في آخر أيام الولاية التشريعية.. هل يسمح الدستور بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول “الفراقشية”؟
أثار التوافق البرلماني بين جزء من مكونات الأغلبية والمعارضة بشأن تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق حول الدعم الحكومي الموجه لاستيراد وتربية المواشي، نقاشا دستوريا وسياسيا حول مدى إمكانية إحداث مثل هذه اللجنة في الأسابيع الأخيرة من عمر الولاية التشريعية، وما إذا كانت ستتمكن من استكمال مهامها قبل الانتخابات التشريعية المرتقبة.
وجاء هذا النقاش بعدما أعلنت مكونات من الأغلبية الحكومية، ممثلة في حزب الأصالة والمعاصرة والفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية والفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي، موافقتها على مقترح تقدمت به المعارضة، ولا سيما المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن تدبير الدعم العمومي المخصص لاستيراد وتربية المواشي، في خطوة عكست انقساما داخل الأغلبية، بعد رفض فريق التجمع الوطني للأحرار الانضمام إلى المبادرة.
وفي هذا السياق، أكد الباحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري عبد المنعم لزعر أن المنظومة الدستورية والقانونية المغربية لا تتضمن أي مقتضى يمنع إحداث لجنة نيابية لتقصي الحقائق حتى وإن كانت الولاية التشريعية على وشك الانتهاء، موضحا أن الدستور والقانون التنظيمي المنظم لهذه اللجان لم يربطا صلاحية تشكيلها ببداية الولاية أو منتصفها أو نهايتها.
وأضاف لزعر أن اقتراب الانتخابات التشريعية لا يشكل، من الناحية القانونية، مانعا أمام ممارسة البرلمان لاختصاصاته الرقابية، ما دام مجلس النواب لا يزال يمارس كامل صلاحياته الدستورية إلى غاية انتهاء ولايته، معتبرا أن الرقابة البرلمانية تظل قائمة إلى آخر يوم من عمر المؤسسة التشريعية.
غير أن الباحث الدستوري شدد على أن إمكانية تشكيل اللجنة لا تعني بالضرورة قدرتها على استكمال مهامها، إذ إن عملها يبقى محكوما بسقفين زمنيين متلازمين؛ الأول يتمثل في الأجل القانوني المحدد في ستة أشهر كحد أقصى لإعداد التقرير النهائي، والثاني يرتبط بانتهاء الولاية التشريعية الحالية، لأن اللجنة لا يمكن أن تستمر بعد انتخاب مجلس جديد.
وأوضح أن اللجنة، في حال عدم تمكنها من إنهاء أشغالها وإيداع تقريرها النهائي قبل انتهاء الولاية البرلمانية، تعتبر منتهية بقوة القانون، وتسقط مشروعية استمرارها، باعتبارها لجنة مؤقتة ترتبط وجودا وعدما بالمجلس الذي أحدثها.
وأشار لزعر إلى أن لجان تقصي الحقائق تعد من أهم الآليات الرقابية التي منحها الدستور للبرلمان، وهدفها جمع المعطيات والمعلومات المتعلقة بوقائع محددة أو بكيفية تدبير المرافق والمؤسسات العمومية، قبل إعداد تقرير يتضمن خلاصاتها وتوصياتها.
وأضاف أن المشرع الدستوري منح حق المبادرة إلى تشكيل هذه اللجان لكل من مجلس النواب ومجلس المستشارين، كما يمكن للمؤسسة الملكية أن تدعو إلى إحداثها وفق الاختصاصات الدستورية، في حين استبعد الحكومة من هذه الصلاحية، لكون السلطة التنفيذية لا يمكن أن تمنح لنفسها آلية رقابية للتحقيق في أعمالها.
وأكد أن هذه اللجان تظل ذات طبيعة برلمانية خالصة، وتمثل إحدى أدوات الرقابة على العمل الحكومي، إذ تقوم بجمع المعلومات والاستماع إلى مختلف المتدخلين قبل إعداد تقريرها النهائي، الذي قد يشكل أساسا لإحالة الملف على القضاء إذا كشفت اللجنة عن اختلالات أو أفعال تستوجب المتابعة.
كما أوضح أن هذه اللجان ليست هيئات دائمة داخل البرلمان، وإنما تحدث لإنجاز مهمة محددة تنتهي بانتهاء الغرض الذي أحدثت من أجله، مضيفا أن الدستور يمنع أيضا إحداث لجنتين لتقصي الحقائق حول الموضوع نفسه في مجلسي البرلمان، إذ بمجرد مباشرة أحد المجلسين لهذه الآلية، يفقد المجلس الآخر حق تشكيل لجنة مماثلة حول الوقائع ذاتها.
واستعرض الباحث الدستوري حالات انتهاء عمل اللجنة، موضحا أن أولها فتح تحقيق قضائي في الوقائع نفسها، وهو ما يؤدي إلى وقف المسار البرلماني احتراما لاستقلال السلطة القضائية. أما الحالة الثانية فتتمثل في انتهاء اللجنة بمجرد إيداع تقريرها النهائي لدى مكتب المجلس، في حين تتمثل الحالة الثالثة في استنفاد الأجل القانوني المحدد في ستة أشهر دون إنهاء أشغالها، مع إمكانية تمديده في حالات استثنائية إذا كان هناك نزاع معروض على المحكمة الدستورية.
ويأتي هذا النقاش في وقت عبر فيه هشام المهاجري، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، عن رغبته في رئاسة لجنة تقصي الحقائق المرتقبة، مؤكدا أن الحزب اقترح اسمه لتولي هذه المهمة بعد التوافق على مبدأ تشكيل اللجنة، معتبرا أن الحديث عن مآلاتها سابق لأوانه ما دامت لا تزال في مرحلة التأسيس.
في المقابل، أعلن الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار رفضه الانخراط في المبادرة، معتبرا أن قرب انتهاء الولاية التشريعية يجعل من الصعب بلوغ أهداف اللجنة وإنجاز تقريرها داخل الآجال، فضلا عن أن الملف لا يندرج، بحسب الحزب، ضمن القضايا الاستثنائية التي تستوجب اللجوء إلى آلية تقصي الحقائق.
كما دافع الحزب عن موقفه بالاستناد إلى ميثاق الأغلبية، معتبرا أن الحفاظ على تماسك التحالف الحكومي أولى من الدخول في ما وصفه بـ”المكاسب السياسوية” المرتبطة بالسياق الانتخابي، مؤكدا في الوقت نفسه أنه سيواصل ممارسة أدواره الرقابية من خلال الآليات البرلمانية الأخرى.
من جهتها، تراهن المعارضة، وفي مقدمتها الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية ومجموعة العدالة والتنمية، على هذه اللجنة لكشف تفاصيل تدبير الدعم الحكومي المخصص لاستيراد وتربية المواشي، والوقوف على الجهات المستفيدة منه، في ظل استمرار الجدل الذي يرافق ارتفاع أسعار اللحوم، وذلك بعد فشل محاولة مماثلة السنة الماضية، حين تمكنت الأغلبية من إحباط مقترح تشكيل لجنة لتقصي الحقائق عبر الدفع نحو تشكيل مهمة استطلاعية بديلة.