story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

“كبش الألف درهم” يثير السخرية.. وجمعيات حماية المستهلك: ثمن خيالي

ص ص

بينما يرزح المواطن المغربي تحت وطأة أسعار الأضاحي التي باتت تستنزف قدرته الشرائية، أثار تصريح وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، تحت قبة البرلمان، بشأن توفر أكباش العيد بأسعار تبدأ من 1000 درهم، موجة استياء وسخرية واسعة.

هذا الخطاب الحكومي، الذي اصطدم بجدار الأسواق الملتهبة، اعتبره الكادحون “انفصالاً تاماً عن واقعهم”، مما جعل من “خروف الوزير” عنواناً لأزمة ثقة بين الشارع والمسؤول ومادة سخرية رصدتها عدسات النقاشات اليومية للمواطنين.

صباح اليوم، وداخل سيارة أجرة صغيرة تشق طريقها وسط زحام الدار البيضاء، كان النقاش الحاد الذي جمع بين السائق وأحد الركاب حول اقتراب عيد الأضحى وأسعار الأضاحي التي تكوي جيوب المواطنين أعلى من صوت محرك السيارة. وأخذ النقاش طابعاً ساخراً مع استحضار التصريح الأخير لوزير الفلاحة.

التفت السائق فجأة، وبنبرة تمزج بين الاستنكار والتعجب، طرح سؤالاً لخص حالة الاستغراب العام: “بالله عليكم، هل كان هذا الوزير بكامل وعيه وإدراكه في تلك اللحظة وهو يتحدث عن كبش بألف درهم؟ أين تباع هذه الأكباش؟ في أي مغرب يعيشون؟”. لم يتأخر الراكب في التقاط خيط الحديث، ليجيب بنبرة مريرة تعكس خيبة أمل متراكمة: “يا أخي، إنها مجرد مسرحية سيئة الإخراج يضحكون بها علينا، وكأننا لا ننزل إلى الأسواق ولا نعرف الحقيقة”.

هذا المشهد الصباحي العابر داخل سيارة الأجرة ليس سوى صورة مصغرة ومطابقة لما يعتمل في صدور شريحة واسعة من المغاربة. فبمجرد أن نطق وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري بتصريحه أمام نواب الأمة، محاولاً طمأنة الرأي العام بشأن العرض والأسعار، حتى اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بموجة غير مسبوقة من الاستياء والسخرية.

تحول “كبش الألف درهم” إلى “تريند” ومادة دسمة لصناع المحتوى والصفحات الساخرة، حيث انقسمت ردود الأفعال إلى سخرية لاذعة عبر نشر صور لخراف صغيرة جداً أو ألعاب بلاستيكية مرفقة بتعليقات من قبيل: “عثرنا أخيراً على خروف الوزير”، أو مطالبات بتزويد المواطنين بموقع (GPS) الضيعات التي تبيع هذه الأضاحي الخيالية، وإلى استياء عميق عبر عنه مواطنون اعتبروا التصريح “انفصالاً تاماً عن الواقع” وتقليلاً من حجم المعاناة التي تعيشها الأسر المغربية البسيطة والمتوسطة مع موجة الغلاء.

تأتي حالة الاحتقان هذه في ظل معطيات واقعية تتناقض بشكل صارخ مع التطمينات الحكومية. ففي الوقت الذي يتحدث فيه الخطاب الرسمي عن أثمنة في متناول الجميع تبدأ من 1000 درهم، تتحدث لغة الأسواق والضيعات الفلاحية عن واقع آخر.

في هذا الصدد، قال محمد بنقدور، الرئيس المؤسس للجامعة الوطنية لجمعيات حماية المستهلك بالمغرب، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن الحديث عن أضاحٍ بسعر 1000 درهم “غير واقعي”، معتبراً أنه “من الخيال القول بوجود خروف بهذا الثمن في السوق الحالية”.

وأوضح بنقدور أنه من خلال حساب بسيط لأسعار السوق، حيث يبلغ ثمن الكيلوغرام في بعض الأسواق الكبرى حوالي 80 درهماً، فإن الخروف الذي قد يصل إلى 13 كيلوغراماً حيّاً (أي ما يعادل تقريباً 5 إلى 6 كيلوغرامات من اللحم الصافي) لا يمكن أن يكون صالحاً للأضحية وفق الشروط المعروفة، مضيفاً أن مثل هذا السعر لا يمكن أن ينطبق إلا على حالات استثنائية كالحيوانات المريضة أو غير الصالحة للأضحية.

وشدد المتحدث ذاته على أنه “لا وجود عملياً لهذا الرقم في السوق”، مؤكداً أن الأسعار الحقيقية للأضاحي تفوق بكثير هذا المستوى، وقد تتجاوز في الغالب 4000 درهم.

وأضاف بنقدور أن شبكات حماية المستهلك تنزل إلى الميدان بشكل منتظم، ولا تعثر على أي معطيات تؤكد وجود أضاحٍ بهذا السعر، معتبراً أن هذه التصريحات “غير دقيقة وتخلق ارتباكاً وفوضى في السوق”، لأنها تدفع المواطن إلى البحث عن أسعار غير موجودة، ما يولد توتراً بين الفلاحين والمستهلكين.

ودعا الفاعل الحقوقي إلى ضرورة الوضوح بين مختلف الفاعلين في القطاع، من فلاحين وكسابة وحكومة ومستهلكين، مؤكداً أنه “لا يمكن الحديث عن أضحية بـ1000 درهم في ظل تكاليف الإنتاج الحالية”، وأن الأمر “غير ممكن اقتصادياً”.

كما انتقد استمرار تأثير الوسطاء في مسالك التوزيع، مشيراً إلى أن غياب تنظيم واضح للسوق يساهم في رفع الأسعار بشكل غير مبرر، داعياً إلى تقنين القطاع ومنح ولوج السوق فقط لمن يثبت صفته الفلاحية، مع ضبط هوامش الربح ووضع آليات رقابة فعالة.

واعتبر بنقدور أن الدعم العمومي يجب أن يُصرف وفق شروط دقيقة تضمن وصوله إلى الفئات المستهدفة، سواء من المنتجين أو المستهلكين، مع ضرورة ضبط الأسعار داخل الأسواق بشكل شفاف، قائلاً إنه “إذا كان السعر المرجعي في حدود 60 درهماً للكيلوغرام، فيجب تفعيله ومراقبته بشكل صارم”.

وختم تصريحه بالتأكيد على أن الخطاب غير الواقعي يضر بثقة المواطنين في المؤسسات، مشدداً على أن المواطن حين يسمع مسؤولاً يحتدث دون وعي أو مسؤولية عن أضحية بـ1000 درهم ثم لا يجدها في الواقع، تتعزز لديه حالة عدم الثقة، مضيفاً: “نحتاج إلى مسؤولين يتحدثون بواقعية وصدق، لأن الهدف في النهاية هو حماية القدرة الشرائية وضمان استقرار السوق”.

ويأتي هذا الجدل في وقت تؤكد فيه الحكومة وفرة القطيع الوطني وتراجع الضغط مقارنة بالسنة الماضية، مستندة إلى معطيات وزارة الفلاحة التي تشير إلى توفر ما بين 6 و6.8 ملايين رأس من الأغنام والماعز لتغطية حاجيات العيد، مع قطيع وطني يناهز 23 مليون رأس من الأغنام.

غير أن هذه الأرقام الرسمية لم تنجح، إلى حدود الآن، في تبديد قلق المواطنين المرتبط بالقدرة الشرائية، خصوصاً مع استمرار تسجيل أسعار تتجاوز في عدد من الأسواق 3000 درهم بالنسبة للأضاحي المتوسطة، فيما تصل بعض الأنواع إلى ما بين 4500 و6000 درهم، بحسب مهنيين.

وكان مهنيون ومربو ماشية قد شددوا، في تصريحات سابقة لصحيفة “صوت المغرب”، على أن ارتفاع الأسعار يرتبط بعدة عوامل، من بينها كلفة الأعلاف والنقل والتسمين، إلى جانب تأثير الوسطاء والمضاربين داخل الأسواق، في حين يرى مراقبون أن الدعم الحكومي الذي تم تخصيصه للقطاع لم ينعكس بالشكل الإيجابي على الأسعار النهائية.

وفي المقابل، اعتبر آخرون أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالأثمان، بل أيضاً بأزمة ثقة متنامية بين الخطاب الرسمي وما يعيشه المواطن يومياً داخل الأسواق، وهو ما يفسر حجم التفاعل الساخر والغاضب مع تصريحات المسؤولين بشأن أسعار الأضاحي.

ويأتي ذلك في سياق اجتماعي واقتصادي يتسم باستمرار الضغوط المعيشية وارتفاع التكاليف، ما جعل عيد الأضحى هذه السنة يتحول، بالنسبة لعدد من الأسر، من مناسبة دينية واجتماعية إلى مصدر قلق مالي حقيقي.