story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

“غُرباء في مكاتبهم”.. تشريح لأزمة موظفي الخزينة في نزاع “المالية” و”الداخلية”

ص ص

يذهب موظف الخزينة العامة إلى مقر عمله في وقت يفترض أن يكون يوم عمل عادي، لكنه لا يجد الترحيب المعتاد من زملائه، بل يكتشف أن أقفال مكتبه قد كُسرت، ولوحة “وزارة المالية” قد أُزيلت لتحل مكانها يافطة “وزارة الداخلية”.

لم يكن هذا المشهد مجرد انتقال إداري، بل كان بداية عنيفة لتنزيل القانون رقم 14.25، الذي تحول من نص لإصلاح الجبايات إلى ما وصفه مراقبون بـ”زلزال إداري” يهدد كرامة الموظف المالي.

الموظفون لم يكونوا يعلمون أن ذلك اليوم سيحوّلهم فجأة من موظفين عموميين يمارسون مهامهم القانونية إلى أشخاص يُطلب منهم مغادرة مكاتبهم في دقائق معدودة، وتُزال يافطات إدارتهم، وكأنهم غرباء عن المكان، أو، الأسوأ، “محتلون” كما يصفون حالهم.

لم يكن الأمر إشعارًا إداريًا، ولا محضر تسليم مهام، ولا انتقالًا وفق قواعد الوظيفة العمومية. في بعض المدن حضرت السلطة المحلية، وُقطعت الكهرباء، ووجد محاسبون عموميون -يتحملون مسؤولية شخصية وقانونية عن أموال ووثائق الدولة- أنفسهم أمام وضع غير مسبوق في تاريخ الإدارة المالية.

بهذه الطريقة، خرج النزاع بين وزارتين -المالية والداخلية- إلى العلن، ولم يكن تقنيًا فقط، بل اجتماعيًا ومؤسساتيًا، ودفع الموظفين إلى دفع ثمن “إصلاحات يساء تنزيلها”.

القصة تبدأ رسميًا في 12 يونيو 2025، مع نشر القانون رقم 14.25 الذي عدّل القانون 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية. بموجب هذا القانون، نُقلت اختصاصات فرض وتحصيل رسوم محورية من بينها رسم السكن ورسم الخدمات الجماعية، التي كانت الخزينة العامة تضطلع بها، خصوصًا منذ قانون 07.20 الذي منحها سلطة الفرض وليس التحصيل فقط.

كما أوجد القانون بنية جديدة أُطلق عليها اسم “القباضات الجماعية”، وعددها 92 قباضة، يُعيَّن قباضها بقرار مشترك بين وزارتي الداخلية والاقتصاد والمالية.

على الورق يبدو الإصلاح مجرد خطوة تقنية، لكن ما لم يُحسب بدقة هو المرحلة الانتقالية، من سيتكلف بماذا، وأين سيعمل الموظفون، ومن يتحمل المسؤولية القانونية عن الأموال والوثائق، ومتى يتم تسليم المهام رسميًا.

وبحسب مصدر من داخل وزارة المالية، فإن القانون صدر بشكل مفاجئ، وسحب اختصاصات التحصيل من الخزينة العامة بشكل كامل، مما خلق ارتباكًا تقنيًا لم يُمهد له بالشكل الكافي.

وصدر القانون في يونيو 2025، لكن تعيين القباض الجماعيين تأخر إلى دجنبر، وخلال هذه الفترة لم تُسلم المهام رسميًا، ولم تُنقل الملفات وفق مساطر محاسبية واضحة، ولم تُوفّر مقرات بديلة لمصالح الخزينة التي ما زالت قائمة قانونيًا وتؤدي مهامًا أخرى مثل النفقات والمحاسبة العمومية ورسوم أملاك الدولة ومخالفات السير.

وأضاف المصدر أن وزارة الداخلية تولّت تعيين 92 قابضًا جماعيًا وتوفير مقرات لهم، لكن ذلك صادف مصاعب بسبب استمرار الخزينة في أداء مهامها الحيوية. ونتيجة لذلك بدأت بعض السلطات المحلية تتصرف بمنطق القوة في عدة مناطق، خاصة في قباضات “مابيلا” بالرباط وأصيلة، حيث “تم دخول القبضات ومنح الموظفين مهلة 15 دقيقة فقط للمغادرة، وكأنهم محتلون”، بل وصل الأمر إلى قطع التيار الكهربائي، مما أدى إلى “توقف المحاسبة العمومية تمامًا، وحتى إلى انقطاع الكهرباء عن منازل الموظفين الوظيفية”.

وأوضح المصدر أن تنفيذ التعليمات اختلف من ولاية إلى أخرى، “إذ نفذ الولاة التعليمات كل حسب فهمه للتدبير المالي والمحاسبي”. وفي أصيلة حاول الموظفون “توثيق مسؤولية السلطة المحلية عن أجور موظفي الجماعات، وعند قراءة المحضر من قبل الباشا فهمت الوضع وتراجعت عن التنفيذ القسري”.

وبحسب مصطفى تهادي، عضو النقابة الوطنية للمالية التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، تكمن المشكلة في تفاوت عقليات مسؤولي السلطة المحلية، “فهناك من يفهم الإدارة وهناك من ينفذ التعليمات بطريقة سلطوية”، مما جعل الموظفين يشعرون بعدم اليقين والاضطراب.

وحذر تهادي من التبعات القانونية لهذا الارتجال، مؤكّدًا أن هؤلاء الموظفين محاسبون عموميون يتحملون مسؤولية شخصية وجنائية عن الأموال والمستندات أمام المجلس الأعلى للحسابات، ولا يمكن تجاوز هذه المسؤولية عبر تسليم مهام غير قانوني.

الموظفون يؤكدون أنهم لم يرفضوا الإصلاح ولا يعارضون القانون في جوهره، لكنهم رفضوا فرض الأمر الواقع، والعمل تحت وصاية السلطة الترابية بدل منطق الإدارة المالية، والمساس بانتمائهم المهني لوزارة الاقتصاد والمالية، وغياب أي تواصل يطمئنهم على مستقبلهم.

وشدد المتحدث ذاته على ضرورة احترام إرادة الموظف في أي انتقال أو إدماج، ومراعاة الوضع الإنساني والاجتماعي للموظفين، مع ضمان حقوقهم ومكتسباتهم وحماية كرامتهم وانتمائهم المهني.

كانت تراهن وزارة الداخلية، بحسب مراقبين، على اشتغال موظفي الخزينة تحت يافطتها مع الحفاظ على امتيازاتهم، لكن طريقة “الإفراغ بالقوة” كسرت ثقة الموظفين ودفعت الكثير منهم للرفض. في المقابل، وجدت وزارة الاقتصاد والمالية نفسها متهمة بالتخلي عن موظفيها وعدم حمايتهم، لتتحول الأزمة إلى صراع صامت بين مؤسستين حكوميتين.

مع تتابع الوقائع، خرج الموظفون عن صمتهم بإصدار بيانات استنكارية، ووقفات احتجاجية وطنية، ورفع شارات حمراء، وتهديد بالإضرابات، ومطالب صريحة بتدخل رئيس الحكومة.

لم تعد النقاشات تقنية فقط، بل امتدت لتشمل الكرامة، والاستقرار الاجتماعي، والأمن القانوني، واستمرارية المرفق العمومي. اعتبرت النقابة الوطنية للمالية ما وقع “ممارسات سلطوية عفا عنها الزمن”، مشددة على أن “كرامة الموظف ليست تفصيلًا تقنيًا”.

عند تفكيك الأزمة، يظهر أن المشكلة الأساسية في غموض تنزيل القانون وتأخر التعيينات، وغياب التنسيق بين الوزارتين. ما وقع لم يكن حتميًا، إذ القانون لا يفرض الاقتحام أو تغيير الأقفال أو الإفراغ القسري.

هذا الوضع أدى إلى صدور “بيان استنكاري” حاد في 26 دجنبر 2025، استنكر فيه الموظفون “عمليات الاقتحام والممارسات السلطوية التي عفا عنها الزمن”. وتصاعدت نبرة الغضب في “البيان رقم 2” الصادر في 31 دجنبر، حيث طالب الموظفون صراحة بـ “اعتذار رسمي تقدمه الوزيرة أمام البرلمان” محملين إياها المسؤولية التاريخية عن “التفريط في اختصاصات أصيلة للخزينة العامة”.

كما دخلت النقابة الوطنية للمالية (CDT) على الخط، معتبرة كرامة الموظف “خطاً أحمر”، ورفضت في بلاغها “فرض الأمر الواقع الذي جعل الموظفين غرباء في مقرات عمل مشتركة”. وأعلنت النقابة عن برنامج احتجاجي وطني يتوج بوقفة مركزية أمام مقر وزارة المالية بالرباط يوم 15 يناير 2026.

في 12 يونيو 2025، صدر القانون رقم 14.25، الذي عدّل القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، ونُشر بالجريدة الرسمية عدد 7412. ويهدف القانون إلى تحسين فعالية تحصيل الرسوم المحلية وتعزيز الموارد الذاتية للجماعات الترابية، وتحقيق العدالة الجبائية بين الملزمين. وينص القانون على نقل مهمة إصدار وتحصيل بعض الرسوم المهمة، مثل رسم السكن، ورسوم الخدمات الجماعية، وبعض الرسوم المهنية، لتصبح من اختصاص المديرية العامة للضرائب بدلاً من بعض المصالح المحلية.

كما أنشأ القانون 92 قباضة جماعية لتنفيذ المهام الجديدة، مع تدريب الموظفين المعنيين، وحدد مهلة انتقالية لنقل ملفات التحصيل من الخزينة العامة إلى المديرية العامة للضرائب، مع توجيهات للسلطات المحلية لتفعيل النص على مستوى الولايات والجماعات الترابية.

ويركز القانون أيضًا على ترشيد وعاء الرسوم المحلية واعتماد معايير جديدة لحساب بعض الرسوم، مثل تحديد أسعار الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية حسب درجة التهيئة، إضافة إلى تعزيز التوجه الرقمي من خلال إطلاق منصة إلكترونية مخصصة للتصريح الجبائي والأداء وطلب الشهادات.

ورغم ذلك، يثير القانون تساؤلات حول تحديد المسؤوليات بين قباض إدارة الضرائب وقباط الخزينة، وكيفية تدبير المنازعات القضائية أثناء الفترة الانتقالية، واحترام المساطر المحاسبية والإجرائية الدقيقة بين الأطراف، وهو ما شكل جوهر المشاكل العملية التي واجهت الموظفين خلال التطبيق.