“فكوا عزلتنا”.. مسيرة حاشدة تهز إقليم ميدلت والسلطات تتعهد بالاستجابة للمطالب
صعّدت ساكنة عدد من دواوير جماعتي أنمزي وأكديم بإقليم ميدلت، خلال اليومين الماضيين، من احتجاجاتها عبر مسيرة حاشدة انطلقت صباح الخميس 25 يونو 2026 في اتجاه مركز تونفيت، للمطالبة بفك العزلة وتحسين الخدمات الأساسية، قبل أن تتوقف عند مدخل البلدة بعد فتح حوار مع ممثلين عن المحتجين.
وشارك في المسيرة سكان دواوير أغدو، تغدوين، أنفكو وتيرغيست، حيث قضى المشاركون ليلة في الطريق، قبل استئناف السير صباح، الجمعة 26 يونيو 2026 نحو تونفيت، في واحدة من أكبر التحركات الاحتجاجية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة.
وعند مدخل تونفيت، طوقت عناصر الدرك الملكي والقوات المساعدة المسيرة، قبل أن تفتح السلطات المحلية حوارا مع لجنة تمثل المحتجين، انتهى بتعهدات بالاستجابة لعدد من المطالب التي وصفتها بـ”المشروعة”.
وتتمثل أبرز المطالب في تأهيل الطريق الرابطة بين أملشيل وتونفيت عبر أكديم وأنفكو، وتحسين خدمات الاتصالات والإنترنت، إضافة إلى تبسيط مساطر البناء والسماح باستعمال المواد المحلية في تشييد وإصلاح المساكن، بالنظر إلى طبيعة المنطقة وظروفها الاجتماعية.
وفي هذا السياق، قال الفاعل الحقوقي، الكبير قاشا، إن هذه المطالب “ليست جديدة”، مبرزا أن الطريق الرابطة بين أملشيل وتونفيت كانت موضوع احتجاجات سابقة ووعود رسمية تعود إلى نحو عشر سنوات دون أن ترى طريقها إلى التنفيذ.
وأضاف قاشا، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن السلطات المحلية “أخرت فتح الحوار مع المحتجين، في محاولة لإنهاكهم والرهان على تراجع التعبئة”، معتبرا أن هذا الأسلوب يعكس “طريقة متجاوزة في التعامل مع الحق في التنظيم والاحتجاج السلمي”.
واعتبر المتحدث أن ما شهدته تونفيت “يكشف حجم التدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه مناطق واسعة من الأطلس”، مشيرا إلى أن العزلة والهشاشة وضعف الخدمات الأساسية أصبحت تدفع عددا متزايدا من السكان إلى الهجرة.
وسجل أن استمرار غياب البنيات التحتية الأساسية، وعلى رأسها الطرق وشبكات الاتصال، يعمق معاناة سكان الجبال ويزيد من حدة الأزمات الاجتماعية التي تعيشها المنطقة.
ورأى أن المطالب التي رفعتها الساكنة “لا تتجاوز الحد الأدنى من شروط العيش الكريم”، مشيرا إلى أنها تتركز حول الربط بالشبكة الطرقية، وتحسين التغطية الهاتفية، وتسهيل بناء وإصلاح المساكن باستعمال المواد المحلية.
وفي قراءته لدلالات هذه الاحتجاجات، قال قاشا إنها تعكس، بحسب تعبيره، “إفلاس الرهان على الانتصارات الرياضية لصرف اهتمام المواطنين عن قضاياهم الاجتماعية”، معتبرا أن الواقع الميداني يكشف استمرار الفقر والتفاوتات المجالية.
وأضاف أن استمرار إطلاق الوعود دون تنفيذها “يزيد من منسوب الاحتقان”، محذرا من أن تراكم الإحباط داخل المناطق المهمشة قد يفاقم منسوب التوتر الاجتماعي.
وحمل عضو فرع خنيفرة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، الدولة مسؤولية معالجة هذه الأوضاع، داعيا إلى الاستجابة الفعلية للمطالب بدل الاكتفاء بالتعهدات التي تتكرر منذ سنوات.
وتأتي هذه الاحتجاجات في سياق تزايد الأصوات المطالبة بفك العزلة عن عدد من المناطق الجبلية بإقليم ميدلت، في ظل استمرار مطالب السكان بتحسين البنيات التحتية والخدمات الأساسية، وعلى رأسها الطرق والاتصالات والسكن.
وعادة ما يرفع المحتجون، خلال هذه المسيرات، شعارات لا تتجاوز المطالبة ببعض الحقوق الأساسية من قبيل فتح مدرسة جماعاتية أو تعبيد طريق أو توفير طبيب دائم بالمستوصف المحلي، إذ يؤكدون أن “حرمان منطقتهم من الإدماج في المجال الحضري ساهم في تعميق معاناتهم وجعل هذه المطالب على رأس أولوياتهم”.
ورغم اختلاف المسارات وتنوع المطالب، يلتقي المحتجون عند قاسم مشترك يتمثل في إصرار الساكنة على تحسين أوضاعها وضمان حقها في التعليم والصحة والبنيات التحتية الأساسية.
ورغم الوعود التي تقدمها السلطات المحلية بالمنطقة، لاتزال ساكنة اللإقليم تشتكي “تجاهل” مطالبها الأساسية، مؤكدة أن “الوعود لم تتجاوز حدود التصريحات، دون أي تنفيذ فعلي على أرض الواقع”.
وعرفت العديد من أقاليم المملكة في الشهور الأخيرة مسيرات احتجاجية مماثلة، من قبيل قبيلة آيت بوكماز، وقبيلة آيت عباس بأزيلال، وعدد من الدواوير بإقليم تاونات، وأوطاط الحاج بميسور، وإبغلان بخنيفرة، وغيرها، وكلها خرجت تحتج من أجل مطالب بسيطة لا تتجاوز المطالبة ببعض الحقوق الأساسية الضرورية، إلا أنها في الأغلب يتم التجاوب معها بالتسويف وتقديم الوعود، دون أن يلبي ذلك ساكنة ههذ المناطق النائية
ومن جهته، كان رئيس الحكومة عزيز أخنوش قد أكد، خلال حضورة بمجلس المستشارين شهر يوليوز 2025، أن مطالب ساكنة منطقة “آيت بوكماز” التي أطلقت شرارة المسيرات الاحتجاجية بنفس الإقليم، ليست صعبة على الدولة، لتنفيذها، مشيرا إلى أن “التنمية تأتي تدريجيا وفق الأولويات والإمكانيات”.
وقال حينها رئيس الحكومة إن المسؤولين الذين يقومون بدور الوساطة السياسية “يجب أن يلعبوا دورهم، لا أن يؤججوا الناس فقط لأجل تسجيل نقاط سياسية ضد خصومهم”، في انتقاد واضح لرئيس جماعة “تبانت” عن حزب العدالة والتنمية، خالد تيكوكين، الذي دعم هذه الاحتجاجات.
وأضاف أنه على رئيس الجماعة تحمل مسؤوليته في مثل هذه السلوكات التي شهدتها مسيرة آيت بوكماز، مشيراً إلى أنه من يريد أن يكون رئيس جماعة أو جهة، “يجب أن يدافع عن المواطنين”.
وخلص إلى أن “من يريد ممارسة أدوار أخرى، فليغادر موقعه حتى يتضح موضعه”، معتبراً أن الدولة تُدرك ما عليها فعله “وسيحين وقت التعامل معه، لكن الأهم هو الطريقة. وما حدث كان استغلالاً سياسياً واضحاً”.