علي لاريجاني.. تأويل حسيني للكانطية
من العباءة الفكرية والفلسفية لمحمد حسين الطباطبائي خرج علي لاريجاني، أمين مجلس الأمن القومي الإيراني قبل أن يغتاله العدوان “الإسرائيلي”؛ لكنه لم يكن ليغض الطرف عن فكر أحمد فرديد ذي المنحى “الكينوني”.. لم يكن ليصطنع تناقضا حديا بين محمد حسين الطباطبائي وأحمد فرديد وقد نهل من الفيلسوف الألماني إمانويل كانط وعرف فلسفته، ولم يكن ليبقى حبيس هذه الفلسفة وقد عرف آفاق الفلسفة الإسلامية كما تدرَّس وتناقَش في قاعات الحوزة (مقال “لاريجاني وكانط: العقل والحدس”، لمحمود هدهود).. هل يجوز لنا القول إن لاريجاني كان ضحية لتجاوز كانط بحكمة الشرق الإسلامية؟ هذا ما سنحاول الاقتراب منه في هذه المقالة.
تجاوز لاريجاني “التملك” بـ”الكينونة” إذا أردنا استعمال تقابل إريك فروم، وتجاوز الانحسار في التفسير العقلي بالكشف عن الحدس الكامن خلف العقل، كما تجاوز هذا الأفق الكانطي بأفق أوسع منه، هو أفق الغيب كأصلٍ للحدس.. فكما يستلزم العقلُ حدسَه، يستلزم الحدسُ غيبَه.. الحقيقة غيبية، أسمى من أن تُحدَس، وبالتالي فأسمى من أن تُعقَل.. هذه فلسفة لاريجاني في عمومها، تلك التي ألزمته كينونة فرديد وإسلامية الطباطبائي، دون أن يحتفظ بأحدهما دون الآخر.. تلك التي جعلته يستفيد من الكانطية ككل، دون تحيز لعقلانيتها على حساب أخلاقيتها، ودون تحيز للثانية على حساب الأولى (نفس المرجع)..
هذا وقود فلسفي عقدي، مشرقي إسلامي، للصمود؛ وربما منه جاء خروج لاريجاني للتظاهر يوم القدس العالمي، وربما منه جاءت غايته في تحقيق السلام.. وهو -أيضا- وقود عقلي يرجو الخبرة، ومنه جاء التدبير والحساب بمنطق العصر، والإشراف على قطاع حساس في الدولة (الأمن)، وإتقان مهارة التخفي (حسب ما أكدته تقارير استخباراتية).. إذن هو استدعاء مزدوج، يطلب للحرب قيمتين، قيمة غربية لحفظ المصلحة، وقيمة شرقية للإلقاء بها في الأزل-الأبد.. وفي خضم التأويل الحسيني للكانطية، خُتِمت القصة الظاهرة لعلي لاريجاني..
لا ينبغي أن نغفل تصريح محمد خاتمي، الرئيس الإيراني الأسبق، والمحسوب على إصلاحيي طهران؛ فقد قال رسالة له عقب إعلان اغتيال لاريجاني: “إنّ من يُغتالون هم أولئك الذين، إن وُجد سبيلٌ إلى سلامٍ كريم، قادرون على تحقيقه ومتشوقون إليه”.. يفتح هذا التصريح نقاشا لم ينتبه إليه كثيرون، ذلك المنزع السلمي في فلسفة لاريجاني، ذلك السلام العادل الذي من أجله تكون الحرب.. ذلك المزج بين سلمية كانط وتضحية الحسين، ذلك الأفق الذي يبدو أنه لا يخدم مصلحة من يقضي عليه!
إن “اليمين الإسرائيلي المتطرف” لا يغتال نقيضه اليميني فقط، بل إن هذا اليمين قد يخدمه في شروط محددة ليمارس توسعه وعدوانه وتوحشه.. ما يبرع “اليمين الإسرائيلي” في اغتياله، ويبادر إلى محاصرته وكبح مبادرته، هو نقيضه الإصلاحي، لما له من قدرة على البقاء والصمود وفق الممكن، وبما له من قدرة على التأقلم دون أن يفقِد مِنعته أمام النقيض “الإسرائيلي”.. يسعى “النقيض الإصلاحي” أيضا إلى إصلاح علاقاته وتوثيقها مع محيطه العربي والإسلامي، وهذا يشكل تهديدا “لليمين الإسرائيلي”، بما يعنيه من تشكل لاستراتيجية واحدة مفادها: قوة راسخة تفرض السلم على الكيان في أفق زواله، لأنه “يزول بالسلم ويعيش بالحرب”..
الرسالة التي وجهها لاريجاني إلى العرب والمسلمين، شعوبا وحكومات، قبل يوم من اغتياله، يجب أن تُقرأ في هذا المنحى، وهو ما أكده محمد خاتمي في رسالته.. هناك طرف إصلاحي في إيران، من رموزه روحاني وبزشكيان خاتمي وظريف الخ، وكان لاريجاني واحدا منهم.. ويبدو أن قرار اغتياله قد تم خارج استراتيجية إدارة ترامب، ما يدل على وجود استراتيجيتين في هذه الحرب: استراتيجية أمريكية هدفها الردع وتراجع إيران لإنجاح استراتيجية ترامب للشرق الأوسط الجديد، وأخرى “إسرائيلية يمينية” هدفها التوسع والسيطرة واستمرار الحرب من أجل ذلك..
ربما أخطأ لاريجاني بعض الحسابات الأمنية والاستخباراتية، وربما دفعته فلسفته الخاصة إلى سلوك كربلائي مشرقي، لكنه عموما وموضوعيا راح ضحية الصراع بين إرادتين في الشرق الأوسط، إرادة السلام وإرادة الحرب، إرادة السيادة وإرادة السيطرة، إرادة الاعتدال وإرادة اليمين المتطرف.. وليس هذا كل ما يؤلم في شرطنا الجيوسياسي العنيف، “جيوبوليتيك الدم” بتعبير المفكر التونسي الصافي سعيد؛ ليس هذا كل ما يؤلم في واقعنا، بل أشد إيلاما منه أننا نفقد “خبرة الشرق” في عالم ينتقل على أنقاض المشرق العربي-الإسلامي!