story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

قراءة في الخطاب الملكي لافتتاح الدورة التشريعية الجديدة

خمس زوايا أساسية
ص ص

طبقا لمقتضيات الفصل 65 من الدستور، افتتح الملك محمد السادس يوم الجمعة الثانية من شهر أكتوبر الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، وقد جرت العادة أن يتضمن الخطاب الافتتاحي رهانات المرحلة القادمة وأولويات العمل الحكومي والبرلماني.

يقدم الخطاب تصورا متكاملا للمرحلة المقبلة، تتقاطع فيه رهانات بناء القوة الاقتصادية الوطنية مع ضرورة تجديد الإصلاحات، وتصحيح اختلالات الحكامة الترابية، وإعادة صياغة بعض علاقات الشراكة الخارجية، واستعادة المعنى السياسي والأخلاقي للانتداب البرلماني، وذلك في إطار رؤية تربط بين ما حققه المغرب من مكاسب وما يواجهه من تحديات.

ويمكن قراءة الرسائل الأساسية للخطاب من خلال خمس زوايا مترابطة:

أولا: مقومات الأمة المغربية وتعبئة عناصر القوة الوطنية

يستهل الخطاب بتأكيد الاعتزاز بالانتماء إلى المغرب، مستحضرا عمق الأمة المغربية، وعراقة المؤسسة الملكية وهويتها الدينية الأصيلة في ظل إمارة المؤمنين، وما حققته المملكة من مكاسب سياسية ودبلوماسية وإنجازات تنموية واقتصادية واجتماعية.

غير أن الرسالة المركزية تتجاوز التغني بأمجاد التاريخ إلى تحديد الوظيفة السياسية للاعتزاز الوطني، فالانتماء حافز لتحمل المسؤولية وتحويل الثقة إلى واجب وطني. وتكتسب هذه الفكرة أهمية في سياق دولي متقلب تتزايد فيه المنافسة على الموارد والأسواق ومواقع النفوذ، وتتزايد فيه مخاطر التأثير الثقافي والغزو القيمي، ولذلك فإن القوة الوطنية لا تقاس فقط بعمق التاريخ أو متانة الشرعية، بل بقدرة الدولة على تعبئة مواردها، وتحسين أداء مؤسساتها، في تلازم مع تشبتها بهويتها الحضارية العريقة.

ومن ثم، فإن استحضار مقومات الأمة المغربية يشكل دعوة إلى استثمار الرصيد التاريخي والحضاري والدبلوماسي في بناء جبهة وطنية قوية ومتماسكة.

ثانيا: جيل جديد من الإصلاحات..

يضع الخطاب المغرب أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة جديدة من الإصلاح، تتناسب مع تسارع التحولات الجيو-اقتصادية، وما تفرضه من إعادة ترتيب للأولويات الوطنية، إذ يتعين إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية.

وتكشف هذه الأولويات عن تحول في تصور التنمية، من التركيز على إنجاز المشاريع وتوسيع البنيات الأساسية إلى بناء قدرات وطنية تضمن الاستمرارية والاستقلال النسبي في القرار الاقتصادي. فالأمن الاقتصادي أصبح مرتبطا بقدرة الدولة على تأمين حاجاتها الحيوية، وتطوير إنتاجها الصناعي، والاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا.

وفي هذا السياق، يمنح الخطاب الملكي القطاع الخاص الوطني دورا يتجاوز وظيفته التقليدية ليرتقي به إلى مستوى فاعل استراتيجي في التحول التنموي، وهو ما يستدعي تشجيعه على المبادرة والابتكار والاستثمار والتصدير وخلق فرص الشغل، ويستلزم منه هو أيضا الوعي بمسؤولياته الوطنية خلال هذه المرحلة.

غير أن نجاح هذا الجيل الجديد من الإصلاحات يظل مرتبطا بوضع الشباب في صدارة السياسات العمومية، فالتعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص شروط لبناء رأس مال بشري قادر على مواكبة التحولات واستثمار القوة الديموغرافية الحالية، التي تمثل فرصة هائلة، لكنها تمثل تهديدا حقيقيا إذا لم يشعر الشباب بأثر الاستراتيجيات الكبرى على حياته اليومية.

ثالثا: الجهوية المتقدمة وسؤال الخلل..

يحتل البعد الترابي موقعا مركزيا في الخطاب، الذي يعتبر أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة هو العمل الميداني، والوقوف على المشكلات الفعلية لكل منطقة، والبحث عن حلول واقعية لها. وقد خصص الخطاب حيزا مهما للجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، رابطا بينهما وبين التنمية المندمجة وتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج.

والرسالة الأساسية هنا هي التنبيه إلى أن التأخير والاختلالات التي تعرقل تنزيل هذا الورش أصبحت تنعكس سلبا على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويثير هذا التشخيص سؤالا جوهريا: أين يكمن الخلل في مسار الجهوية المتقدمة؟ ويمكن تفكيك هذا السؤال إلى ثلاثة مستويات مترابطة:

أولها، مستوى اللاتمركز الإداري، حيث يشدد الخطاب على ضرورة التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، ونقل الصلاحيات والموارد من المركز إلى الأقاليم والجهات.

وثانيها، مستوى الجهوية المتقدمة، حيث يدعو الخطاب إلى إزالة العراقيل التي تعيق عمل مؤسسات الجهة، وتوضيح الاختصاصات، وتعزيز مواردها.

وثالثها، مستوى العلاقة بين الدولة والجهات، إذ لم يعد المطلوب مجرد توزيع إداري للمهام، بل بناء علاقة مؤسساتية واضحة تقوم على التنسيق والتعاقد وتحديد المسؤوليات.

ومن هذه الزاوية، تبدو الجهوية المتقدمة مدخلا مزدوجا: لتحديث بنيات الدولة، ولإنجاز نموذج تنموي أكثر إنصافا من الناحية المجالية. وهو ما يستدعي مسؤولية الأحزاب والنخب المنتخبة، فالتفعيل الحقيقي للجهوية يحتاج إلى نخب قادرة على بناء المشاريع الترابية وتحديد الأولويات وتعبئة الفاعلين المحليين.

رابعا: الشراكة مع إسبانيا.. اختيار سيادي

في البعد الخارجي، يؤكد الخطاب مكانة المغرب كشريك مسؤول وموثوق، يحرص على تنفيذ التزاماته، وينتظر من شركائه التعامل بالمثل، ويبرز التعاون في مجال الهجرة نموذجا لهذه الشراكة، مع الإقرار بأن النموذج الحالي أصبح متجاوزا.

وتتخذ الرسالة بعدا أكثر تحديدا عندما يتناول الخطاب الصعوبات الناتجة عن بعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية التي تعرقل تدبير بعض الملفات. لكن الرسالة السياسية الأوضح تتمثل في التأكيد أن الشراكة مع إسبانيا اختيار سيادي والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل ضغط أو تهديد أو ابتزاز.

ويكشف الخطاب عن إعداد وثيقة استراتيجية موجهة إلى الشركاء، تؤسس لمرحلة جديدة من التعاون. ومن ثم، فإن قوة الشراكة الخارجية لا تنفصل عن قوة البنية الاقتصادية والمؤسساتية الداخلية، وهو ما يستلزم الوعي بضرورة تقوية وتمتين الجبهة الداخلية.

خامسا: الانتداب البرلماني.. التزام سياسي وتعاقد أخلاقي

يختتم الخطاب بتذكير أعضاء البرلمان بأن الانتداب البرلماني ليس مجرد صفة مؤسساتية أو امتياز مرتبط بالانتخاب، وإنما هو التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربط النائب بالمواطنين.

ويكتسب هذا التذكير أهميته من كونه يعيد الاعتبار إلى الوظيفة الجوهرية للتمثيل السياسي، وهو تحويل ثقة الناخبين إلى عمل تشريعي ورقابي. فالحصول على المقعد البرلماني هو تعاقد أخلاقي يوسع معنى المسؤولية البرلمانية ويربطها بالنزاهة والجدية والإنصات للمواطنين. كما أن وصفه بالتزام سياسي يقتضي أن يكون النائب حاضرا في النقاش العمومي، ومشاركا في تجويد التشريعات، وممارسا فعليا للرقابة على العمل الحكومي.

ويمنح الاستشهاد بقوله تعالى: “من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها” هذه المسؤولية بعدا قيميا، يجعل العمل العام مجالا لابتغاء الأجر من الله أيضا، وهي إشارة في غاية الأهمية من الناحية القيمية والفكرية.

والخلاصة..

تكشف الزوايا الخمس للخطاب الملكي عن تصور مترابط للمرحلة المقبلة، فتثبيت مقومات الأمة المغربية ينبغي أن يتحول إلى تعبئة لعناصر قوتها، والتحولات الجيو-اقتصادية تستدعي جيلا جديدا من الإصلاحات، والتنمية الوطنية لا تكتمل دون حكامة ترابية فعالة، والشراكات الخارجية ينبغي أن تقوم على التعاون المتوازن واحترام السيادة، فيما تظل المؤسسات المنتخبة مطالبة بتحويل الثقة الشعبية إلى التزامات فعلية.

ولعل الرسالة الأبرز هي أن التحدي لم يعد محصورا في تحديد الأهداف أو إعلان المشاريع، بل أصبح مرتبطا بقدرة الدولة ومؤسساتها ونخبها على تجاوز الاختلالات التي تعرقل التنفيذ، وبقدرة المؤسسات على تقليص الفوارق المجالية، وتحسين الخدمات، وتوسيع فرص الشباب، وتعزيز الثقة في العمل العام.