بعد 19 عاماً.. زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية تعيد إلى الواجهة أزمة 2007
تعيد الزيارة المرتقبة للملك فيليبي السادس وعقيلته الملكة ليتيثيا إلى مدينتي سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر الجاري ملف الثغرين المحتلين إلى واجهة النقاش السياسي والدبلوماسي بين الرباط ومدريد، ليس فقط لأنها أول زيارة يقوم بها العاهل الإسباني إلى المدينتين منذ توليه العرش قبل 12 عاماً، وإنما لأنها تستحضر في الذاكرة المغربية واحدة من أكثر المحطات توتراً في العلاقة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.
وتعد هذه الزيارة الأولى من نوعها منذ ما يقارب عقدين، إذ تعود آخر زيارة ملكية إسبانية إلى سبتة ومليلية إلى نونبر 2007، حين قام الملك الإسباني السابق خوان كارلوس بزيارة سبتة ومليلية في خطوة اعتبرتها الرباط آنذاك استفزازاً لمشاعر المغاربة وتجاهلاً للموقف المغربي الثابت من المدينتين المحتلتين. وقد تحولت تلك الزيارة إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة، بعدما استدعت المملكة سفيرها لدى مدريد للتشاور، معبرة عن رفضها الرسمي لما وصفته بـ”الزيارة المؤسفة إلى المدينتين المغربيتين السليبتين”.
في 2007، كانت العلاقات بين الرباط ومدريد قد تحسنت كثيراً مقارنة بأزمة جزيرة ليلى سنة 2002، والتي كانت على وشك أن تتحول إلى مواجهة مسلحة بين الجارتين على ضفتي مضيق جبل طارق، لكن سبتة ومليلية ظلّتا نقطة الخلاف السيادي الأساسية. ففي مساء الأربعاء 31 أكتوبر 2007، أُعلن رسمياً أن الملك خوان كارلوس والملكة صوفيا سيزوران سبتة يوم 5 نونبر ومليلية يوم 6 نونبر، وكانت الزيارة قد أُعدّت في سرية تامة ولم يُعلن عنها إلا قبل خمسة أيام من بدئها.
لقد كانت أول زيارة لملك إسباني إلى المدينتين منذ عقود، بحيث أن آخر زيارة إلى سبتة كانت سنة 1927، أي أن خوان كارلوس كان سيقوم بزيارة ذات حمولة رمزية استثنائية، بررتها الحكومة الإسبانية باعتبارها ممارسة لـ”الطبيعية المؤسساتية واستجابة لرغبة سكان المدينتين”. لكن الرباط لم تنظر إليها كزيارة داخلية، بل كخطوة ملكية لتكريس الوجود والسيادة الإسبانيين على ثغرين يعتبرهما المغرب مدينتين مغربيتين محتلتين.
غضب في المغرب
يوم الخميس 1 نونبر 2007 جاء الرد المغربي سريعاً. فقد عقدت الحكومة اجتماعاً، أعقبه خروج الناطق الرسمي باسم الحكومة ووزير الاتصال آنذاك خالد الناصري بموقف واضح؛ مفاده أن الرباط ترفض الزيارة وتستنكرها، واعتبرتها زيارة إلى “مدينتين مغربيتين سليبتين”. وقال إن هناك “خطوطاً حمراء” مرتبطة بالوحدة الترابية للمغرب لا ينبغي تجاوزها، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن المغرب حريص على علاقاته مع إسبانيا ولا يريد أن تكون الزيارة سبباً في الإضرار بها.
وفي اليوم نفسه، أصدر رئيس الحكومة عباس الفاسي بياناً عبّر فيه عن “الأسف العميق والرفض” للزيارة، معتبراً أن سبتة ومليلية “جزء لا يتجزأ من تراب المملكة المغربية”، وأن “عودتهما إلى الوطن الأم ستتم عبر مفاوضات مباشرة مع إسبانيا”، على غرار ما جرى في ملفات طرفاية وسيدي إفني والصحراء. كما أعرب عن أمله في أن تتراجع مدريد عن الزيارة، محذراً من أنها قد تؤثر في العلاقات بين البلدين.
زفي اليوم التالي، الجمعة 2 نونبر 2007، انتقلت الرباط إلى خطوة دبلوماسية تصدعية. إذ قرر المغرب، بتعليمات من الملك محمد السادس، استدعاء سفيره في مدريد عمر عزيمان إلى الرباط للتشاور لفترة غير محددة.
وجاء القرار احتجاجاً على ما وصفته الرباط بـ”الزيارة المؤسفة للملك خوان كارلوس والملكة صوفيا إلى المدينتين المحتلتين. وفي المقابل، أجرى وزير الخارجية الإسباني ميغيل أنخيل موراتينوس اتصالاً بنظيره المغربي الطيب الفاسي الفهري، في محاولة لاحتواء التصعيد.
بعد استدعاء السفير، بدأت القضية تتحول، خلال اليومين التاليين، إلى قضية وطنية داخل المغرب، وليس مجرد خلاف بين حكومتي الرباط ومدريد. إذ قرر مجلس النواب تخصيص جلسة عامة يوم الإثنين 5 نونبر لمناقشة الزيارة الإسبانية. وكان مقرراً أن يتحدث عباس الفاسي، ثم رؤساء الكتل البرلمانية.
وفي هذه الأثناء، ظل الخطاب الرسمي المغربي يؤكد معادلة دقيقة: الرباط ترفض تكريس السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية، لكنها لا تريد انهيار العلاقات المغربية الإسبانية. وكان وزير الخارجية الطيب الفاسي الفهري قد أكد أن الزيارة تتعارض مع التطور الإيجابي الذي عرفته العلاقات الثنائية خلال السنوات السابقة، وأن معالجة الملفات العالقة يجب أن تقوم على الحوار والتعاون والشفافية، لا على خطوات أحادية الجانب.
زيارة سبتة واحتجاج مغربي
في الإثنين 5 نونبر 2007 وصل الملك خوان كارلوس والملكة صوفيا إلى سبتة المحتلة، في أول زيارة ملكية إسبانية إليها منذ عقود.
وفي اليوم نفسه، عقد البرلمان المغربي جلسة استثنائية خصصت بالكامل تقريباً لمناقشة الزيارة. وكان خطاب رئيس الحكومة عباس الفاسي أحد أبرز محطات الأزمة.
وصف الفاسي الزيارة بأنها “غير مقبولة وغير مناسبة واستفزاز”، وقال إن إسبانيا ينبغي أن “تفهم أن عهد الاستعمار قد انتهى”. وأكد أمام البرلمان أن سبتة ومليلية “جزء لا يتجزأ من التراب المغربي”، وأن للمغرب “حقاً غير قابل للتصرف ومشروعاً ولا جدال فيه في استرجاع أراضيه”.
وأشار إلى أن استرجاع المدينتين سيتم عبر المفاوضات المباشرة مع إسبانيا. وقال كذلك إن المغرب سلك دائماً طريقاً سلمياً لاسترجاع الأراضي التي يعتبرها محتلة، محذراً في الوقت نفسه من أن الزيارة يمكن أن تؤثر في العلاقات المغربية الإسبانية وفي الأمن والاستقرار في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
وفي اليوم نفسه، تحرك أعضاء لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية بمجلس النواب للاحتجاج لدى السفارة الإسبانية في الرباط.؛ حيث سلّم عدد من النواب المغاربة رسالة احتجاج موجهة إلى رئيس الحكومة الإسبانية خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو، تضمنت رفض الزيارة والتلويح بإمكان مراجعة بعض جوانب العلاقات المغربية الإسبانية.
ولم يقتصر الأمر على القنوات الدبلوماسية والمؤسسة التشريعية، بل امتد إلى الشارع المغربي الذي شهد احتجاجات ومسيرات قرب المعابر الحدودية وفي عدد من المدن المغربية، بالتزامن مع وجود العاهل الإسباني في المدينتين، بما فيها وقفة عند باب مليلية شارك فيها برلمانيون وممثلو أحزاب وهيئات مدنية وحقوقية.
زيارة مليلية وموقف الملك
في الثلاثاء 6 نونبر انتقل الملك خوان كارلوس والملكة صوفيا إلى مليلية، ليكتمل بذلك برنامج الزيارة رغم الاعتراض المغربي، وفي اليوم نفسه، جاء الرد من أعلى مستوى في المملكة المغربية.
ففي بداية اجتماع مجلس الوزراء المنعقد في القصر الملكي بالدار البيضاء يوم الثلاثاء، أمر الملك محمد السادس بتلاوة بيان شديد اللهجة، عبّر فيه عن إدانته الشديدة للزيارة، ووصفها بأنها زيارة غير منتجة ومرتبطة بـ”حنين إلى عهد مظلم ولى”.
واعتبر أن الزيارة “تسيء للمشاعر الوطنية المتجذرة والراسخة لدى جميع مكونات الشعب المغربي”، مؤكداً أن الخطوة الإسبانية “لا يمكن أن تغير من الطبيعة القانونية والسياسية للنزاع حول الثغرين المحتلين”.
وقالت الرسالة الملكية إنه لا يوجد شيء “يمكن أن يغير أو يمس بالوضع القانوني للمدينتين السليبتين والجزر التابعة لهما، الذي يعكس حقائق التاريخ، وبديهيات الانتماء الجغرافي، وعدالة مطالبتنا المستمرة باسترجاعها إلى الوطن الأم”.
وجاءت الرسالة بعدما اقتحم، في اليوم نفسه، مئات المغاربة بوابة الحدود الأولى نحو مدينة مليلية المحتلة متجهين نحو البوابة الثانية التي طوقتها قوات الحرس المدني الإسباني. وخلال المظاهرة اعتقلت قوات الحرس المدني الإسباني البرلماني المغربي يحيى يحيى قبل أن تطلق سراحه لاحقاً.
ما بعد الزيارة
لم تنته الأزمة يوم 6 نونبر بمغادرة الملك الإسباني. بل دخلت العلاقات المغربية الإسبانية في مرحلة من التوتر الدبلوماسي المحسوب. بقي السفير عزيمان في الرباط، وواصلت الحكومة المغربية التعبير عن رفضها للزيارة، بينما حاولت مدريد احتواء الموقف والتقليل من تداعيات الزيارة والتأكيد على أهمية العلاقات مع المغرب.
وتحدث عباس الفاسي إلى صحيفة Aujourd’hui le Maroc، ورفع لهجته أكثر، إذ شبه وضع سبتة ومليلية بقضية الاحتلال في الشرق الأوسط، وقال إن إسبانيا، إلى جانب إسرائيل، “ما زالت مترددة في طي صفحة الاحتلال”. لكنه في الوقت نفسه أكد أن حل النزاع الترابي ينبغي “أن يكون من خلال حوار مسؤول وصريح ومفتوح يأخذ المصالح الإسبانية في الاعتبار ويحفظ الحقوق السيادية المغربية”.
كما قامت الرباط، في منتصف نونبر، بتجميد زيارة مسؤولين إسبان رفيعي المستوى، ومن أبرز الأمثلة على ذلك إلغاء زيارة وزيرة التجهيز الإسبانية ماغدالينا ألفاريز، في خظوة اعتبرت رسالة استياء من إصرار مدريد على موقفها.
وفي المقابل، بدأت الاتصالات الدبلوماسية تبحث عن مخرج يحفظ ماء وجه الطرفين.
بداية احتواء الأزمة
استمرت الأزمة خلال نونبر ودجنبر، ومع نهاية 2007 بدا أن السفير المغربي لا يزال في الرباط، فيما لم تترجاع إسبانيا عن موقفها من السيادة على سبتة ومليلية، كما أن المغرب لم يتراجع عن مطالبته بهما، ومع ذلك لم تنقطع العلاقات الدبلوماسية رسمياً. إلى أن جاءت لحظة الانفراج بتاريخ 3 يناير 2008.
توجه وزير الخارجية الإسباني ميغيل أنخيل موراتينوس إلى الرباط والتقى نظيره المغربي الطيب الفاسي الفهري، حاملاً معه رسالة شخصية من رئيس الحكومة الإسبانية خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو إلى الملك محمد السادس.
وبعد ذلك، في 7 يناير 2008، أعلنت الرباط عودة السفير عمر عزيمان إلى مدريد، لتنتهي عملياً أزمة استدعاء السفير التي بدأت في 2 نونبر 2007 واستمرت قرابة 65 يوماً.
ومنذ أزمة نونبر 2007، لم تتكرر زيارة ملكية إسبانية إلى سبتة ومليلية. فمع استمرار العلاقات السياسية الوثيقة بين الرباط ومدريد، تجنب خوان كارلوس خلال ما تبقى من عهده القيام بزيارة ثانية، كما لم يقم خلفه فيليبي السادس بأي زيارة إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش في يونيو 2014.
وظل الملف حاضراً في النقاش الإسباني من حين إلى آخر، من دون أن يتحول إلى زيارة ملكية معلنة. ولم يبدأ الانتقال من التكهن إلى الإعداد الفعلي إلا في 2026، حين أعلنت الحكومة الإسبانية أن فيليبي السادس سيزور المدينتين، قبل أن تحدد دار الملك يومي 13 و14 أكتوبر موعداً للزيارة.
اليوم، وبعد نحو تسعة عشر عاماً على تلك الأزمة، تعود المؤسسة الملكية الإسبانية إلى سبتة ومليلية في سياق مختلف تماماً. فالعلاقات المغربية الإسبانية شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، تُوج بمرحلة من التقارب السياسي والأمني والاقتصادي، خاصة بعد تجاوز أزمة 2021 وعودة التنسيق الثنائي في ملفات الهجرة والأمن والتعاون الاقتصادي.
وتكتسب الزيارة بعداً خاصاً لأنها تأتي بعد أشهر من أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة، وفي وقت تتزايد فيه النقاشات داخل إسبانيا حول أمن الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي. لذلك يرى ملاحظون أن الزيارة تحمل، إلى جانب طابعها البروتوكولي، رسالة رمزية “تشدد على الحضور السيادي الإسباني في المدينتين”.
زيارة جديدة مقابل صمت مغربي
إذا كانت زيارة خوان كارلوس إلى سبتة ومليلية في نونبر 2007 قد فجرت رداً مغربياً سريعاً في حينه، فإن المشهد في أكتوبر 2026 يبدو مختلفاً حتى الآن.
ففي 31 أكتوبر 2007، لم تمض سوى ساعات على الإعلان عن الزيارة حتى سارعت الحكومة المغربية إلى إصدار موقف رافض، قبل أن تتصاعد الإجراءات إلى استدعاء السفير ثم تحرك البرلمان، وصولاً إلى تدخل الملك محمد السادس. أما في 2026، فلم يصدر، منذ الإعلان قبل أيام عن زيارة فيليبي السادس في الأول من أكتوبر، أي رد رسمي مغربي مباشر على الزيارة نفسها، رغم أن موقف الرباط المبدئي من وضع سبتة ومليلية لم يتغير.
وتأتي هذه الزيارة ي أعقاب واحدة من أكبر أزمات الهجرة التي شهدتها سبتة خلال السنوات الأخيرة. ففي 30 و31 الماضي 2026، عاشت المدينة تدفقاً جماعياً غير مسبوق للمهاجرين، إذ تمكن أكثر من 70 ألف شخص العبور من المغرب إلى سبتة؟ وسُجلت وفيات خلال محاولات العبور، خصوصاً بين أشخاص حاولوا الوصول إلى المدينة سباحة، بينما تمكنت السلطات الإسبانية خلال الأيام التالية من إعادة معظم الوافدين إلى المغرب. ووصف البرلمان الأوروبي الحادث بأنه أزمة غير مسبوقة كشفت هشاشة أحد الحدود البرية الخارجية للاتحاد الأوروبي مع إفريقيا.
ولم تكن الأزمة مجرد حادث هجرة عابر؛ فقد تحولت سريعاً إلى أزمة سياسية وأمنية داخل إسبانيا. وواجه رئيس الحكومة بيدرو سانشيز انتقادات من المعارضة بشأن طريقة تعامل حكومته مع التدفق الكبير، فيما تصاعد النقاش حول استعداد أجهزة الدولة لحماية الحدود، وحول مسؤولية المغرب في منع عمليات العبور. وفي المقابل، نفت الرباط أي تواطؤ أو تقصير متعمد، وأرجعت وزارة الداخلية المغربية ما حدث إلى تداخل عوامل عدة، من بينها انتشار معلومات مضللة عبر الفضاء الرقمي، ودور شبكات الاتجار بالبشر، وسوء فهم معطيات قانونية وإدارية.
وفي خضم الأزمة، أعلن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز في 9 شتنبر أن الملك فيليبي السادس سيزور سبتة ومليلية في تواريخ قريبة، معتبراً أن حضور الملك في المدينتين “أصبح أكثر ضرورة من أي وقت مضى”. وفي اليوم نفسه، استقبل فيليبي السادس في القصر الملكي وزيرة الدفاع ورئيس الأركان وعدداً من كبار المسؤولين العسكريين، في اجتماع خُصص لبحث الوضع في سبتة، في مؤشر على أن الملف أصبح يُنظر إليه من زاوية الأمن والدفاع وحماية الحدود.
غير أن المعطيات الإسبانية تؤكد في الوقت نفسه أن الزيارة الملكية لم تكن وليدة أزمة يوليوز. إذ كان التحضير لها قائماً قبل أحداث 30 و31 يوليوز، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الإسبانية “إفي” عن مصادر القصر.
وكان سانشيز فقد قال في وقت سابق إن وجود الملك في سبتة ومليلية بات أكثر أهمية في أعقاب الأزمة، فيما رحبت السلطات المحلية في سبتة بالزيارة باعتبارها إشارة إلى دعم مؤسسات الدولة للمدينة. وعندما أعلنت دار الملك رسمياً في 1 أكتوبر أن فيليبي السادس وليتيثيا سيزوران سبتة في 13 أكتوبر ومليلية في 14 أكتوبر، أكدت أن الزيارة تم الاتفاق عليها بين الحكومة الإسبانية والبيت الملكي.