عودة السياسة؟
شيء ما تغيّر في الرباط خلال الأيام القليلة الماضية. صحيح أن الحكومة الجديدة لم تُشكّل بعد، ولا نعرف حتى الآن على وجه اليقين من سيدخل الأغلبية ومن سيجلس في المعارضة، لكننا أصبحنا نعرف شيئا واحدا على الأقل، هو أن السياسة التي غابت طوال الولاية السابقة، بدأت تعود إلى المشهد.
لا يتعلق الأمر هنا بحكم قيمة على الحكومة السابقة، ولا بالقول إن السياسة التي تعود اليوم ستكون بالضرورة أفضل من تلك التي غابت بالأمس. فليس كل حضور للسياسة ديمقراطية، وليس كل صراع حزبي دليلا على حيوية المؤسسات. المقصود أن الكلمات والمواقف والتحالفات والخصومات والحسابات والرسائل المبطنة عادت لتصبح ذات معنى، بعدما عشنا خمس سنوات بدا فيها المشهد السياسي في أحيان كثيرة كما لو أنه تحوّل إلى امتداد لاجتماع مجلس إدارة كبير، تُعلن فيه القرارات، وتُعرض الأرقام، ويُطلب منا انتظار النتائج بمنطق “ديروا النية!”.
هذا، في تقديري، واحد من أكثر الآثار وضوحا لمرحلة عزيز أخنوش. نجح التجمع الوطني للأحرار في فرض أسلوبه على الحكومة والحقل السياسي كلّه، من خلال نقاش قليل إلى شبه منعدم، ومسافة واسعة بين القرار وتفسيره السياسي.
لم يكن رئيس الحكومة يحب الاشتباك، ولم تكن أغلبيته تبحث عنه، وتحولت عبارة “الانسجام الحكومي” في كثير من الأحيان إلى اسم آخر للصمت. وإذا كان من الممكن الاختلاف حول حصيلة تلك الحكومة اقتصاديا واجتماعيا، فإن من الصعب إنكار أنها تركت وراءها حياة سياسية فقيرة في الجدل والمعنى، بفعل الجفاف السياسي الذي سبّبته شخصية أخنوش.
اليوم نحن أمام مشهد مختلف. ويكفي أن ننظر إلى طريقة تدبير مشاورات تشكيل الحكومة. الأرقام موجودة طبعا، وهي التي تحدد في النهاية من يملك الأغلبية ومن لا يملكها، لكن ما يجري منذ تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يتجاوز بكثير عملية جمع 198 مقعدا الضرورية لتنصيب حكومة جديدة.
هناك أوراق تُرفع وأخرى تُخفى، حلفاء محتملون يُقرّبون وآخرون يُتركون على مسافة، وأحزاب يُفاوض بها بعضها بعضا قبل أن تُفاوض على حقائبها. وخلال اليومين الماضيين، استمرت الجولة الثانية من المشاورات، فيما فوّضت اللجنة المركزية للتقدم والاشتراكية بالإجماع مكتبه السياسي مواصلة التفاوض حول المشاركة، بعد نقاش داخلي لم يكن بلا توتر، بالتوازي مع تقدم الاتصالات مع الاتحاد الاشتراكي واستمرار البحث عن صيغة توسع الأغلبية أو تجعلها أكثر راحة.
حزب الأصالة والمعاصرة، بصرف النظر عن كل ما يمكن أن يقال عن ظروف نشأته ووظيفته الأولى، يختلف في شيء جوهري عن التجمع الوطني للأحرار. إنه حزب سياسي إلى جانب كونه آلة انتخابية. وهذه ليست شهادة حسن سيرة، بل وصف موضوعي.
هناك داخل البام صراعات وتيارات وحساسيات، وهو يعرف كيف ينتج الخطاب ويدير الخصومة ويتحرك داخل المناطق الرمادية التي تعيش فيها السياسة. وإذا كان التجمع قد مثّل خلال السنوات الأخيرة الصورة التقنية لحضور الدولة في الحقل الحزبي، فيمكن القول إن “البام” يمثّل، في جانب كبير من ممارسته، جناحها السياسي؛ أي ذلك الجزء الذي لا يكتفي بالأرقام والمؤشرات، بل يعرف أن الحكم يحتاج أيضا إلى حلفاء وخصوم ورسائل وصراعات ومخارج للطوارئ.
ولعل مشاورات تشكيل الحكومة تقدم المثال الأوضح على ذلك. لم تتعامل قيادة الأصالة والمعاصرة مع الأحزاب كما لو أنها قطع متشابهة يمكن جمعها للوصول إلى رقم الأغلبية، بل تعاملت مع كل واحد منها وفق ما يمثله وما يخشاه وما يحتاجه.
بدا حزب الاستقلال في أجندة المنصوري وفريقها شريكا مطلوبا، لكن من المفيد أن يشعر بوجود بديل. والأحرار قد يخرجون من الحكومة لكن من المفيد أن يبقوا خيارا “تحت اليد”. والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية مطلوبان معا، لكن ينبغي تدبير الحساسية بينهما. والحركة الشعبية قد لا تكون ضرورية لتجاوز العتبة العددية، لكنها يمكن أن تصبح مفيدة في هندسة توازن سياسي أوسع… وهذه، ببساطة، سياسة.
حتى السجالات التي بدأت تظهر على هامش تشكيل الحكومة ليست معزولة تماما عن هذا التحول. عبد اللطيف وهبي فتح مبكرا مواجهة كلامية مع عبد الإله ابن كيران، مستدعيا ملف التطبيع وتوقيع سعد الدين العثماني على الاتفاق مع إسرائيل، في خرجة أعادت إشعال سجال داخل العدالة والتنمية نفسه.
وفي الاتجاه الآخر، جلس محمد المهدي بنسعيد وجمال العسري وجها لوجه في برنامج “بوليميك”، في مواجهة بين قيادي من الحزب الذي سيقود الحكومة وأمين عام حزب معارض، تحولت فيها الانتخابات ونزاهتها وموقع “البام” وطبيعة المعارضة إلى مادة اشتباك مباشر.
هناك استعداد مبكر لتحديد شكل الصراع المقبل، وليس فقط لتشكيل الحكومة. العدالة والتنمية حاضر في جهة، واليسار المعارض حاضر في الجهة الأخرى، فيما يوزع الأصالة والمعاصرة قادته على مساحات الجدل قبل أن تدخل الحكومة البرلمان أصلا.
إذا نسينا للحظة، فقط للحظة، ظروف تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة وكل الحمولة التي أتى بها منذ ظهوره، فإن بعض ما يجري اليوم يعيد إلى الذاكرة فكرة قديمة صاحبت البدايات الأولى لما سُمّي “العهد الجديد”، فكرة كفادها أن تحديث الدولة لا يكفي إذا لم ترافقه حياة سياسية حقيقية، وأن المؤسسات لا تعيش بالنصوص وحدها، بل بالصراع حولها وداخلها.
هذه الفكرة نفسها عاشت أكثر من دورة صعود وهبوط طوال عهد الملك محمد السادس. مررنا بفترات كانت فيها السياسة حاضرة بقوة، من حكومة التناوب إلى لحظة دستور 2011 وصعود العدالة والتنمية، وبينهما حكومة إدريس جطو التكنوقراطية. ثم دخلنا مراحل أخرى انكمش فيها المجال السياسي، واتسعت مكانه لغة التدبير والنجاعة والمشاريع الكبرى. كأن النظام السياسي المغربي يتحرك منذ ربع قرن في حركة بندول بين لحظات يشعر فيها بالحاجة إلى السياسة، وأخرى يعتقد فيها أن بالإمكان الاستغناء عنها.
لكن عودة السياسة هذه المرة تأتي في ظرف مختلف تماما. فهي تعود بعد انتخابات لم تستطع إعادة جزء واسع من المغاربة إلى صناديق الاقتراع، وبعد ظهور جيل من الشباب عبّر، بأشكال متعددة، عن قطيعة قاسية مع الأحزاب والمؤسسات واللغة السياسية التقليدية. جيل لا يحتاج فقط إلى حزب أكثر حيوية أو إلى مناظرة تلفزيونية أكثر حرارة، بل إلى سبب مقنع يجعله يعتقد أن ما يجري داخل المؤسسات له علاقة بما يجري في حياته.
نعم، يمكن للبام أن يعيد السياسة إلى البرلمان، ويمكن لعبد الإله ابن كيران أن يعيد المعارضة الصاخبة إلى المشهد، ويمكن للاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية أن يمنحا الحكومة جرعة من اللغة الإيديولوجية، ويمكن لجمال العسري ورفاقه أن يرفعوا منسوب المواجهة من المعارضة. كل هذا جيد من زاوية إعادة الحركة إلى فضاء كاد يصاب بالتيبس. لكن السياسة لا تعود بمجرد عودة السياسيين إلى الكلام.
السياسة تعود حين يشعر ذلك الشاب الذي لم يسجل نفسه أصلا في اللوائح الانتخابية أن هناك فرقا بين أن يذهب إلى الصندوق وأن يبقى في البيت. وتعود حين لا يصبح البحر، بالنسبة إلى جزء من الشباب، طريقا أكثر قابلية للوثوق من الحزب والنقابة والانتخابات. وتعود حين يستطيع من يحتج على مدرسة أو مستشفى أو شغل أو كرامة أن يرى في المؤسسات طريقا للوصول إلى حقه، لا مجرد قناة أخرى توصل إلى السجن.
قد تكون عودة السياسة التي نشاهد إرهاصاتها اليوم فرصة حقيقية. وقد لا تكون أكثر من عودة السياسيين أنفسهم إلى ممارسة اللعبة التي يحبونها، أي حكومة ومعارضة، صفقات وتحالفات، مناظرات وخصومات، قبل أن نكتشف بعد سنوات أن المجتمع اختار لنفسه وجهة أخرى.