story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

فرنسا كما كانت

ص ص

يصعب الحديث عن العلاقة بين المغرب وفرنسا دون الوقوع في فخّ التبسيط، والأصعب من ذلك، هو أن نتجاهل ما تقوله الأعمال التي تعيد إنتاج نفس الرؤية القديمة.

فالوثائقي الذي بثته قناة “فرانس5” مساء الأحد الماضي، بعنوان “France–Maroc: Je t’aime moi non plus” لا يقدّم قراءة لعلاقة معقدة فقط، بل يكشف، في عمقه، أن هذه العلاقة ما تزال تقرأ بعين استعمارية لم تغادر موقعها هذا حتى وهي تدّعي أنها تفعل.

قرأت، كما كثيرين، موجة تعليقات غاضبة التي رافقت بث هذا الوثائقي، صادرة عن أصوات ومنابر يمكن القول إنها تعبّر، بدرجات مختلفة، عن “الدولة” هنا في المغرب. لكن ليس كل ما يغضب “الدولة العميقة” مطيّة للاحتفاء. لأن هذا العمل، بعد مشاهدته كاملا، لا يكتفي بإثارة الغضب، بل يبعث على القلق، ليس لما يقوله الوثائقي صراحة، بل ما يكشفه ضمنا.

لم تكن النبرة الاستعمارية في الوثائقي إيحاء خفيفا يمكن “بلعه”، بل كان أمرا بنيويا. المغرب لم يقدَّم كدولة تسعى إلى فرض معاملة ندية، بل كمجال حيوي تابع، يدور في فلك فرنسا، ويفترض فيه أن يظل كذلك. وكل محاولة للانعتاق تقرأ كتمرّد.

يبلغ هذا المنطق ذروته في الطريقة التي تم بها التعامل مع قرار الرئيس ماكرون الاعتراف بمغربية الصحراء. ليس فقط عبر النقاش، بل عبر الصورة نفسها. لقطات أعدّت بعناية لتفصل الصحراء عن المغرب، وخرائط استدعيت من زمن ما قبل معاهدة الحماية 1912، تظهر المغرب كفضاء قسّم بين فرنسا وإسبانيا، حيث احتلت فرنسا الجزء الأكبر، بينما سيطرت إسبانيا على الشمال والجنوب، مع الإيحاء بأن هذا التقسيم كان يهم النصف الشمالي من البلاد، في حين تظهر الصحراء في لقطات أخرى كمجال منفصل.

أما حين يصل الوثائقي إلى تفسير قرار ماكرون، فإنه ينزلق، على لسان الطاهر بنجلون، إلى مستوى أقرب إلى حكايات الجدّات منه إلى التحليل. قرار سيادي معقد اشتغلت عليه الدولة المغربية في مستويات متعددة، يتحول على لسان هذا المغربي-الفرنسي، إلى قصة تختزل في تدخل شخصي قام به الرجل، الذي يشكو بدوره عجزا واضحا في المصداقية، لدى زوجة الرئيس الفرنسي. وهنا لم يتم فقط تبخيس القرار، بل جرى نزع طابعه المؤسساتي بالكامل، وكأن العلاقات الدولية تدار في الصالونات، لا في مراكز القرار.

في مقابل هذا التبخيس، يتم اللجوء إلى سردية موازية تقوم على “شيطنة” المغرب. ينطلق الوثائقي وينتهي بموضوع برمجية “بيغاسوس”، ويعيد تدوير اتهامات لم تثبت، رغم أن تحقيقات أوروبية مطولة لم تقدّم حتى الآن دليلا قاطعا على تورط المغرب.

في منطق السرد الذي اعتمده الفيلم، لا يهم غياب الدليل بقدر ما يهم تثبيت الشبهة. فيما تم إدراج هذه القضية داخل بناء أوسع، يربطها باختطاف المهدي بنبركة، كما لو أن التاريخ لم يتحرك منذ ذلك الحين، وكأن المغرب يظل فاعلا أمنيا خبيثا يعمل خارج القواعد. وهذه ليست قراءة للوقائع، بل تركيب سردي ينتج الانطباع المطلوب ترسيخه لدى المتلقي.

في قلب هذا البناء، توزّع الأدوار بعناية. نيكولا ساركوزي يقدَّم كمدافع عن المغرب، لكنه مدافع “مشبوه” ومثقل بإدانته القضائية، ما يجعل شهادته تضعف صورة المملكة بدل أن تعززها. الرجل يصف المغرب بالبلد الحر والديمقراطي، وهو ما لا يجرؤ على القول به حتى بعض الذين نذروا أنفسهم ل”التطبيل” وترديد “العام زين”.

حتى عندما سئل عن قضية “بيغاسوس”، قام ساركوزي بتشبيه غريب، حيث قال إن تاريخ العلاقات وما راكمته يمنع مقاربتها بهذه القضية وحدها، مشّبها إياها بالخصومة التي يمكن أن تحدث بين زوجين، دون أن تكون سببا مقنعا للطلاق.

وكما تفترض التقاليد المرعية، لم يفوّت الوثائقي استدعاء الورقة الأكثر فعالية: خروقات حقوق الإنسان. البناء المعتمد في الوثائقي يربط بين سنوات الرصاص وما بعدها، دون أي تفكيك للسياقات أو الإشارة إلى آليات الإنصاف والمصالحة التي أطلقت منذ بداية الألفية. لا ذكر لهيئة الإنصاف والمصالحة، ولا لمسار التعويضات، ولا للإصلاحات المؤسساتية. فقط سردية واحدة: لا شيء تغيّر. وهي سردية لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن تثبيت صورة سلبية بغرض توظيفها.

وفي الخلفية، تطرح مسألة اللغة باعتبارها أحد مفاتيح النفوذ. الفرنسية لا تعرض كلغة تواصل فقط، بل كأداة تأثير ونفوذ، يعاد إنتاجها عبر الطلبة الذين يتوجهون إلى المدارس والجامعات الفرنسية، ليعودوا حاملين، بشكل أو بآخر، جزءا من هذا الامتداد الثقافي. بل إن الوثائقي لا يتردد في وصفهم بسفراء فرنسا، في تبجّح مستفز بهيمنة ناعمة تزرع عبر المسارات التعليمية.

ما يجعل هذا الوثائقي أكثر إثارة للتساؤل، هو توقيته. فهو يأتي في لحظة يفترض أنها لحظة إعادة بناء الثقة بين المغرب وفرنسا، بعد تحول مهم في الموقف الفرنسي من قضية الصحراء، وبعد دينامية جديدة في العلاقات الثنائية. ومع ذلك، يتم إحياء ملفات قديمة، وإعادة تدوير اتهامات، وتقديم قراءة تضعف هذا التقارب بدل أن تفسّره.

لا يقدّم الشريط الوثائقي “صورة” عن المغرب بقدر ما يكشف عن توتر داخل فرنسا، وتردد تجاه المغرب، بين خطاب رسمي يتجه نحو الاعتراف والتحالف، وخطاب إعلامي يعيد إنتاج الشكوك القديمة. وبين الاثنين، تتحرك العلاقة في منطقة رمادية، حيث لا يكفي إعلان النوايا لتثبيت التحول.

الخلاصة أن كل ما أعلن في الشهور الأخيرة من تحسّن في العلاقات بين الرباط وباريس، قد يكون هشا، وقابلا للانتكاس في أية لحظة، بمجرد تغيّر السياق أو تبدّل المصالح. فالعلاقات الدولية، في النهاية، لا تبنى على العواطف، مهما جرى تغليفها بلغة التاريخ المشترك أو العلاقة الخاصة والاستثنائية…

فرنسا ما زالت كما كانت!