story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
تكنولوجيا |

في الذكرى 14 لوفاته.. سقراطيس: أسطورة البرازيل الذي ناضل من أجل الديمقراطية

ص ص

بخلاف غيره من نجوم منتخب البرازيل التاريخيين، لم يمتلك سقراط برازيليرو سامبايو دي سوزا فييرا إي أوليفيرا المعروف اختصارا بإسم سقراطيس قصة مأساوية في طفولته، ولم تنتشله كرة القدم من الفقر، بل لم يسع يومًا لأن تكون كرة القدم مصدرا لدخله وتعويضا عن مرحلة ما من الحرمان المادي والإجتماعي .

إزداد سقراطيس في 19 فبراير من عام 1954 وعاش طفولة جيدة، حيث نشأ وسط عائلة ميسورة، وتأثر بحب والده للكتب، فأدمن القراءة والاطّلاع، ما جعله يحلُم بأن يصبح طبيبًا في المستقبل ، بينما كانت كرة القدم بالنسبة للطفل القادم من مدينة “بارّا” البرازيلية ما هي إلا وسيلة لالتقاط الأنفاس عقب ساعات مستمرة من الضغط المدرسي.

للمفارقة، كان سقراط متميزًا في كرة القدم بالفطرة، على الرغم من عدم اكتراثه بتنمية موهبته، وهيئته اللامتناسقة، التي لم تكن تعكس ذكاءه وتفرّده عن أقرانه، وهكذا لم يتوقع أحد من محيطه أن يصل الفتى المجتهد في دراسته، إلى الشهرة كلاعب كرة قدم فذ.

المثير في قصة سقراطيس كان هو رفضه لأول عرض احترافي قُدم له من نادي بوتافوغو البرازيلي، حيث كان يرى في هذه اللعبة وسيلة للتسلية ليس إلا، في حين أراد أن يصُب كل تركيزه على دراسته للطب.

في النهاية توصلت إدارة النادي البرازيلي لصيغة تعاقدية تعفيه من حضور التدريبات، على أن يقتصر حضوره على المباريات الرسمية فقط. ومن هنا، أصبح الشاب اليافع قادرًا على كسب المال من الكرة، والاستمرار في دراسته العليا.

لكن سرعان ما أصبح سقراطيس أفضل لاعبي بوتافوغو، غير أنّه لم يكن مستمتعًا بذلك، فبغض النظر عن نظرته لكرة القدم كمرحلة مؤقتة في حياته، لم يكن معجبًا بتسلّط الأندية، حيث عقود احترافية أشبه بالسخرة، وأندية تستغل حاجة الشباب للعب كرة القدم للهروب من واقعهم المزري.. كانت شخصيته الثورية تطغى على كل حواراته حول هذا الموضوع داخل محيطه الكروي.

في 1977، حصل سقراطيس على شهادة الدكتوراه في الطب من جامعة ساو باولو، ليحقق أول أهدافه التي خطط لها منذ نعومة أظافره، ليوضع أمام اختبار حقيقي بعدما عرض عليه بوتافوغو راتبًا يساوي أضعاف ما يمكن أن يتقاضاه إذا ما قرر اتخاذ الطب كمهنة، لكنه قرر في الأخير أن يواصل مع ناديه بنفس الشروط السابقة التي تتيح له مزاولة المهنة التي حلم بها كثيرا في طفولته.

عام واحد بعد ذلك سينتقل إلى نادي كورينتيانس الأقوى، حيث استطاع أن يُظهر للعالم أن البرازيل تمتلك لاعبًا فذا، وقائدًا مفوهًا يمكنه قيادته كتيبة مدججة بالنجوم داخل منتخب السيليساو.

سُقراطيس لم يكن طبيبا ولاعب كرة فذ فقط، بل كان مثقفا خبر عوالم الفلسفة ومذاهبها الفكرية، وكان من أكبر هواجسه الثائرة هو تحقيق الديمقراطية ومناهضة الإستبداد بجميع أشكاله ومساندة الطبقات العمالية.

في مطلع الثمانينيات، كانت البرازيل لا تزال عالقة تحت قبضة الحكم العسكري الديكتاتوري، إضافةً لزيادة معدلات التضخم الاقتصادي، مما كان يشير إلى اقتراب اندلاع ثورة شعبية حقيقية تأخرت لنحو عقد من الزمان، ومن موقعه كقائد لمنتخب البرازيل ونادي كورينتيانز، أراد سقراطيس أن يستغل مكانته كنجم كرة قدم شهير ، فقاد حملة عُرفت بـ”ديمقراطية كورينشيانز” وهي حركة رمزية منحت جميع المحسوبين على النادي بدايةً من اللاعبين، وصولًا للعمال، مرورًا بالطاقم الفني والإداري والطبي الحق في التصويت على كل صغيرة وكبيرة تخص النادي.

في الواقع، لم تكُن الحملة تستهدف تغيير نظام تسيير النادي فحسب، بل كانت خطوة رمزية وإشارة ضمنية لما يجب أن يطالب به الشعب البرازيلي من قادة البلاد الحاكمين بالحديد والنار.

بعد فشل البرازيل في حصد كأس العالم 1982، تلقى سقراطيس انتقادات واسعة من البرازيليين حيث اتهم بعدم الوفاء بوعده باستعادة اللقب العالمي، خاصةً وأن الجيل الذي شارك بمونديال إسبانيا كان أحد أبرز الأجيال في تاريخ بلاد الصامبا، بل يتم وصفه بأنه الجيل الذي لعب أجمل كرة قدم عبر التاريخ.

لكن عقب نهاية كأس العالم، مباشرة اتجهت الأنظار إلى نهائي بطولة الباوليستا، الذي جمع كورينشيانز ممثل الطبقة الكادحة، وساو باولو ممثل الأغنياء واليمينيين المحافظين، وبالطبع انتهت قصة مباراتي الذهاب والإياب نهاية مثالية، حيث توّج كورينشيانز باللقب، بعد الفوز بمجموع 4 أهداف لهدف، وكانت أهم لحظات ذلك النهائي هو مشهد سقراطيس وهو يحتفل بهدفه رافعا قبضته إلى لسماء، وكأنه يقدم التحية للمتمردين، الذين حملوا لافتات توسطتها كلمة واحدة “ديمقراطية”.

في تلك الفترة كانت تسود حالة تمرد في الشارع البرازيلي مطالبة بتعديل قوانين الانتخابات، وإنهاء الحكم العسكري المستبد، لكنها اصطدمت بعنف شديد، ومؤامرة منعت تمرير مشروع تعديل القانون، حيث مُنع نحو 113 عضوًا من أعضاء الكونجرس البرازيلي من الإدلاء بأصواتهم بالموافقة على تغيير القانون، ومجددا، يقرر سقراطيس ألا يقف مكتوف الأيدي، مهددا برحيله صوب إيطاليا إن لم تتم الاستجابة لمطالبات الشعب الذي ذاق الأمرين مع القمع والإستبداد لقرابة الـ20 عاما، ومع استمرار التعنت، رحل متوسط ميدان كورينتيانز صوب إيطاليا، ليلعب في صفوف فيورينتينا ويعرف بمطالب الشعب البرازيلي خارج البلاد.

لم تستمر مسيرة سقراط في إيطاليا كثيرًا، حيث عانى من كونه نصف محترف، وهو ما كان يتعارض قطعًا مع طموحات الفريق الذي أراد أن يصنع فريقًا قويًا من حوله، بالتالي أصبحت مسألة استمراره في دوري متطلب مثل الدوري الإيطالي معقدةً جدًا، خاصة بعد تكرار تعرّضه للإصابات وعدم التزامه.

لكن لم يستمر مقامه طويلا في إيطاليا، بعدما أستطاعت الثورة الشعبية أن تطيح بالحكم العسكري الدكتاتوري في البرازيل، فوجد سقراطيس نفسه مجددًا يعود لبلاده ممثلًا لفريق فلامنجو رفقة صديقه الأسطورة زيكو، حيث تمكن من أن يحقق بعض حلمه القديم في لعب كرة القدم داخل بلاده وهي تنعم بقليل من الديموقراطية والحرية ويواصل فيها نضاله من أجل العدالة الإجتماعية وحقوق الطبقات المسحوقة والمهمشين من الشعب البرازيلي.

وفي الرابع من دجنبر من عام 2011 توفي سقراطيس عن عمر ناهز ال57 سنة بعد مرض مفاجئ لم يمهله طويلا في البقاء على قيد الحياة والنضال، لكنه رحل وترك تاريخاً عظيماً في كرة القدم ونجاحات فردية دخل لها قلوب البرازيليين وكل أحرار العالم بقضية الكفاح والوقوف بجانب الطبقة الكادحة ومن ينامون على الإسفلت مناضلا يلامس شيئا من معاناتهم، وتضحية من إنسان جمع بين المبادئ الإنسانية بنفس القدر من التميز الأكاديمي والرياضي فدخل التاريخ من أوسع أبوابه.