عرض “كتاب بووانو” يفتح نقاشاً حول توظيف “الإنتاجات الخاصة” في العمل البرلماني
تتواصل النقاشات السياسية والقانونية حول الجدل المثار بمجلس النواب يوم الاثنين 21 أبريل الجاري، عقب مواجهة بين رئيس مجلس النواب، رشيد الطالبي العلمي، ورئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، عبد الله بووانو.
اندلع الخلاف بسبب إصرار بووانو على عرض كتاب يوثق معطيات حول “صفقات الأغنام” داخل القاعة، وهو ما اعتبره الطالبي العلمي “استغلالا” للمؤسسة البرلمانية لغرض عرض إنتاجات شخصية ومخالفة للضوابط النظامية، مطالبا بسحبه.
في المقابل، تمسك بووانو بحقه في العرض معتبرا إياه نشاطا مرتبطا بمهامه الرقابية والنيابية، مما أدى إلى تصاعد التوتر ووقف البث مؤقتا المثار مؤخرا بخصوص إحدى الإصدارات، حيث اعتبر المتتبعون أن هذه الواقعة لا تعدو كونها حلقة من حلقات الحوار الديمقراطي بين الحكومة والبرلمان، وتفاعلا طبيعيا بين فرق الأغلبية والمعارضة داخل المؤسسة التشريعية.
ويرى المتتبعون أن التمييز بين ما هو مؤسساتي رسمي وما هو شخصي خاص معياراً أساسياً لتحديد مشروعية توظيف المنشورات داخل البرلمان، وضبط حدود استخدامها في إطار الممارسة السياسية والدستورية.
وفي سياق متصل، أكد عبد المنعم لزعر، أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري بكلية الحقوق السويسي بجامعة محمد الخامس، أن هذا النقاش يأتي على هامش عرض الحصيلة المرحلية للحكومة، تفعيلاً لمقتضيات الفصل 101 من الدستور، الذي يجعل من هذا العرض محطة برلمانية وسياسية بامتياز.
ويرى لزعر في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن عرض الحصيلة الحكومية يضع أداء الحكومة تحت مجهر التقييم البرلماني، كما يشكل في الوقت ذاته اختباراً حقيقياً لمدى فاعلية وقدرة فرق ومجموعات المعارضة على ممارسة أدوارها الرقابية والتقييمية.
وأضاف أن الفرق والمجموعات البرلمانية، إلى جانب النواب فرادى، تضطلع بصلاحيات واسعة ومحددة دستوريا وقانونيا، تتلخص أساسا في التشريع، وممارسة الرقابة، وتقييم السياسات العمومية، وهي أدوار تتطلب تكاملاً وانسجاماً في الأداء.
غير أن تفعيل هذه الصلاحيات، بحسب الأكاديمي ذاته، ليس مجرد إجراءات مسطرية، بل يتطلب توفر حزمة من الشروط الجوهرية، وفي مقدمتها وجود الكفاءة السياسية، والإمكانيات اللوجستية، إلى جانب الإرادة الصادقة، وتوفر المعلومات، مع ضمان حرية التعبير والنقاش.
وحذر عبد المنعم لزعر من أن غياب فضاء متاح للنقاش الحر، وفق الضوابط الدستورية واللائحية، من شأنه أن يحول مجلس النواب من مؤسسة حيوية إلى مجرد هيكل جامد يفتقر إلى الروح التفاعلية المطلوبة.
وفي هذا الصدد، أكد أن المشرع الدستوري والنظام الداخلي للمجلس منحا حصانة للنواب تمكنهم من التعبير عن آرائهم ومواقفهم بكل حرية، سواء في إطار ممارستهم لمهامهم داخل المجلس أو خارجه، وسواء كان التعبير شفهياً أو مكتوبا.
وبحسب المتحدث نفسه، لا يحد من هذه الحرية الواسعة سوى الالتزام بالثوابت الجامعة للأمة المغربية، والتي لا يسمح بالمجادلة فيها أو المساس بها، وهي الدين الإسلامي، والنظام الملكي، والوحدة الترابية، والاختيار الديمقراطي.
وبناء على ذلك، شدد أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري بكلية الحقوق السويسي بجامعة محمد الخامس، أن حرية التعبير تظل مكفولة للبرلمانيين ما دامت ملتزمة بهذه الثوابت الوطنية، مما يمنحهم الحق في نشر حصيلتهم ومنجزاتهم إلكترونيا أو ورقيا للعموم.
ومع ذلك، فإن هذا الحق في النشر ليس مطلقا، بل هو مقيد بضوابط دقيقة، أولها “شرط الصلاحية”، حيث يجب أن يكون النشر مرتبطا بالصفة البرلمانية للنائب أو الصفة المؤسساتية للفريق أو المجموعة النيابية.
وثانيا، بحسب المتحدث نفسه، من ناحية “المحتوى”، يجب أن يقتصر مضمون المنشورات التي تدخل في نطاق التفاعل المؤسساتي على العمل والنشاط والمنجز النيابي، باعتبار أن المنجز المؤسساتي ملك للمجلس أو للفريق المعني.
وأكد الأكاديمي على أن المنجز المؤسساتي للمجلس هو ملك للمؤسسة، وبالتالي يمكن توظيفه في التفاعلات الرسمية، وكذلك الأمر بالنسبة للمنجز الخاص بالفريق أو المجموعة النيابية الذي يمكن توظيفه في سياقاته الداخلية والخارجية.
أما ثالث الضوابط، فيتعلق بالقيود القانونية والأخلاقية، إذ يمنع منعا كليا تضمن المنشورات لمعطيات أو بيانات تقع تحت طائلة السرية، كما يمنع استغلال هذه المنشورات لتحقيق مصلحة شخصية أو فئوية ضيقة.
ورابعا، يضيف عبد المنعم لزعر، وبالرغم من الحق في النشر، يظل للنائب البرلماني، بصفته مواطنا، الحق في تأليف ونشر كتب شخصية، ولكن هذا الحق يظل مشروطا بعدم استغلال الصفة البرلمانية للترويج لهذه الكتب من داخل المؤسسة.
كما أوضح لزعر بضرورة الفصل التام بين “العمل البرلماني” و”العمل الخاص”، إذ لا يجوز توظيف البيانات والمعطيات السرية التي حصل عليها النائب بفضل صفته البرلمانية في إصداراته الشخصية.
ويرى المتحدث أن الجدل المثار حول الواقعة بالبرلمان يندرج ضمن هذا الفهم القانوني؛ “فإذا كان المنشور يشكل امتدادا للأدوار النيابية، فهو مندمج ضمن الصلاحيات المتاحة، أما إذا كان خارج هذا النطاق، فلا يمكن إدماجه في الحياة البرلمانية الرسمية”.
واختتم عبد المنعم لزعر تصريحه بالقول، أن المؤسسة البرلمانية تظل فضاء للعمل العام، ويظل التمييز بين ما هو مؤسساتي رسمي وما هو شخصي خاص هو المعيار الفاصل لتحديد مشروعية المنشورات البرلمانية وتوظيفها في إطار الحياة السياسية والدستورية.
.also-read-box { display: flex; align-items: center; gap: 12px; border: 1px solid #ddd; padding: 12px; background: #fafafa; border-radius: 6px; direction: rtl; } .also-read-box img { width: 110px; height: 75px; object-fit: cover; border-radius: 4px; } .also-read-content { display: flex; flex-direction: column; text-align: right; } .also-read-label { font-size: 15px; font-weight: 600; color: #666; margin-bottom: 6px; } .also-read-title { font-size: 18px; font-weight: 600; color: #000; text-decoration: none; line-height: 1.6; } .also-read-title:hover { text-decoration: underline; }