسخة مكبرة من تلك اللعبة القديمة، مع فارق قاتل يجعل اللاعبين يضغطون على القطع الحيّة، والآخرون يموتون.
في هذه الرقعة المفتوحة، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المباراة باعتقاد بسيط، جعلهم يعتقدون أن الحرب ستكون ضربة خاطفة، و”كش ملك” سريع، وإعادة الخصم إلى “العصر الحجري”، كما قال دونالد ترامب.
كان التصور كلاسيكيا جدا، أقرب إلى لاعب يظن أنه يستطيع إنهاء المباراة بحركة مبكرة، دون أن ينتبه إلى أن خصمه لا يلعب بنفس المنطق.
ما حدث بعد ذلك، كما تكشفه القصاصات والتصريحات والتقارير، كان شيئا آخر. إيران لم تتصرف كقطعة محاصرة، بل كلاعب طويل النفس، يقبل بتلقي الضربات، لكنه يعيد ترتيب الرقعة بهدوء، ويحوّل الهجوم إلى استنزاف.
لم تكن الضربات التي طالت الجسور والمدارس والجامعات ومولدات الطاقة والبنى التحتية… مجرد استعراض قوة، بل محاولة لتسريع نهاية المباراة. لكن الرد الإيراني، الذي امتد إلى قواعد ومصالح أمريكية وإسرائيلية في المنطقة، أعاد توزيع القطع.
فجأة، لم تعد الرقعة محصورة داخل حدود إيران، بل امتدت إلى الخليج العربي حيث تنتشر القواعد الأمريكية، وإلى الممرات البحرية، ثم إلى مضيق هرمز الذي تحوّل من مجرد ممر للطاقة إلى قطعة مركزية في اللعبة، قادرة على قلب التوازن العالمي.
حين يصل الأمر إلى حد بحث الأمين العام للأمم المتحدة، داخل مجلس الأمن، عن تفويض لاستخدام القوة لإعادة فتح المضيق، فإننا نكون أمام لحظة يتداخل فيها المحلي بالعالمي، والاقتصادي بالعسكري، كما لو أن رقعة الشطرنج اتسعت فجأة لتشمل العالم كله.
في هذا السياق، بدا أن اللاعب الذي ظن أنه يمسك بكل الأوراق، بدأ يفقد توازنه. تصريحات ترامب، التي تتراوح بين إعلان النصر والتهديد بالمزيد من التدمير، ثم البحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه، تعكس حالة ارتباك نادرة في لغة القوة. هو نفسه الذي قال قبل يومين لمجلة “تايم” إن إسرائيل “ستفعل ما يقول” وستتوقف “حين يتوقف”، عاد ليعترف بأن إيران “عنيدة”، وأنها أظهرت قدرة على التحمل والمناورة.
بين التهديد بالتصعيد والدعوة إلى التهدئة، تبدو واشنطن وكأنها لاعب فقد القدرة على قراءة الرقعة، بينما خصمه يراكم النقاط بصبر ونَفَ طويل.
هكذا تعيدنا الحرب الحالية إلى درس الشطرنج القديم. في هذه اللعبة، لا يفوز من يناور أكثر، بل من يفكر أبعد. وليس المهم أن تُسقط أكبر عدد من القطع، بل أن تُعيد ترتيبها في اللحظة المناسبة.
الفُرس الذين اخترعوا اللعبة كانوا يعرفون ذلك جيدا كأنهم حضّروا لهذه الحرب منذ مئات السنين. الملك ليس أقوى القطع، بل أضعفها، لكنه الأكثر أهمية… ألم يخفوا “مرشدهم” الجديد تماما منذ خسروا المرشد السابق؟ والوزير، الذي كان في الثقافة الشرقية مستشارا، وأصبح في الغرب ملكة تتحرك بحرية مطلقة، يتحرّك اليوم برشاقة عراقجي في المراوغة والتسديد بالتصريحات.
في الحرب الجارية، يبدو أن إيران قرأت قواعد الشطرنج جيدا. منذ البداية، لم تحاول أن تكون الأقوى، بل أن تكون الأقدر على الصمود والمناورة. ولم تبحث عن “كش مات” سريع، بل عن إطالة المباراة حتى يصبح خصمها مضطرا للبحث عن مخرج أو بالأحري مهرب. التقارير القادمة من واشنطن تحدّثنا بوضوح عن رئيس يبحث عن طريقة ليعلن النصر دون نصر فعلي، ويخرج.
لكن لعبة الشطرنج، كما يعلم اللاعبون الحقيقيون، لا تنتهي حين يريد أحدهم، بل حين تُفرض النهاية على الرقعة. وكلما طالت اللعبة، زادت احتمالات الخطأ، وتقلصت مسارات الخروج. وهذه هي المفارقة التي نعيشها اليوم مع حرب بدأت باعتبارها ضربة حاسمة، لتتحول تدريجيا إلى مباراة مفتوحة، حيث لا أحد يستطيع أن يعلن النصر من طرف واحد، ولا أحد يستطيع أن يغادر الطاولة دون كلفة.
في النهاية، الشطرنج ليست مجرد لعبة عن الملوك والوزراء والملكات. بل هي لعبة عن الزمن. وعن الذي يصبر أكثر، ويخطئ أقل، ويعرف أن كل حركة، مهما بدت صغيرة، قد تغير مسار المباراة كلها.