علي خامنئي.. مرشد إيران الذي حصّن الثورة وقاوم أمريكا وأفتى بتحريم الإساءة للصحابة
شهد فجر السبت، الثامن والعشرين من فبراير 2026، لحظة فارقة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، حين استيقظت العاصمة الإيرانية على دوي انفجارات إثر هجوم جوي أمريكي إسرائيلي عنيف استهدف قلب مركز القرار في الجمهورية الإسلامية.
في مكتبه بطهران، وبينما كانت الطائرات الأمريكية والإسرائيلية تنفذ ضربات واسعة على أهداف داخل إيران، قُتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في اليوم العاشر من رمضان، لتنتهي حقبة امتدت أكثر من ثلاثة عقود حكم خلالها البلاد بقبضة سياسية ودينية أحكمت السيطرة على مفاصل الدولة.
ونُفذت العملية بثلاثين قنبلة خارقة للتحصينات استهدفت موقع المرشد تحت الأرض، وفق ما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ولم يتأخر الرد الإيراني طويلاً، إذ اشتعلت جبهات المنطقة بقصف مكثف طال قواعد ومصالح أمريكية في الخليج العربي والأردن، ليصبح رحيل المرشد شرارة مواجهة إقليمية كبرى بدت نذرها واضحة مع إعلان التلفزيون الإيراني “استشهاده” بعد سلسلة من بيانات النفي الرسمية.
الجذور والنشأة العلمية
وُلد علي جواد حسيني خامنئي في مدينة مشهد بمحافظة خراسان في الثامن من شتنبر 1939، ونشأ في كنف أسرة عُرفت بالعلم والزهد. وتتجذر أصوله في مدينة تفرش بوسط إيران، غير أن مسار أجداده قادهم إلى أذربيجان الإيرانية ثم إلى النجف، قبل أن يستقر والده، رجل الدين الآذري، في مشهد ليصبح إماماً لمسجد “كوهرشاد”.
أما والدته خديجة ميردامادي، المنحدرة من أصول أصفهانية ومن نسل العالم الشهير “ميرداماد”، فشكّلت البعد الروحي والتربوي في تكوينه، لينشأ خامنئي في بيئة دينية متداخلة الأعراق والثقافات داخل المجتمع الإيراني. وقد أصبح لاحقاً عالماً متخصصاً في العلوم الشرعية، ضمن أسرة أنجبت ثلاثة علماء من بين ثمانية إخوة.
يقول عن نفسه في مذكراته إنه عاش طفولة عسيرة، وإنه مرت عليهم ليال لم يجدوا فيها ما يأكلون، ويضيف أن والدته كانت تخيط له ولإخوانه ما يرتدون من ملابس أبيه البالية. نشأ وإخوته في حي فقير بمشهد في بيت لا تتعدى مساحته 70 مترا مربعا، يتكون من غرفة واحدة وسرداب مظلم وضيق، إلى أن اشترى بعض تلامذة أبيه قطعة أرض مجاورة للبيت ووسعوه حتى أصبحت فيه 3 غرف.
بدأ علي خامنئي دراسة القرآن الكريم منذ سن الرابعة، وتلقى في صغره تعليم الشعر والأدب الفارسي والفنون الإسلامية على يد والدته. أتم المرحلة الابتدائية في مشهد، ثم درس الحوزة الدينية عند والده وعالم الدين جليل حسيني سيستاني، وأكمل تعليمه في المدرسة الحكومية حتى المرحلة الثانوية.
في عام 1958، انتقل إلى النجف للدراسة على مراجع كبار مثل محسن الحكيم وأبو القاسم الخوئي ومحمود شاهرودي، ثم عاد إلى مشهد للدراسة تحت إشراف المرجع محمد هادي ميلاني. سنة 1959، سافر إلى قم للتعمق في العلوم الدينية، حيث درس عند الخميني ومحمد حسين الطبطبائي وحسين بجنوردي ومرتضى حائري يزدي ومحمد محقق ميرداماد. وعاد إلى مشهد عام 1964 بعد أن فقد والده بصره، وبدأ بتدريس الفقه والتفسير، ونشر بين طلابه فكرة إسقاط نظام الشاه، مساهماً في تكوين جيل من ناشطي الثورة عام 1979.
يُجيد خامنئي عدة لغات بما فيها اللغة العربية ولديه اطلاع واسع على الشعر والأدب، وقد تلقى الإنجليزية في السجن على يد ناشط شيوعي أرميني. تأثر فكرياً بالمفكر علي شريعتي، رائد مدرسة “الإسلام بلا رجال الدين” الفكرية، لكن تأثره الأكبر كان بالخميني الذي تشبع بأفكاره ورؤاه، فأصبح أحد رموز فقهاء الشيعة المؤمنين بولاية الفقيه المدافعين عنها.
تلميذ الخميني ومهندس الاستمرار
في المسار الثوري، عُرف خامنئي بكونه من أبرز تلامذة الإمام روح الله الخميني، وشارك بفعالية في النضال ضد نظام الشاه محمد رضا بهلوي، وأسهم في ترسيخ صعود التيار الديني إلى السلطة عام 1979.
وبعد انتصار الثورة، شغل مناصب حساسة في الدولة، قبل أن يُنتخب رئيساً للجمهورية عام 1981 في مرحلة كانت البلاد خلالها تخوض حرباً مفتوحة مع العراق.
ورغم إيمانه العميق بنظرية “ولاية الفقيه”، فإن وصوله إلى منصب المرشد الأعلى عقب وفاة الخميني عام 1989 استلزم تعديلاً دستورياً تاريخياً، إذ فُتح المنصب أمام “المجتهد” بعد أن كان حكراً على من يحمل درجة “مرجع تقليد”.
ومنذ توليه المنصب، أعاد هندسة موازين القوى داخل النظام، فعزز دور الحرس الثوري، ورسّخ مركزية القرار في مؤسسة المرشد، بحيث باتت الملفات الاستراتيجية – من الدفاع إلى السياسة الخارجية – تمر عبر مكتبه مباشرة.
وإذا كان الخميني قد فجّر الثورة وأرسى شرعيتها العقائدية، فإن خامنئي أمسك بخيوط بقائها، وأعاد تشكيل مؤسساتها بما يضمن استمرارها في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. وخلال عهده، شهدت إيران تحولات كبرى، من إعادة الإعمار بعد الحرب العراقية الإيرانية، إلى تشديد القبضة الأمنية في الداخل، مروراً بتوسيع النفوذ الإقليمي في العراق وسوريا ولبنان.
تبنّى خطاباً حاداً تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، واعتبر الصراع معهما صراعاً وجودياً، في وقت واصل فيه دعم البرنامج النووي بوصفه حقاً سيادياً. وبين مدٍّ وجزر مع العقوبات الدولية، حافظ على توازن دقيق بين التيارات السياسية الداخلية، مانحاً هامشاً محدوداً للإصلاحيين من دون السماح بتغيير جوهري يمس بنية النظام.
المرجعية الدينية وخطاب الوحدة
وعلى الصعيد الديني والمذهبي، سعى خامنئي إلى تقديم نفسه كمرجعية إسلامية تتجاوز الانقسامات الطائفية الحادة، متبنياً خطاباً يدعو إلى “الوحدة الإسلامية” كضرورة استراتيجية لمواجهة القوى الخارجية.
وفي هذا السياق، برزت فتواه الشهيرة التي حرّم من خلالها الإساءة إلى رموز أهل السنة أو النيل من زوجات النبي. وقد نص خامنئي في فتواه صراحة على أنه “يحرم النيل من رموز إخواننا السنة فضلاً عن اتهام زوجة النبي بما يخل بشرفها بل هذا الأمر ممتنع على نساء الأنبياء وخصوصاً سيدهم الرسول الأعظم”.
كانت هذه المواقف تمثل ركيزة أساسية في محاولاته لمد جسور التواصل مع المجتمعات المسلمة خارج إطار التشيع، وتجريد خصومه من سلاح التحريض الطائفي، مما عزز من صورته كزعيم يسعى لصياغة هوية إسلامية جامعة تحت مظلة “محور المقاومة”.
التحديات الداخلية والإرث الاقتصادي
بموازاة نفوذه الإقليمي، مثّل خامنئي نقطة الارتكاز النهائية في هرم السلطة؛ فمجلس صيانة الدستور، والسلطة القضائية، وقيادات الحرس الثوري، جميعها كانت تدين له بالولاء المباشر أو غير المباشر.
ومع مرور الوقت، ترسّخت صورته بوصفه الحَكَم الأعلى الذي يفصل في النزاعات السياسية، ويحدد الخطوط الحمراء، ويحفظ تماسك النخبة الحاكمة. غير أن سنواته الأخيرة شهدت تحديات متزايدة، من احتجاجات شعبية متكررة إلى ضغوط اقتصادية خانقة، ما جعل مسألة خلافته حاضرة في الكواليس حتى قبل اغتياله.
وواجهت قيادته تحديات اقتصادية كبرى هزّت صورة الدولة المستقرة، إذ اضطر، في ظل العجز المتزايد في الموازنة، إلى منح موافقات استثنائية للحكومة لسحب مليار دولار من الصندوق السيادي. وبالرغم من هذه الخطوة، أكدت تقارير اقتصادية وصحف إيرانية أن تلك التدخلات لم تفلح في الحد من التدهور المالي الناتج عن العقوبات الدولية والضغوط العسكرية.
ومع ذلك، ظل خامنئي متمسكاً بنهجه المتصلب تجاه الغرب حتى لحظة مقتله، التي جاءت في ذروة تصعيد غير مسبوق في الإقليم، تاركاً خلفه إرثاً سياسياً مثقلاً بالتحولات، وعائلة تضم ستة أبناء، ونظاماً يواجه اليوم أحد أصعب اختباراته الوجودية تحت نيران القصف المتبادل.
ما بعد المرشد
تدخل إيران الآن مرحلة اختبار حقيقي؛ فآلية اختيار المرشد الجديد، التي يتولاها مجلس الخبراء، ستكون محط أنظار الداخل والخارج معاً. وفي ظل الرد العسكري الإيراني السريع على المصالح الأمريكية في المنطقة، يتداخل سؤال الخلافة مع معادلة الردع والتصعيد، بما يضاعف حساسية اللحظة.
سيبقى إرث خامنئي محل جدل عميق؛ فأنصاره يرونه حارس الثورة الذي صمد في وجه العواصف، بينما يعتبره خصومه رمزاً لجمود سياسي وإقصاء داخلي.
لكن الثابت أن الرجل حكم إيران في مرحلة مفصلية من تاريخها الحديث. وبين أصداء القصف المتبادل وتصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة، يظل السؤال الأبرز: هل ينجح النظام الذي بناه في تجاوز غيابه، أم أن فجر اغتياله سيكون بداية فصل جديد في تاريخ إيران والمنطقة؟